نظرية الثقافة عند مالك بن نبي

نظرية الثقافة عند مالك بن نبي
نظرية الثقافة عند مالك بن نبي
بسم الله الرحمن الرحيم
في ندوة الوفاء (الثقافية):
الدكتور عبد الله بن حمد العويسي يتحدث عن : ( نظرية الثقافة عند مالك بن نبيّ)
الرياض : محمد شلال الحناحنة
ضمن لقاءاتها الدورية الأسبوعية أقامت ندوة : (الوفاء) الثقافية محاضرة بعنوان : ( نظرية الثقافة عند مالك بن نبي) ألقاها الدكتور عبد الله بن حمد العويسي الأستاذ المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك مساء الأربعاء 14/6/1437هـ ، وقد أدارها الناقد الدكتور علي الحمود، وحضرها ثلة من جمور الندوة ومثقفيها ومتابعيها.

وقفات مع المفكر مالك بن نبيّ

بداية ـ حمد المحاضر الدكتور عبد الله بن حمد العويسي الله، وصلى على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم شكر عميد الندوة فضيلة الشيخ أحمد باجنيد، وأبناءه على دعوتهم له، وأضاف : هذه الندوة تصنع النهضة، كما شكر مقدم هذا اللقاء الناقد الدكتور علي الحمود، ثم قال : مالك بن نبي رحمه الله مفكر جزائري ولد عام 1905م ، وتوفي سنة 1973م، وقد عاش جانباً من حياته في العالم الغربي، والجانب الآخر في العالم العربي، كما عاش المحاصرة والغربة الموجعة في المغرب، وهو صاحب همة ونشاط، واتجه لدراسة الفلسفة ، ومما ميز تجربته أنه لم يؤلف حتى نضجت تجربته تماماً في كتابيه : ( شروط النهضة) و(دور المسلم ورسالته في القرن العشرين) وتحول مالك بن نبي في أسئلته من سؤال النهضة إلى سؤال الهوية، وكان لهذا التحول أثر كبير في تحليله لأيام سقوط الوحدة السياسية (سقوط الدولة العثمانية).
ولذا فإن إشكالية النهضة كانت قائمة عنده، وهكذا جاءت نظرته للحضارة من زاويتين : ( الزاوية القدرية، وزاوية الحضارة الخاصة، ولذا فالدورة الحضارية هي ( مجتمع ما قبل الحضارة ، ومجتمع ما بعد الحضارة) أي إنسان ما قبل التحضر، وإنسان ما بعد التحضر، ويسمى إنسان ما بعد الحضارة إنسان ما بعد الموحدين المشبع بجراثيم التخلف التي تشل فكره وقدراته.



كيف ينظر مالك بن نبي إلى الثقافة ؟

وأشار المحاضر الدكتور / عبد الله العويسي أن الثقافة لدى مالك بن نبي هي تلك القيم التي تتحقق بواسطة الحضارة، إلا أن السائد في عالمنا العربي والإسلامي هو الخلط بين الثقافة والعلم !! بينما يرى مالك بن نبي أن أسلوب حياة المجتمع الذي يشكل سلوك الأفراد هو البعد التاريخي الذي يجلي البعد الثقافي سواء كان متخلفاً أو متقدماً، فهذا هو الذي يصنع شخصية الفرد ! ولذا فإن المفكر مالك بن نبي يستفيد من السؤال التالي : لماذا يتصف سلوكنا بالنشاط أحياناً وأحياناً بالغفلة ؟! ويقرن بالحضارة ثلاثة عناصر هي الروح، والعقل ، والغريزة، وتبرز الأنانية الفردية عند ظهور الفساد في المجتمعات، وهذه المرحلة ظهرت فيما بعد الموحدين، ولذا أصبحت الثقافة في عالمنا الإسلامي تنتج التخلف لأن حلول العالم الإسلامي هي حلول جزئية ، فنرى من هذه الحلول أنهم يريدون القضاء على الجهل بفتح المدارس والجامعات فقط، وعلى الفقر بفتح مشاريع استثمارية وعلى المرض بفتح المستشفيات، ولكن ليست هذه الحلول تصنع الثقافة أو الحضارة.. ولكن الحل ، هو كيف ننقل الإنسان من بؤرة التخلف إلى إنسان متحضر قادر على العمل ليدخل المجتمع الحضاري .. والعلم وحده لا يحل المشكلة فالمسلم يهاجر إلى الغرب وقد يكون أذكى من الغربي لكن هذا الغربي يتفوق كثيراً على المسلم بحل مشكلاته من خلال مشروعه المتكامل مع محيطه الثقافي في المجتمع عكس المسلم تماماً كما يرى مالك بن نبي!!.



عناصر العمل الحضاري المنتج
ويحدثنا المحاضر الدكتور عبد الله العويس عن أبرز العناصر في العمل الحضاري المنتج عند مالك بن نبي فيراها ما يأتي :
1-إن العمل الحضاري المنتج يأتي من دوافعه وبواعثه الأخلاقية عند صاحبه، مما يجعله أكثر إنتاجية وحضارية، وهذا هو ما نسميه البعد الأخلاقي في العمل.
2-صورة العمل ، فله صورة مادية ومعنوية حسنة أو سيئة فيجب أن تكون صورته حسنة جميلة في نفس صاحبه حتى يكون حضارياً منتجاً، ويقول سبحانه وتعالى : ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون) الآية 6 من سورة النحل.
3-إنجاز العمل بطريقة فعّالة، أو غير فعّالة، فإن كان محدداً فعّالاً ذات وسيلة مؤثرة كان حضارياً.
4-إنتاج العمل وفق أصول فنية سواء كانت منهجية أو طرقاً وأساليب مردها إلى قواعد علمية.
وكي نصل إلى هذا العمل الحضاري لابد من وضع منهج تربوي لبناء ا لإنسان من خلال هذه العناصر الأربعة ويقول مالك بن نبي إن الدين الإسلامي يأتينا بكل هذه العناصر من خلال أوامر ه ونواهيه في بناء الإنسان تربوياً ليوصله إلى سعادة الدارين الدنيا والآخرةّ! أما الجمال في الإسلام فقبل أن يكون شكلياً هو جمال الباطن، والجمال الروحي هو الذي يفيض على الإنسان بالجمال الحقيقي، وهو الإحسان : ( والله يحب المحسنين) الآية 134 من آل عمران .
إن بعض المسلمين قد يوظف التقنية توظيفاً سيئاً غير فعّال وكذلك المال عند بعض المسلمين قد لا يكون منتجاً كما عند الآخرين، والفرق ليس فطرياً ولكن المشكلة في (المعادلة الثقافية) كما يقول مالك بن نبي، فمثلاً خرج المجتمع الألماني بعد الحرب العالمية الثانية مدمراً، ولكنه استطاع تقديم ساعات عمل إضافية لينهض من جديد بعد سنوات قليلة، بينما أندونيسيا لم تستطيع أن تنهض، وقد كانت إنتاجية الألماني ما يقارب 90% وهذا هو دور الثقافة حين تكون متخلفة أو متقدمة، ويقارن المفكر مالك بن نبي بين مجتمع صدر الإسلام المنتج وبين عصر الانحطاط في عالمنا العربي والإسلامي في العصر الحديث.
فالتربية الفاعلة هي التي تبني الإنسان، بينما العلم يعتمد على إيجاد المهارات وليس السلوك.. وبالتأكيد فإن أخطاءنا تربوية سلوكية، لكن الثقافة تظل هي الإطار العام الذي يشكل السلوك ويوجهه وهذا هو المشروع الحقيقي لعالمنا العربي والإسلامي، فالإسلام يوجه السلوك داخلياً وخارجياً ويوجه للعمل الجاد المتقن وللإنتاج، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) رواه الطبراني، وصححه الألباني.
ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أتاه يطلب الصدقة أن يحتطب بفأسه، ويستثمر العمل كي لا يمد يده يطلب الناس.



نوافذ الحوار
وأخيراً، جاء دور المداخلات والحوارات والأسئلة التي أجاب عنها المحاضر الدكتور عبد الله العويسي ومنها مداخلة الدكتور الإعلامي الكبير عائض الردادي، فشكر عميد الندوة وأبناءه على دورهم الثقافي العظيم، كما شكر المحاضر وقال : لقد استطاع المفكر مالك بن نبي أن يشغل الناس بأفكاره وآرائه وأذكر أنه جاء للرياض منذ سنوات، وكان في حديثه يمثل الآلام والأوجاع ومأساة الجزائر، فهو لم يستطيع أن يتحدث العربية أو يقرأها ، إن محاضرنا وقدم محاضرة رائعة!.
أما الأستاذ منصور العمرو فأشار إلى أن مالك بن نبي كان مسالماً ، ويجعل القارئ يصل إلى النتائج بصورة هادئة.
أما الدكتور عبد الرزاق الزهراني فقال لقد أخذنا المحاضر في سياحة فكرية مركزة ، ولقب مالك بن نبي بابن خلدون في القرن العشرين، وبنى نفسه بنفسه ، ولا شك أن الناس في الدول المتقدمة يحرصون على الوقت لأنه ثمين جداً عكسنا تماماً في المجتمعات النامية ، فالوقت يقتل، وهناك قابلية لنشر فكر المستعمر، وقد نهضت المجتمعات الغربية لتطبيقها للأنظمة والقوانين.. ، لكن أين تطبيقنا ؟!
وعبر الأستاذ هيثم الأشقر عن سعادته لسماع هذا الفكر الراقي، لكن مالك بن نبي لم يكن مقروءاً من الحركات والتيارات الإسلامية إلا النخب فقد كانت حريصة على قراءته، وفكر مالك بن نبي يحتاج اليوم إلى تطوير ونحن بحاجة إلى إسقاط الفقه على الواقع.
وشكر المهندس محمد با جنيد المحاضر ومدير الجلسة والحضور على تواصلهم ثم أضاف : لدينا طاقات متميزة في عالمنا الإسلامي، ولكن تذهب أوقاتنا وتضيع لتخلف الأنظمة والقوانين وتشرذمها مما يسبب تأخرنا.
وسأل الدكتور عمر خلوف : هل استفادت الأمة من تنظير مالك بن نبي ؟ ! كما سأل الأستاذ عبد العزيز العمر ما تعريف الإعلام ؟ وما تعريف الثقافة ؟!
أما الأستاذ مشعل فقال : يصر مالك بن نبي على قاعدة ربانية يقول فيها سبحانه وتعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) "الآية 11 سورة الرعد " وهل هذا يكفي للتغيير... وهل من توضيح لرأيه هذا ؟!
وشكر الشيخ إبراهيم المبارك عميد الندوة وأبناءه البررة وشكر المحاضر وعبر عن إعجابه به لاعتداله في رأيه، ثم أشار إلى أن الخلل لدينا في التطبيق ، والتنظير كثير فبعض الناس يواظبون على الصلاة ويأكلون حقوق الآخرين، والغيبة تعم لدى بعضنا .. وننسى عظم هذا الذنب في ديننا !! وما أجمل الاستقلالية بعقل دون التبعية لأحد ؟!
وفي الختام ألقى الأستاذ أحمد عباس قصيدة شعرية عن مالك بن نبي وهي أبيات عبّرت عن حبّه لفكره وتأثيره في مجتمعاتنا الإسلامية.





ذات صلة

أضف تعليق