واقع الهوية اللغوية في المجتمعات العربية

واقع الهوية اللغوية في المجتمعات العربية
واقع الهوية اللغوية في المجتمعات العربية


أقامت ندوة الوفاء الثقافية بمنزل عميدها الشيخ أحمد محمد باجنيد رحمه الله ندوة بعنوان: واقع اللغة العربية في المجتمعات العربية، والتي قدمها الدكتور عائض الردادي، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وأدارها الندوة الدكتور أحمد مشهور الحازمي، مستشار البيئة بشركة سابك، وذلك يوم الأربعاء 15 رجب 1438هـ الموافق 12 أبريل 2017م. وقد استطاع المحاضر الكريم أن يسلط الضوء على جوانب مهمة في الموضوع، الذي له أهمية كبيرة في الواقع الحالي، ومما دار في الندوة من قبل الدكتور عائض:

بلا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام ٢٠٠١ هزت العالم اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وفكرياً. ولكن الثقافة المهيمنة سعت لإيجاد شعوب بديلة تعيش على أرضها وعلى وطنها أجساماً ولكنها تحمل عقول بلد آخر.

ووجد طرفان، طرف مهيمن يسعى لفرض ثقافته على الآخرين، وربما بغير القوة العسكرية، وطرف آخر ضعيف حذر من احتكار المعرفة، وأنه لا يمكن أن تختصر في ثقافة واحدة، وأن لكل شعب له ثقافته وتراثه وتاريخه.

هذا الصراع الثقافي لا يدور بين الثقافات ذات القوة العسكرية وشعوب العالم الثالث فقط، بل هناك صراع بين الولايات المتحدة وبين دول الشرق المتقدم كاليابان والصين، وصراع بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة أيضاً.

وقد أصدرت دول أوربا قانوناً قبل عدة سنوات المعروف بتلفزيون بلا حدود، ليكون٦٠٪ من برامج القنوات الأوربية من أصل أوربي، وتتزعم هذه المواجهة فرنسا، وهي ترى أن توحيد لغات العالم في لغة واحدة -هي الإنجليزية - نوع من الاستعمار الثقافي.


تعريف الهوية وفق لبيتر تاب عالم النفس الاجتماعي:

هي نسق من الأحاسيس والتمثلات التي يستطيع بها فرد ما الإحساس بتميزه.

وكما أن للفرد هويته، فلشعوب هويتها الثقافية التي تميزها عن غيرها أيضاً، واللغة هي عماد الثقافة ووعاؤها ومظهر من مظاهر وحدة الأمة.

وبالرغم من اتفاق دول أوروبا سياسيا واقتصاديا في وحدتها، ولكن بقيت كل دولة متمسكة بلغتها، حتى لو كان عدد السكان قليلون، فإيسلندا عدد سكانها ٢٩٣٢٩١ نسمة، ولكنهم يحافظون على لغتهم محافظة شديدة، بالرغم ما عانوه من استعمار، وعند المرحلة الثانوية يجبرون الطلاب على تعلم لغات أخرى.

يقابل هذا ما تتعرض له اللغة العربية من أبنائها من التهميش والتجاذب بين المتساهلين (المستعجمين) والمكافحين لتبقى اللغة العربية هي لغة العرب الأولى، وركيزة من ركائز وحدتهم.

كنت في النرويج في لقاء مع بعض الأوربيين، وكان بينهم جزائري، وكنت أتحدث معه بلغة عربية، فذهب النرويجي وأحضر الخارطة، وقال لا يمكن مع هذه المسافة البعيدة بين بلديكم أن تتحدثا لغة واحدة.

اللغة بشكل عام هي سياج الثقافة، وهو موضوع سيادي تنص عليه الدساتير الوطنية، فكيف باللغة العربية للتي تملك ترصيدا ثقافيا لا تملكه لغة أخرى بدون مبالغة، وهي تمتد على مساحة شاسعة على الكرة الأرضية، وهي ولغة الدين الإسلامي، وفيها من سمات المرونة والتطور ما لا يوجد في اللغات الأخرى.

وسبق أن استمعت في أحد البرامج التلفزيونية لمسؤول أوربي، يعيب على الأوربيين التعامل مع البلاد العربية متفرقة، ويقول هي كيان واحد ينبغي التعامل معها كوحدة واحدة.

تعرضت اللغة العربية منذ عصر النهضة لهجمات كثيرة، ولكن لم تبلغ ما بلغته من بعد الحادي عشر من سبتمبر، وأفرزت هذه الهجمات نتائج واقعية في الإعلام وعلى ألسنة الشعب العربي، وفي إضعاف الانتماء اللغوي العربي، وتشجيع الشباب بخاصة على استعمال اللغة الأجنبية، بل واشتراطها في التوظيف وان لم يكن يتطلب ذلك.

ويقابل هذا اهتمام أهل اللغات بالحفاظ على هويتهم اللغوية، ومن ذلك عندما انعقدت القمة الثالثة العشرة للدول الناطقة بالفرنسية " الفرانكفونية "عام ١٤٣١ - ٢٠١٠ حذر مجموعة من الكتاب من تأثير لغة شكسبير على للغة موليير، وقالو في رسالتهم " عليكم العمل على تعزيز حضور اللغة الفرنسية على الصعيد الدولي، بدلا من البحث في قضايا جانبية ".

ومع هذا الانكسار اللغوي فبحمد الله وجدت جهود كبيرة من علماء اللغة العربية والغيورين عليها، فعقدت المؤتمرات وكتبت كثير من البحوث والدراسات.

وبذلت مراكز ومجامع اللغة المتخصصة جهوداً كبيرة، ومن ذلك المؤتمر الدولي للغة العربية الذي يعقد سنويا، وقد عقد الرابع منه في دبي، وحضره ٢١٥٨ مشاركا من ٧٤ دولة، وقدم فيه ٧٢١ بحثا. وكذلك مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية عقد عدة مؤتمرات في هذا.

في المقابل وجد فريق من المثقفين العرب ليس لديهم حرص على الحفاظ على اللغة العربية، وقد اطلق د. زياد الدريس تغريدة يتحدث عن بعضهم فقال: يتحدث بعض العرب بالإنجليزية أو الفرنسية في اليونسكو رغم توفر الترجمة الفورية، مع أن اللغة العربية هي لغة رسمية في اليونسكو.

واذكر والحديث للدكتور عائض في اجتماعًا لمجلس حقوق الأنسان في جنيف ألقى مندوب دولة عربية كلمته باللغة الفرنسية، مع أن اللغة العربية لغة رسمية في ذلك المجلس. ولو كان مندوبًا لدولة أخرى لكان هناك محاسبة.

الهجمات على اللغة العربية كانت مع بداية الاستعمار للبلاد العربية، حيث ظهرت الدعوة للعامية والدعوة للكتابة بالأحرف الإنجليزية، وشيوع الألفاظ الأجنبية. ولكن الأمر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تطور لما هو اكبر من ذلك، وهو الدعوة الصريحة لإحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية.



مظاهر الهجمة على اللغة العربية:

1- تعجيم التعليم:

أي التدريس في المدارس الحكومية و الأهلية باللغات الأجنبية في التعليم العام، والسماح للمدارس الأجنبية أن تدرس مناهج أجنبيه لأبناء البلد، حيث يتسابق الآباء لإلحاق أبنائهم بهذه المدارس الأجنبية.

و قد كان التعليم بلغة أجنبية فيما سبق مقصورا على التعليم العالي في الجامعات، و هو الذي لا يوجد في العالم كله، إلا في العالم العربي، فكل الدول تدرس العلوم بلغاتها، حتى الجزر مثل كوريا و أيسلندا.

و من الآثار السلبية لهذا كما ذكر الدكتور بدر المقبل في دراسة له: إنه من اكثر الأسباب المؤدية إلى انفكاك ارتباط الشباب بلغتهم الأم، فاللغة وعاء الثقافة، و عندما يتعلم الطفل لغة ما فإنه يتعلم لغة و ثقافه معا، و يتعلم مفاهيم و طريقه في التفكير و التعبير مختلفة عما لو كان يتلقى تعليمه باللغة العربية.

2- التحدث بلغه اجنبيه في المؤتمرات و الندوات و المنظمات الدولية:

و قد وردت الإشارة إلى تحدث مندوبي الدول العربية في المجامع الدولية بلغه اجنبيه، وأيضاً ما حدث في منتدى جدة الاقتصادي عام2013 حيث اتخذت اللغة الإنجليزية لغة رسمية للمنتدى، وتحدث بها العرب، غير أن السفير البريطاني أصر على الحديث بالعربية.

٣-الهجين اللغوي )العربيزي):

ويقصد بذلك ما يتداول بين الشباب في وسائل التواصل الاجتماعي من كلمات عربية في معناها وفِي نطقها، وتكتب بحروف إنجليزيه. ولهم بعض الاصطلاحات لبعض الحروف التي لا يوجد لها مقابل في اللغة الإنجليزية، فحرف ح يكتب مقابلة رقم 7 وحرف ع يكتب مقابله رقم 3 وهكذا، ومع استخدام بعض المختصرات، فالسلام عليكم AA و إن شاء الله INS , وحجة الشباب في استخدام هذا:

* سيطرة لغة الحاسب الآلي.

* التخفيف من رقابة الأهل.

* والهروب من الوقوع في الخطأ في قواعد اللغة العربية وأملائها.

ومن مظاهر انتشار هذه الظاهرة، ففي مصر أسس بعض الشباب مجلة ربع سنوية، وأصدر منتدى طلبة الكويت مجلة باسم العصر تكتب بهذه الطريقة، وتم إصدار برنامج للتحويل والترجمة بين العربية والعربيزي.



٤-اختصار الأسماء العربية بحروف إنجليزية:

وهذا معروف في الأسماء في اللغة الإنجليزية، فالأمم المتحدة تكتب u.n ، والمملكة المتحدة u.k ، ولكن هذا شاع في العالم العربي، حيث أصبحت أسماء المصارف والمؤسسات الأهلية والشركات تختصر بحروف إنجليزية، بحيث لا يكاد يدور الاسم بالعربية على الألسن، بل حتى بعض الدوائر الحكومية تتخذ لنفسها اسما مختصرا بالإنجليزي.

٥-تاثير وسائل الإعلام في ضياع الهوية:

وهي أكبر موثر في البيئة الثقافية والاجتماعية، وقد أنتجت مثقفين بوجوه عربية يعملون لهدم ثقافة العرب ولغتهم. في حين كانت وسائل الإعلام تهتم كثيرا لسلامة اللغة، وتعين مراقبين لغويين لذلك، أصبح الآن تساهل كبير في ذلك، ومنهم من ألغى شرط اللغة الفصحى.

وزاد استخدام الكلمات الأجنبية في أسماء البرامج وفي المقابلات، وصار مديري البرامج لا يعرفون شيء عن اللغة، في حين كانوا سابقا مثقفين قبل أن يكونوا إذاعيين, ويعتبر وضع اللغة العربية في وسائل الإعلام العربية في أسوء حالاتها حاليا.

٦-اشاعة الألفاظ الأجنبية في الأسماء التجارية:

ومن مظاهر ذلك:

* كتابة الاسم الأجنبي بحروف أجنبية.

* تسمية المحلات باسم أجنبي.

* استخدام اللفظ الأجنبي مع شيوع اللفظ العربي مثل sale بمعنى تخفيضات.

* كتابة الاسم العربي بحروف أجنبية.

فتحول الأمر عند التاجر أن يبحث عن اسم أجنبي ويحرص عليه، كعنصر جذب للمشتري.



٧-زحف اللهجات العامية على حساب الفصحى:

صار هناك احتفاء بالعامية في وسائل التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام، بعد أن كانت العامية شبه محظورة أو معيبة في الإعلام، فترسل تغريدات باللغة العامية وبلهجات محلية بحتة، وأيضا اختصار حروف الجر، فعين لعلى وفاء لفي، وانتشرت العربية الخالية من الإعراب كتابة ونطقا.



الخاتمة والتوصيات:

اللغة لا تكون هوية لأهلها إلا اذا كانت ذات شأن كبير لدى النخبة المثقفة قبل عامة الناس، وإلا اذا كان هؤلاء النخبة يذبّون العاديات عن لغتهم، كما يفعل أرباب اللغات في الدول المتقدمة.

والتوصية الرئيسة للحفاظ على الهوية اللغوية هي: صدور القرار السياسي الفاعل والمنفذ، وبعد ذلك تأتي التوصيات الفرعية التي تكمن قيمتها وتنفيذها في القرار السياسي، والموقف الصامد للمثقفين في الحفاظ على هويتهم، والذب عن لغتهم، ومن تلك التوصيات:

* تكثيف الدراسات التي تشخص المشكلة وتضع الحلول.

* توعية الشباب بالانتماء العربي.

* الاستفادة مما قدمه الباحثون من دراسات ميدانية حول ضعف الهوية اللغوية العربية.

* تعميد المعلمين بالشرح باللغة العربية.

* معالجة التردي في لغة الإعلام العربي.

* حث الجهات التقنية على تقديم البديل العربي.

* العدول عن كتابة الكلمات العربية بحروف اجنبيه ( العربيزي).

* تطوير تعليم اللغة العربية في التعليم العام والعالي.

* إذكاء روح الانتماء في المعلمين، ومعالجة روح الانهزامية لدى بعضهم.

* محاسبة من يتحدث بغير اللغة العربية في المنظمات الدولية.

* تنفيذ القرارات الصادرة حول الالتزام باللغة العربية في مجالات للتعليم والإعلام والأعمال التجارية.

* معالجة ما طرأ من الاندفاع في التدريس باللغات الأجنبية في مدارس للتعليم العام.

نبذة موجزة عن المحاضر الدكتور عائض الردادي:

- من مواليد المدينة المنورة.

- حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد.

- عمل في الإعلام (ممارسة وإدارة) لثلاثة عقود ونصف.

- تقلد عدة وظائف في وزارة الثقافة والإعلام، آخرها وكيل وزارة مساعد للتخطيط والدراسات فوكيل للإعلام الخارجي، فمدير عام لوكالة الأنباء السعودية.

- عمل أستاذاً متعاوناً في الجامعة.

عضو مجلس الشورى السعودي من ٣/٣/١٤٢٦هـ ولمدة أربع سنوات.

- عضو مجلس هيئة حقوق الإنسان من ١٩/٩/١٤٣٢هـ - ١/٦/١٤٣٥هـ.

- عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة من ٢٢/١/١٤٣٥هـ، ٢٥/١١/٢٠١٣م.

- عضو في عدد من الهيئات والرابطات والجمعيات العلمية واللجان.

- عضو ناديي الرياض والمدينة المنورة الأدبين من عام ١٤٣٢هـ، ٢٠١١م.

له عدد من المؤلفات في الأدب والإعلام والتاريخ والثقافة، طبع منها ما يزيد عن ٢٠ كتاباً.

ومنها:

- شعر الدعوة الإسلامية في العصر العباسي الثاني.

- التدين والمجون في شعر شوقي.

- الشعر الحجازي في القرن الحادي عشر الهجري.

- ندوة الرفاعي ( ندوة الوفاء)

- ديوان الشيخ عبدالعزيز بن أحمد الرفاعي.

- مجتمع المدينة المنورة في رحلة العياشي.

- واقع الهوية اللغوية في المجتمعات العربية.

وغيرها


التصنيفات