نص لكلمات الندوة في رثاء الدكتور راشد المبارك رحمه الله

نص لكلمات الندوة في رثاء الدكتور راشد المبارك رحمه الله
نص لكلمات الندوة في رثاء الدكتور راشد المبارك رحمه الله
نص كلمات الندوة في رثاء الدكتور راشد المبارك رحمه الله

(وقد نشرت القصائد الثلاث للدكتور عبد القدوس أبو صالح، والدكتور حير الغدير، والدكتور وليد قصاب في قسم الشعر)

أقامت ندوة الوفاء يوم الأربعاء 13-5-1436هـ، الموافق 4-3-2015م في منزل عميدها الشيخ أحمد محمد باجنيد حفظه الله، ندوة في رثاء الأديب الكبير الدكتور راشد بن عبد العزيز المبارك رحمه الله، الذي انتقل إلى رحمة الله، يوم الأربعاء 29 ربيع الآخر 1436هـ، الموافق 18/2/2015م، في مدينة الرياض.
وقد كانت الندوة -بفضل الله- حافلة، حضرها نخبة من العلماء والأدباء والمفكرين ومحبيه، وحضر الندوة أبناء الدكتور راشد.
وأدار الندوة الأديب الأستاذ الدكتور عبدالله العريني عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ويسر أسرة الندوة أن تضع بين أيديكم نص الأمسية بتصرف يسير، آملين أن تنال رضاكم.

الافتتاح: مدير الأمسية الدكتور عبدالله بن صالح العريني
 
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير عباد الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني

رواد ندوة الوفاء في ندوة الوفاء، نحييكم في هذه الأمسية من أماسي هذه الندوة المباركة، والتي تشرف بحضوركم ومشاركتكم وتفاعلكم، هذه الندوة التي نستطلع فيها إضاءات ونستذكر فيها وقفات لرجل مبارك له من اسمه أوفر الحظ والنصيب، وهو الدكتور راشد المبارك، رحمه الله.
سنلتقي ضيوفنا في هذا اللقاء في إضاءات نحيي فيها ذكر هذا الرجل الكريم
الأديب العالم الأستاذ الدكتور راشد عبدالعزيز المبارك رحمه الله، وإن له الكثير من الحقوق علينا، لكنا نعد هذا اللقاء شيئا قليلا مما يجب أن يكون له في أعناقنا، مرة أخرى أرحب بكم باسم عميد هذه الندوة الشيخ أحمد محمد باجنيد.
وخير ما نبدأ به آيات من القرآن الكريم يتلوها الطالب سعيد عبدالله باجنيد
آيات من أول سورة المؤمنون:

المقدم: راشد بن عبدالعزيز المبارك الأستاذ الدكتور الشاعر والمفكر، هو أستاذ جامعي متخصص في الفيزياء والكيمياء، لكن الثقافة بأنوارها وأطيافها حملته معها ليكون واحدا من المؤثرين في مشهدنا الثقافي عبر آرائه ومواقفه وصالونه الأدبي، الذي يعد واحدا من الصالونات الأدبية المتميزة في مدينة الرياض.
نبذة عن الدكتور راشد المبارك :



كلمة عميد الندوة الشيخ أحمد محمد باجنيد
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ..
أيها الأخوة الأحباب،،
أحييكم جميعاً وأشكركم جزيل الشكر على حضوركم هذه الأمسية، والتي نترحم فيها على رجل عزيز على قلوبنا جميعاً، وإن كان قد فارق دنيانا الفانية فإنه ترك آثاراً حسنة، وبصمات واضحة، وأعمالاً جليلة، نسأل الله أن يتقبلها منه، ويجزل له المثوبة والأجر.
لقد عرفت الدكتور راشد منذ وقت طويل، وأيضاً كان أحد رواد ندوة الشيخ عبدالعزيز الرفاعي رحمه الله، واستمرت صلته بالندوة بعد وفاة الشيخ الرفاعي فحضرها وحاضر فيها.
وقد كنت أتوجه إليه في بعض الشفاعات فكان موفقا يسعى بجاهه في نفع الناس، وألسنتهم تلهج له بالدعاء رحمه الله.
كان الدكتور راشد رحمه الله يشعرني برعاية خاصة، وربما غيري يشعر أيضا بنفس الشعور. وأذكر أني اتصلت به لتحديد موعد لزيارته على إثر عارض صحي ألم به، فإذا به يؤكد بأنه هو الذي سيزورني، وبالفعل مضت بضعة أيام، وإذا به يأتي إلي زائراً متحاملاً على آلامه.
وختاماً أسال الله الكريم المنان أن يتجاوز عنه، ويوسع له في قبره، وينور له فيه، وأن يخلفه على أهله ووطنه وأمته بخلف صالح، وأن يبارك في أولاده وذريته، ويحسن لنا جميعا الختام، ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



كلمة: أ.د.يحيى بن محمد شيخ أبو الخير

أستاذ الجيوموفولوجيا والأساليب الكمية في الجغرافيا
وعضو المجلس الإستشاري العالمي الأعلى بجامعة الملك سعود
المستشار بمعهد الأمير سلطان لدراسات البيئة والمياه والصحراء

نظرات في فكر وفلسفة راشد المبارك

أسكن الدكتور راشد المبارك طيب الله ثراه كل من عرفهم سويداء قلبه الكبير، وسكن هو أيضاً في قلوبهم، وتربع على عروش وجدانهم، وترسخ في عقولهم: إنساناً باراً، وفياً نزيهاً، جاداً موضوعياً، رحب الصدر، شفاف النفس، عالماً وأديباً، وشاعراً مجيداً، وصاحب رؤيةٍ ناضجة، وفلسفة سامقة، وفكر واقعي، ومنظور ثاقب عن الحياة والكون.
ولاشك أن هذا المنظور قد أثر في طبيعة شخصية الدكتور راشد المبارك الذي أخذ على نفسه عهداً أن يتجرد من الذات، وأن يرتقي فوق المنافع الشخصية، وأن يعيش لغيره، وأن يمنح قلبه للناس كل الناس، وأن يؤثرهم على نفسه، وقد فعل وأحسن الفعل. ووفاءً منه لهذا العهد تجده لا يترك صديقاً إلا يبره ويسأل عنه ويتودد إليه، ولا مريضاً إلا يعوده ويواسيه، ولا مكروباً إلا يعينه على نوائب الدهر. فما طرق أحد باب الدكتور راشد المبارك أسكن الله روحه الجنة إلا ونال حاجته، وعاد من حيث أتى معززاً مكرماً غير خائب أو محزون.
إضافة إلى ذلك فهو يتألم لألم المظلومين والفقراء والبؤساء والمسحوقين والمنكوبين لحد الأرق الذي يقض مضجعه ويبرحه وجعا وألما، ولا يرتاح له بال إلا بعد رفع الظلم والبؤس عنهم. أما سمعتم الدكتور راشد المبارك وهو يصدح "بصوت الأرض الإنساني المدوي قائلا:
" أنا نشيج الأسى في صدر من ظلموا
أنا أنين الشجى في قلب من نكبوا "
كذلك تؤرق الدكتور راشد وتقض مضاجعه قضايا أمته العربية والإسلامية، فيحترق كمداً لما تعانيه من مشكلات، فلا تهدأ له نفس، ولا تنام له عين إلا بعد أن تتجاوز أمته محنتها. فهو لا يقف من قضايا أمته، كما يفعل البعض، موقف المتفرج إذا ادلهمت الخطوب، بل يسرع بكل عزيمة واقتدار بالمشاركة الفاعلة في حل معاناتها بقلمه وماله وجهده وبما حباه الله من حضور ووجاهة قل نظيرها.
إن هذه الصفات الشخصية الفريدة للدكتور راشد المبارك رحمه الله قد أكسبته فكرا وفلسفة علمية متفردة. ولعلي أعطي نفسي الحق هنا فأصف فلسفته وفق الأبعاد الثلاثة الآتية:
1-البعد الأول: فلسفة ذات بعد علمي عقلاني أخلاقي إصلاحي نخبوي، توظف العقل في تحليل فرصه للنظر والاستقراء، ولكنه مع ذلك لا ينزه د.راشد رحمه الله العقل من الخطأ والزلل. وكان رحمه الله يؤرقه ويقض مضجعه إذا انتهكت حقوق الإنسان، وحجر على الرأي والرأي الآخر فكريا، وصودر وفرض الفكر المخالف بقوة أسواط الجلادين. كما قادته فلسفته ومنظوره الفكري العلمي عن الحياة والكون إلى مقت واستهجان التقليد الأعمى، وعدم منح العقل فرصته لاستشكال الأحداث.
إن فلسفة د.راشد المبارك وفكره العلمي العقلاني الإصلاحي النخبوي جعله يمنح العقل منزلة سامقة بهية يقدمها أحيانا على الحس والتجريب، مقتربا بذلك من المشتغلين بعلوم الإنسان وآدابها، التي يحترمها ويجلها كما صرح بذلك في أكثر من مناسبة وأكثر من مؤلف ومقال. وكان لهذه الفلسفة منظور يعول بموجبه على الحدس والخيال في الحصول على المعرفة القائمة على النظر فيقول: "إن أسرار المادة تقع داخل أسوار لا يخترقها سوى أشعة الفكر، ويتعذر اجتيازها إلا بوثبات الخيال" . فلذلك تجده يتألم من أنماط التعسف البشري، والتعامل المتوحش مع تلك الأسرار وطبيعة أسوارها وطرق اختراقها وسبر أغوار كينوناتها.
إن فلسفة د.راشد رحمه الله وفكره العلمي الممنهج قد منحه القدرة الموضوعية الفائقة للفصل بين جموح النظرية وألق المنظور وجنوح النظر بنماذجه المختلفة، موظفا عمق إيمانه بربه، وصلته المتينة بالكتاب والسنة، وفهمه الناضج لهما ولحدود الأطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها أمته، وتركن إليها دونما غفلة رحمه الله عن تأثير مستجدات العصر، وتغير ظروف الحال في المكان والزمان على تلك الحدود.
إن فلسفة د.راشد المبارك رحمه الله وفكره قد ولد وترعرع في أكناف إنسانيته الفذة، ورهافة حسه ورفيع ذائقته، وقلبه النابض رأفة وحنانا وتعاطفا واحتراما للإنسان. ونتيجة لذلك اتحد منظور د.راشد الفكري مع منظوره الإنساني ومع مثله ومبادئه العليا التي أفرزت فلسفته العلمية الأخلاقية العقلانية الإصلاحية النخبوية، ووجهتها الوجهة التي جعلت منه عالما ومفكرا وفيلسوفا متفردا. ولهذا نجد أن د.راشد لم يحرم شعره من تجربته الإنسانية الفكرية والفلسفية فأسقطها على شعره بعد أن ألبسها ثوب الحكمة والروية لتصبح رمزا ومثلا يستشهد به على أحداث الحياة المثلى من ضمير الإنسان اليقظ المحترق المجروح الغارق في حرقة دمع بلا سفر وشوق يحيى بلا أمل، فيقول بصوت مدوٍّ يرد له الدمع في مقلتيه، ويبرئ جرح أمته الخفي القاتل :
وأحرق الدمع ما يبقى بلا سفر وأقتل الجرح ما يخفى ويستتر
وأنبل الشوق ما يحيى بلا أمل ينثُّ طلا على الأكباد تنفطر



2-البعد الثاني: فلسفة علمية إبداعية خلاقة تأسست على نقل العلم من مرحلة المعلومات إلى مرحلة المفاهيم. فالعلم عند د.راشد المبارك أسلوب حياة، ونمط تفكير، وفكر ووسيلة استنباط وقياس واستدلال واسترداد. لهذا نجده ينحو في فلسفته منحى التنظيريين الذين شغفوا بالبحث في خواص المادة والعلاقة بين وحداتها اعتمادا على العقل والحدس والتأمل والحس والتجربة. ولذلك أدرك د.راشد المبارك أن التعليم لابد أن تتغير أنماطه الفكرية غير المفاهيمية، وأساليبه التلقينية إلى فكر تعليمي تحويلي يشارك فيه الطالب مع مدرسه في صناعة فكره الذي يقرر نمط شخصيته المستقبلية التي يعول عليها في النهوض التنموي والحضاري والثقافي والفكري المواكب للمشهد العالمي القافز المتطور.
ولاشك أن فكر وفلسفة د.راشد رحمه الله تتجلى في إعلائه من شأن الفلسفة ويؤكد شموخها لكنه في الوقت نفسه يؤكد تهافت بعض المشتغلين بالفلسفة نتيجة لتبنيهم أمرا يتناقض مع شموخ الفلسفة التي يشتغلون بها، وهو تلك النزعة التقريرية والوثوقية في أطروحاتهم التي لا تتعدى كونها خواطر وانطباعات لا ترتقي إلى المستوى الوثوقي الذي يتبنونه. ومن أمثال هؤلاء الفلاسفة التقريريين الذين أشار إليهم في أكثر من مناسبة، وكتب عنهم وتحدث أفلاطون وأرسطو وديكارت وسبينوزا وكانط وشوبنهاور على سبيل المثال لا الحصر.
وتندد فلسفته المستنيرة وفكره العلمي المستقر بالتمذهب الفلسفي الذي جنح بالفلسفة عن حياديتها وموضوعيتها نتيجة للمبالغة في الوثوقية التي تضلل في رأيه مسار الفكر، وتضفي عليه دوجماتية تزور الوقائع، وتحول العقول البشرية إلى شهداء زور أو إلى حالات يقرر العقل فيها قضية ما، ثم يأتي بما يناقضها.
وتبنى فكرا إنسانيا أخلاقيا عالميا يمقت بناء عليه فلسفة الكراهية والعنصرية المقيتة القاتلة، ويندد بها ويدعو إلى ما سواها من المحبة وعدم الانحياز لجنس أو طائفة أو تيار أو فكر. فالأصل لديه سواسية البشر وإنسانية الإنسان. وأخيرا إن هذه الفلسفة الإبداعية الخلاقة قد أملت على د.راشد المبارك رحمه الله إعجابه بالمتخصصين الأبستمولوجيين المعروفيين الذين يجولون بعلمهم من وإلى حدائق المعرفة والثقافة، كما جال وصال هو فيها منطلقا لا يحده تخصص، ولا تعيقه عن التأمل والنظر فكرة مسبقة أيديولوجية دوجماتية غير براجماتية موغلة في الطيف الرمادي الواقع بعيدا عن نظرية المعرفة المعاصرة الديناميكية الصانعة للعلم والثقافة والمعرفة.



3-البعد الثالث: فلسفة منهجية منظورية التوجه، تمثلت في أبحاثه ومؤلفاته في آلية الكم، وفي الاندماج المغزلي، وتأثير ذلك على مستويات الطاقة في الذرة والجزيء. كما تمثلت أبحاثه في الفكر والفلسفة والثقافة التي تعد جميعها بحق أطراً مرجعية يعتز الدارسون بمنهجيتها الصارمة السديدة، وجديتها في الطرح، وأصالة منشئها ومبتغاها ولغتها البلاغية الراقية.
ومن أولى جهوده العلمية التي وجهها فكره وفلسفته عن الطبيعة ومكنوناتها؛ حساب الفرق بين قيمة التفاعل في حالة الذرة المفردة وقيمته عندما تتحد مع ذرات أخرى، كما هو الحال في العناصر الانتقالية التي سعى د.راشد المبارك رحمه الله إلى حل استشكالها الذي كان مرده الكشف عن سبب الاختلاف.
إن فكر وفلسفة د.راشد المبارك رحمه الله المنهجية الإبداعية الخلاقة قد أفرزت فسيفساء نادرا من المؤلفات التي من أولها مؤلفه في "كيمياء الكم" الذي شاركه في تأليفه أ.د. معتصم خليل إبراهيم أستاذ الكيمياء بجامعة الملك سعود. وقد عكس هذا الكتاب فكر وفلسفة د.راشد المبارك الفيزكيميو رياضية وبخاصة في مجالي نظرية المعرفة التفاضلية التكاملية والاندفاع الزاوي نظريا وتطبيقيا.
ويعتبر كتابه (هذا الكون: ماذا نعرف عنه؟) سفراً علمياً رائعاً عرض فيه الدكتور راشد المبارك رحمه الله عدداً من قضايا علوم الطبيعة والكون والرياضيات إضافة إلى السياسة والدين وفق أسلوبه العلمي الدقيق، ولغته العربية الناضجة التي يفاخر بها كل اللغات، ويتصدى لمن ينتهكها أو يقلل من شأنها. ويعد هذا الكتاب رحلة علمية جاذبة ممتعة مستقطبة في حقول عدة من نظرية المعرفة الكونية المعاصرة كفيزياء المجموعة الشمسية والخصائص الفلكية للنجوم والمجرات والثقوب السوداء وفي أبستمولوجية نظريتي النسبية الخاصة والعامة، وآلية الكم وفلسفة هذه النظريات وكينوناتها المدهشة.
وتضمن الكتاب مناقشة فكرية متعمقة لأثر التقدم التقني على المسار العلمي المعاصر من ناحية وتأثير القوانين الطبيعية على الفكر الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في الغرب، وتأرجح المقولات العلمية بين التغير والثبات من ناحية أخرى. لهذا كان الكتاب ولا زال مرجعاً للقاصي والداني في علوم الكون ومدرسة تعكس منظوراً فريداً في التأليف العربي وإضافة رائعة للمكتبة العربية في هذا المجال.
ولاشك أن قلم الدكتور راشد المبارك البليغ، وتخصصه العلمي الدقيق في كيمياء الكم، وميكانيكياتها المتنوعة، وخلفيته الرصينة الراسخة في أعماق علم الكون وفلسفته وثقافته الموسوعية؛ قد أعطى كتاب (هذا الكون) التميز العلمي الذي يعد سمة لما يكتبه الدكتور راشد، وديدن مساره العلمي الفكري المرموق.
وقد نجح كاتب هذا المؤلف في رأب الصدع بين العلم المتخصص الدقيق الذي يهابه الناس، والثقافة العلمية العامة التي يعاني البنيان الفكري لأمتنا من نقص حاد فيها. فجاء الرأب في الكتاب مسددا هذا النقص وشاملاً في إحاطته، وعميقا في أسلوب عرضه ومحتواه، وكاشفا للغوامض في أمور لا يمكن كشفها بمثل هذه الإحاطة والدقة التي وردت في الكتاب إلا من قبل قامة علمية كقامة الدكتور راشد المبارك رحمه الله.
وإنني أتفق مع ما ذكره د.المبارك رحمة الله عليه في كتابه (هذا الكون) من أن "مدارك البشر ومعارفهم هي مقربات الرؤية الكاشفة لأبعاد هذا الكون، وأن مجال الرؤية يتسع بهذه المقربات بقدر اتساع المعارف ونضج المدارك". وأعتقد أن اقتران الخيال بالفكر، والتذكر بالتصور، هو الزاد الحقيقي لمن أراد أن يستمتع بتجليات الكون المتوهجة، ودقائقه المتخصصة التي عرضت معانيها في هذا الكتاب ومفاهيمها دونما إخلال بدقتها أو مساومة بصحتها.
ولم يكن هذا الكتاب هو الوحيد الذي يحمل مدرسة د.راشد المبارك الفلسفية وفكره، وإنما هناك مؤلفات أخرى لا تقل جودة وإتقاناً عن كتاب (هذا الكون). ولاشك أن خلفية د.راشد المبارك الفلسفية المتعمقة، وفكره الناضج، وعلمه الغزير، وشاعريته المتألقة ومشاعره الإنسانية الكريمة والوجدانية المرهفة قد أكسبت كتبه ألق العالم الأديب، وتأمل الفيلسوف الحالم المحلق. وقد تجلت هذه السمات في كتابه الموسوم (قراءة في دفاتر مهجورة) الذي دعا فيه إلى حلف فضول جديد موظفا فيه رؤيته الفكرية وتحليله الفلسفي في أسباب خمود جذوة الفكر الإسلامي ومغالاة الأمة في صناعة الكلام.
ومن مؤلفاته الحديثة الأخرى كتابه (فلسفة الكراهية: دعوة إلى المحبة)، وكتابه (نزار قباني بين احتباسين)، وكتابه (التطرف خبز عالمي)، وكتابه (شموخ الفلسفة وتهافت الفلاسفة) الذي فاز بجائزة وزارة الثقافة والإعلام السعودية في دورتها الأولى لأفضل كتاب للعام 2012م. ويعد هذا الكتاب كغيره من مؤلفات د.راشد المبارك إضافة حقيقية للمكتبة العربية. هذه المنجزات العلمية هي خير شاهد على ما تحمله مؤلفات راشد المبارك غفر الله له من رؤى غنية وثرية بالتفكير العلمي المستنير الحر المستقل، والعمق الذي تحتاج إليه الثقافة العلمية في بلداننا العربية.
ولا ننسى أن نضمن قائمة عطاءات د.راشد المبارك ديوانه الموسوم (رسالة إلى ولادة) الذي تأثر في رأيي بفلسفة فكره ومنظوره عن الحياة والكون. ولاشك أن هذا الديوان يعد سفرا لأعماق د.راشد المبارك يدغدغ فيه عواطف قرائه، ويسحرهم بلغة شعره الجياشة الفياضة، ويرحل بهم ليحط الرحال في مكامن كشف الغطاء والغوامض عن شفرات رموز شعره.
إن شعر د. راشد صور تتحرك ضمن أطياف الشاهد المقيس من الحالات التي تبهر المتلقي وتدهشه، فتجعله يعيش تجربة حية تثير عواطفه ومكامن وجدانه، وتوقظ فيه استشعار الشعر وشاعرية الشاعر لينساق بعقله وعاطفته معا وراء الأداء البارع في التصوير وشعرنة الأحداث والانتقاء الموفق للفظة التي تسبح بقارئها بلغة علمية، وألفاظ مصطلحية ضمن أطياف الماضي والحاضر، متجاوزة سقطات الزمان، وعجائب المكان وأهواله نحو زمكنة مستقبلية تجديدية مشرقة مليئة بالأمل رغم الألم الذي يكتنفها.


فالشعر عند د.راشد المبارك رحمه الله جسر للأمل رغم مثبطات الأمل، وهول محفزات الألم واليأس لحاضر ما مضى، وماض ما حضر؛ من الظواهر والأحداث والحالات مؤملا د.راشد أن لا يكون ما استقبل من الزمان وصروفه في شعره مثل ما استدبر من ماضي زمان أمته وحاضرها.
ويعد شعر د.المبارك غفر الله له نمطاً متفرداً من أنماط الوجد والألم والأمل وكل توافقات النفس البشرية وتعارضاتها ومقارباتها أو مفارقاتها. وقد عكس شعره زخما من شذرات تخصصه الدقيق وفلسفة فكره المنبثقة من آلية الكم التي تصف سير الضوء من مصدره إلى مبتغاه في دفقات غير متصلة الأطياف يطلق على كل وحدة منها كوانتا، أي دفقا متقطعا غير متواصل المسير وغير مرتبط، فيقول:
يا لؤلؤ الحسن دفق الضوء رنقه قبل المغيب انسكاب اللون في الشفق
ويا نضارة زهر ماج في مرح وعودة الرفة الجذلى إلى الحدق

وقال في قصيدة أخرى:
يحاصر الشوق روحينا فيمزجها حتى ليتحد المنظور والنظر

متأثرا مرة أخرى في حبكه لهذا البيت وفي غيره الكثير من شعره بمنهجيته العلمية الاستقراء-استدلالية في النظر والتجريب، والاستنباط والتعميم، التي تجانس بين النظر كمشاهدة والمنظور كرؤية لسبر مكنونات الجسيمات النووية في آلية الكم أو الكوانتم التي تمثل حقل تخصص د.المبارك الدقيق رحمه الله .
وبعد كل هذا وذاك فشعر د.راشد المبارك غني بقاموس بيئي ثري من الألفاظ الرقراقة، والعبارات الدافقة الدفيئة المعبرة. فنلمس في شعره قاموسا يحوي ألفاظا علمية بحتة من مثل الإشعاع، والسحب والغمام، والشهب والبروق، والصحراء بحرها وقرها، وعبارات من مثل "ألوان من الطيف أشرقت"، و"السرب قد ضيع السرب"، و"الركب قد ضيع الركب"، و"سكب اللحن ينهمر"، و"وعطش النهر"، و"وحنين الضوء أظمأت الظمى"، و"ضجيج الصمت"، و"دفق الضوء". وهذه الألفاظ والعبارات التي شكلت فسيفساء شعر د.راشد المبارك رحمه الله لم تكن لتتشكل لولا عبقرية شاعرنا، وقدراته الفكرية الناضجة، وفلسفته الواعية، ووجدانه الصادق، وحسه المرهف، ولغته الرصينة، وثقافته الموسوعية، وفكره العلمي الممنهج فلسفيا ومعرفيا .
أعزائي: لم يحرم الدكتور راشد المبارك رواد الثقافة السيارة من كتاباته عن قضايا أمته ووطنه، مشاركاً إياهم فكره وفلسفته، ومهدياً قراءه أنفس أكاليل عطائه. فما كتبه في الصحف المحلية والإقليمية وبعض صحف العالم ما هي إلا دعوة للارتقاء بأمته والإفصاح عما يفرحه أو يحزنه فيها، وعرض لوجهات نظره الجريئة في قضاياه الشائكة والشائقة، وتعبير عن رؤياه لحل أزماتها.
إن ما كتبه الدكتور المبارك في الصحف السيارة هي، في رأيي، حافز للأمة على منافسة العالم المتقدم في مجال العلم والفكر والثقافة والابتكار والإبداع والتأصيل، وتنمية الإنسان وترسيخ مفاهيمه الصحيحة عن الحياة والكون، ومأسسة سبل تطوير الموارد البشرية، وتعزيز آفاق التفكير السليم، ونشر أبعاد الثقافة العلمية الناضجة.
إخواني: اسمحوا لي أن أختم حديثي هذا بوتر من أبيات قصيدة نظمتها في حفل سابق لتكريم د.راشد المبارك كان لأخي وصديقي المبجل د.حيدر الغدير دور في مراجعتها وتنقيحها أراها مناسبة لهذا المقام أهديها من خلاله إلى أخي وشقيقي د.راشد المبارك رحمه الله، عرفانا مني له بالفضل والإحسان والجميل، فأقول:
أسكنت قلب محبيكم بلا عنت والشاهد الصحب والأخبار والسير
إذا الخطوب ادلهمت في مرابعنا أسرعت كالليث للعلياء تنتصر
العلم والفكر والأبحاث شاهدة وما تقول النهى لا ما زور البشر
تجيد حل قضايانا بلا سأم أنت الهصور لضد الحق تبتدر
أعطيت أجزلت ما أثنت عزائمكم صعاب درب ولا الأشواك تنتشر
إخواني: إن حديثي هذه الليلة هو شذرات من نظرات في فكر وفلسفة د.راشد المبارك رحمه الله، وما حديثي إلا غيض من فيض، وأن ما سطرته عنه في هذه الصفحات ما هو إلا جهد المقل، وعذري فيه أن ما لا يدرك كله لا يترك جله.
أملي أن أكون قد وفقت في هذه القراءة لأعماق د.راشد المبارك رحمه الله، الذي مذ عرفته من ثلاثين عاما وهو لم تغيره السنون، وتقلبات الزمان، ومباهج السمعة التي يحتلها محلياً وإقليمياً وعالمياً.
رحم الله د.راشد المبارك رحمة واسعة، وتغشاه بفضله وكرمه، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وثبته بالقول الثابت، وأنزله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.


المقدم:
هنيئا للمرحوم هذا الحب الذي هو من رجل هو أعرفنا به، وأقربنا إليه، ومثل هذه الكلمة الضافية تغرينا أن نطلب من الأستاذ يحيى حديثاً أوسع في مناسبة أخرى، ففي جعبته الكثير من فضائل وشمائل الفقيد.
المشاركة الآن من أستاذ الأدب العربي الدكتور مرزوق بن تنباك، في جامعة الملك سعود، وهو إحدى القامات الشامخة في المشهد السعودي الثقافي، وله تواصله مع الأستاذ الدكتور راشد المبارك. ولعله يعطينا شيئا عن هذا التواصل في حدود الدقائق المتاحة.



كلمة الدكتور مرزوق بن تنباك:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين.
أولا أترحم على فقيد الأمة العربية والإسلامية، وأدعو له بالمغفرة، وأطلب منكم أن تؤمنوا على ذلك.
وأشكر صاحب ندوة الوفاء وفاءه للأولين، ووفاءه لمن لحق بهم.
وعندما نتحدث عن راشد المبارك لا نتحدث عن رجل، بل نتحدث عن قيم، وعلى فقد قيم ومروءة لا توجد في كثير من الأحياء.
نجد العلماء في الفيزياء والكيمياء والشعر والتاريخ وفي كل مناحي الحياة، لكن الذي لا نجده إلا في النادر هي هذه الصفات التي تجسدت في خلق راشد وسلوكه، وفي قيمه التي جسدها،
وأنا سأتناول جانبا لا أظن يعرفه الكثير من الناس، بل لعلي أعجز عن وصف هذا الجانب، وهو الجانب الذي لا نجده إلا في القليل، ذلك هو راشد الإنسان، راشد الذي تتمثل فيه المروءة بكل أبعادها.
وأنا والله لا أقولها مجاملة، ولا أقولها في سبيل الرثاء، لكن أشهد الله ما عرفت رجلا في حياتي فيه هذه الخاصية!. ذلك الإنسان في شعوره، ورقة طبعه، ورفقه بالضعفاء، رأيت في مجلسه كبار القوم وأنتم تعرفون صلته بالكبار قبل الصغار، لكني لا أرى راشدا إلا مع أصحاب الحاجات الذين لا تصل حاجاتهم إلا عن طريقه والذين يحتاجون إليه. وسبق أن قال: إنه ليس صاحب مال، ولكن الله أنعم عليه، بل أنعم على البلاد بأن وجد فيها مثل راشد، فكان جاهه، وكانت شفاعته، وكانت قيمته عند أولي الأمر وعند رجال الدولة، كلها جعلها في سبيل من لا تصل حاجاتهم إلا عن طريقه، ومن لا يستطيع أن يجد عونا إلا الله ثم راشداً.
إن ضعفه تراه أمام دمعة الضعيف، وأمام حاجة المحتاج، إذا أردت أن تأخذ من راشد شيئا، فاذكر أمامه حاجة إنسان لا يستطيع أن يقضي حاجته سواء كانت مادية أو معنوية.
رأيت بعيني وعلمت عن أناس يحتاجونه وهو لا يعرفهم، فيأخذ قضيتهم كأنها قضيته. هذه الصورة.. هذه الكلمات لا تسجل في الكتب، بل يعرفه من كان له صلة براشد.
في آخر أيامه شعرت أنه ناله كثير من الضعف، ولكن روحه الإنسانية قوية، وآخر ما قابلته كان يتحدث عن بعض قضايا ضعفاء الناس الخاصة.
ورحم الله راشداً فلن يتكرر مثله في المدى القريب، وسيفقده أصدقاؤه الذين يعرفونه عن قرب، وستفقده أمته التي بذل جهده وعمره في خدمتها.
لقد كان همه قضايا الأمة، ساهم كثيراً في إصلاح ذات البين حتى بين الدول، ووفقه الله بثقة ولاة الأمر، وساعدوه ليكون رسول سلام في كثير من القضايا، ولعلكم قرأتم ما كتب الشيخ جميل الحجيلان في رثاء راشد المبارك، وكيف كانت سفراته لإصلاح ذات البين. لا يعرف إلا الحب للناس كافة إذا استقر الحال وأمور الناس، وبارك الله في بنيه، وليس بغريب فهو من أسرة كريمة في العلم والمجتمع، والفضل الباقي في بنيه وأبناء عمه وأسرته.
رحم الله أبا بسام، وغفر له، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم :

شكرا لك أستاذ الدكتور مرزوق بن تنباك.
وإذا كنا أمرنا بأن نذكر محاسن موتانا فإنني لن أفوت هذا الجمع دون أن أسجل موقفا يذكر فيشكر للأستاذ راشد المبارك.
قبل عشرين عاماً كنت عضوا في اللجنة التي شكلها الأمير سلطان، لجنة لتصحيح الموسوعة العربية العالمية، وكان هناك خلاف بين اللجنة وبين الناشر الدكتور أحمد الشويخات، الذي رأى أن اللجنة تعوق مسار النشر، وبالتالي أرسل الأمير سلطان شخصين للإصلاح بين الناشر وبين اللجنة، وهما معالي وزير المعارف الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، والدكتور الأستاذ راشد المبارك، للنظر في الخلاف بين اللجنة والناشر، هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها الدكتور راشد المبارك، وحينما دار الحوار حول الأسباب التي حملت اللجنة على التأخير، ومطالب الناشر بسرعة الإنجاز، وقف الدكتور راشد وقوفاً موضوعيا وقال كلمة لا زلت أذكرها:
(إن الزمن وسيلة، والإبداع غاية، ولا داعي للتضحية بالجودة من أجل الوسيلة.)
قال هذه الكلمات فقط، ثم رفع الأمر للأمير سلطان، فأعطى اللجنة مساحة أوسع في متابعة عملها.
لا زلت أذكر هذا الموقف، وكم وددت لو كانت الظروف متاحة لألتقي به مرات ومرات.!
من أسرة المبارك، هذه الأسرة المباركة لفظاً ومعنى واحد من أبنائها أبى إلا أن يشارك في ذكر فضائل ومحاسن الدكتور راشد.
الأستاذ الزبير بن إبراهيم المبارك، يتحدث من داخل الأسرة ليرينا بعيون الأسرة كيف ينظرون إلى هذه القمة الشامخة



كلمة الأستاذ الزبير بن ابراهيم المبارك:

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد، وأمَّا بعد ..
فإن كان من شيءٍ أقدّمه بين يدي هذه الورقة، فهو أن أشكر باسمكم صاحب هذه الندوة الميمونة، وأعترفَ له بالجميل، وحسن الصنيعِ في اضطلاعه بأمر هذه الندوة، والقيام بها أحسن قيامٍ، وفاءً لمؤسسها الأول ـ رحمه الله ـ خاصةً، ولأهل العلم والفكر عامَّةً .
وأنْ أشكره مرة أخرى لإكرامه رجال العلم والفكر، بالتّذكير بآثارهم ومآثرهم، وفاءً منه لهم، واعترافًا منه بفضلهم، ولله درُّ ما قال الأول :
وما عبَّر الإنسانُ عن فضلِ نفسه بمثل اعتقاد الفضل في كُلِّ فاضل
فالحمد لله الذي جعل في الشكر خروجًا من الحرج، وبُلغةً في المكافأة، وكِفاءً بإزاء النعمة، بل رضيه لنفسه من عباده، وقرن شكر ذي النعمة من عباده بشكره .
أيها الإخوة ..
يرحل عنا الأماثل ونحن في زمنٍ تتقاذفنا فيه هوج العاصفات في مَهَامِهَ قُذُفٍ لا نتبيَّنُ فيها جهة القصد، ولا منارات السبيل؛ فإذا ما انكشفت العماية انكشفت عن طُرُقٍ غيرِ نهجةٍ، ما إن نسلك منها طريقًا إلا تنكبناه إلى آخر، على غير هَدْيٍ منّا ولا نظر:
 
ضللنا طريق الهاديات عشيّةً فباكرنا صُبحٌ من الليل أغربُ!!
يرحلون عنا في زمنٍ أحوجُ ما نكون فيه إلى من نترسّمُ خطوه، ونهتدي بسمته، ونستنير بفكره .
أمّا عن المحتفى بذكره ـ لا المحتفى به، إذ ورد على من هو أحفى به وأكرم وأرحم ـ فقد رحل عن هذه الدار محمود الفعل في بني جلدته، عظيم الأثر في قومه، لم يزل ـ بفضل الله ـ غدُهُ خيرًا من يومه حتى بلغ المدى، ووافى الأجلُ، ونزل على الكريم الذي تحرَجُ العقول في عفوه ومغفرته .
وأمَّا نحن ـ وإن عظم الخطب ـ فلا يحسُنُ بنا أن نردد إثر كلِّ راحلٍ عنا من ذوي الخطر:
قد كان فيك لمن مضى خلفٌ فاليوم أعوزَ بعدك الخلفُ
فسوء الظنِّ يُفضي إلى سوءِ الفعل، وسوءُ الفعلِ لا يورِثُ إلا قبحَ الأحدوثة .
نعم؛ قد عاشوا فينا بحسن الخلافة لمن قبلهم، ولن نعدم الخلَفَ بعدهم بإذن الله، أليس قد قال العربيُّ :
وكنّا نجومًا كلّما انقض كوكبٌ بدا زاهرٌ منهنّ ليس بأقتما
بدا زاهرٌ منهن تأوي نجومُهُ إليه إذا مستأسِدُ الشرّ أظلما
وبعد مرّة أخرى ..
يَصعُبُ على المتحدث عمّن يحبُّ أن يلزم الحيد في القول، والقسط في الحكم، كيف وقد اتصلت به ـ إلى المودة ـ أسباب الرحم، وما ذلك إلا لما طُبِع في الفِطَر، واستقرّ في الطبائع من النزوع إلى وشائج القربى، إلا أنّ الذي يُعرِّفكم صوابي من خطئي أني سأتحدّث عن شيءٍ ظاهرٍ لكم غير خافٍ عليكم .
ليس يخفى على من جلس إلى العم الدكتور أو قرأ له، اعتزازُه بأمّته اعتزازًا قد يحجُبُه عن الكثير منّا تجرُّدُه في النقد، وعدُولُه عن المجاملة في الحكم على قضايا سابقةٍ أو معاصرة، ولعل قوله:
إنّا وإيّاك، والأمثالُ شاهدةُ ليَعْلَم الدهرُ أنّا من أعزِّ حمى
مما يشهدُ له بذلك .
يظهر ذلك في حديثه؛ فهو يأنف أن يتكلّم بغير العربية في أيّ فنٍّ من الفنون كان حديثُهُ ـ ولو كان في علوم الكون والطبيعة التي قصرنا لغتنا دونها ـ إيمانًا منه بسموِّ هذه اللغة الشريفة، وثقة ببيانها وسَعتها، واعتقادًا أنّها عمادُ الفكر الصحيح لحَمَلَتِها، في زمن خُدِعنا فيه لا أقول عن لغتنا؛ بل عن حضارتنا، نُحَلِّئُ أنفُسنا عن حياضها، ونغمزُ ثوابتنا بقُنِيّنا .
وأحسبُ أنّي لا أُبالغ إذا قلت إنّ من يستمعُ له وهو يخوض في الأدب والشعر خاصّةً ـ أو يقرأ له ـ لا يخطرُ له ببالٍ أنّ الرجل أُستاذٌ في الكيمياء، وما رسالتُه في شاعرية المتنبي إلا شاهدٌ على حسنِ بصره، ودّقة تأمّله، وسَعَةِ اطّلاعه، بصرفِ النظر عمّا وصل إليه من أحكامٍ أوّلُ من خالفه فيها مُقدّم كتابه ـ رحمهما الله ـ .
وكونِ المرء يتكلم في غير اختصاصِه بثقةٍ وركانَةٍ ـ وإن كان مما يُتندَّرُ به في زماننا ـ ليس بعجيبٍ في ذاته، في أروقةِ حضارةٍ حُرّةٍ لا تعرفُ رجالاتُها (التخصُّص)، ولم تُحكَّم في معارفها (الشهادات)، والعم الدكتور ـ فيما أحسب ـ امتدادٌ لهذه الحضارة الخالدة .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المقدم:

هنيئا لك هذا الأسلوب الجزل الذي شكل معادلا موضوعيا لقيمة الراحل رحمه الله.
الناس صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء
جميع الحاضرين أنا متأكد أن لكل واحد منهم ما يود أن يقوله، لكن الوقت المتاح يعصف بنا، ويجعلنا في زاوية ضيقة لا نتيح الفرصة إلا بقدر محدود،
وأولهم:



الفريق متقاعد عبدالعزيز هنيدي.

بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام على القائد والمعلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم.
الحقيقة أتوجه بالشكر الجزيل للشيخ الفاضل أحمد باجنيد، والحشد الكبير من الحضور من قمم الثقافة والأدب عشاق المعرفة، بعد الدكتور يحيى يصعب الحديث، لكن الإنسان يعبر ما استطاع.
سعادة الدكتور راشد الذي كان لي شرف الحضور في عشر السنوات التي خلت بعد التقاعد، إنه عالم فذ وعاشق للثقافة والإبداع والفلسفة، قريب جدا من أصحاب الثقافة والأدب، سليل من أسرة المبارك بواحة الأحساء التي أنجبت كثيرا من العلماء والسفراء والكتاب والمؤرخين، ومنهم من حصل على درجات علمية كبيرة.
الندوة الأحدية الثقافية التي امتدت لأربع وثلاثين 34 سنة، هذا العطاء الكبير يكفي وحده، والتجمع الذي أعطى فرصة للتعارف، وتميز بسهولة الحوار، وقد شاهدت الأمير سلطان يزوره ويتحدث إليه حديث المعجب. فالدكتور راشد كريم وجواد، وقد دعانا مع مجموعة من رواد الأحدية للأحساء لقضاء عيد الأضحى، وكان كريماً معنا لأبعد الحدود، فنسأل الله له المغفرة والرحمة.



كلمة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ أحمد.. الشكر موصول لك، وموصول لهذه الندوة التي تحمل أعظم الوفاء،
سبقني الأستاذ الدكتور يحيى بمهارته التي تعودنا عليها، ولا نستطيع أن نجاريها، وحلل فكر الدكتور راشد، ومنهجه العلمي بطريقة جميلة.
عرفته من سنين طويلة، وعلاقاتي به عندما كان بيته في عليشة وعلى نفس الشارع الذي يسكن فيه العم الشيخ عبدالملك آل الشيخ رحمه الله.
كنت أحيانا أحضر ندوته، وقد زاملته في هيئة استشارية في التعليم في عهد معالي الوزير الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله، وذلك لست سنوات، وكان معنا عدد من الإخوة منهم الدكتور محمد أحمد الرشيد، والأستاذ أسامة عبدالرحمن، والدكتور محمود سفر، والأستاذ عبدالله العثيمين. فعرفته عن كثب، وعرفت فيه سجايا وأخلاقا عظيمة ذكر الإخوان الذين سبقوا شيئاً منها، وتكلموا عن علمه، وجمعه بين العلم والأدب. وأسرة الدكتور راشد أسرة معروفة بالعلم والأدب الشرعي، ولها صلة بأسرتي قديمة ولا تزال بحمد الله. ندعو الله له بالرحمة، ونسأل الله أن يبارك في عقبه وفي أبنائه، ولكم الشكر.



كلمة الأستاذ/ حمد الصغير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا لعميد هذه الندوة الذي جمعنا بهذه القامات لرثاء رجل عظيم، نسال الله أن يسكنه فسيح جناته، ونبشر أبناءه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ، وقد أجمع في هذا المجلس على ذكره الحسن، وأجمعوا في غيره على ذلك.
الدكتور راشد سهل لطيف إلا إذا جئت تمدحه، فإنه يرد عليك فيوقفك، أو يقوم ويترك المكان، وهذا تواضع قل أن تجده في الآخرين.
قضيت عقداً في الأحساء، وكانت علاقتي مع آل المبارك علاقة حب، فكنت أطرب لجلساتهم، وقد حضرت نقاشا بين شيخ وشاب عمره اثنا عشر عاماً من أسرة آل مبارك، فكانوا يتحاورون عن الشعر العربي والنبطي، وكان الشيخ هو المرحوم عبدالرحمن بن علي المبارك، وهو علم في فصيحه وعاميه، وكنت وقتها غريبا عنهم، فأردت أن أسكت هذا الشاب. وإذا بالشيخ يستمع له، ويناقشه بكل أدب ولطف، هذا الشاب هو الدكتور عبدالمجيد المبارك، فعرفت كيف يربون أبناءهم، فقد كانت مجالسهم جامعة يتعلمون فيها الأدب والعلم، وإذا أراد الواحد أن يسأل جلس جلسة المتأدب أمام رئيس العائلة، فلا عجب أن تخرج بيوتهم أمثال هؤلاء الرجال.
الأخ بسام! لا تقلق، فنرجو الله أن يرحمه، وأهنئك في صبرك وصمودك، وأبشرك بالأجر أنت خاصة! فأنت دفنت ابنك حمد قبل ثلاثة أيام من وفاة والدك! وأسأل الله أن يرحمهم جميعاً.



مداخلة الدكتور الأستاذ محمود عمار:

بسم الله الرحمن الرحيم، أحمد الله، وأصلي وأسلم على رسوله الكريم، وبعد:
الحديث عن الدكتور راشد المبارك يصدر من الأعماق، وإذا صح القول فإن هذه الليلة ليلة حزن سعيدة!..
لقد كنا نأوي إليه كما يأوي العصفور إلى عشه، والابن إلى أبيه، فنجد عنده المشاعر الطيبة، والأخلاق الحسنة، والعلم الفياض. إنه الرجل الذي يؤدي دوره في خدمة الثقافة. وهذا ما عبر عنه بعض الفلاسفة بأن هذا هو الموت السعيد الذي يكون فيه المرء قد أنجز مهمته كل الإنجاز، وأدى رسالته في الحياة على أكمل وجه في خدمة المجتمع وخدمة العلم.
إنه جماع صفات الدكتور راشد حسب معرفتي به هو الجانب الإنساني المتدفق في مشاعره وأحاسيسه، ولم يكن يرد إنسانا عن ندوته، ولا متحدثا عن حديثه، فكان يفسح المجال لكل من يريد أن يقول قولا، وعندما دعاني الدكتور عبدالقدوس أبو صالح لحضور ندوة الدكتور راشد اتصلت به يرحمه الله ليصف بيته، فإذا به يتابعني طول الطريق، فاحتضنني احتضان الأب لولده الودود.
هذه العواطف المتدفقة المنسابة، انه اسم عظيم كبير يمتد امتداد عواطفه ومشاعره،
إلى جانب ذلك هذا الهم القومي الذي يحمله لأمته، فتجد في ندوته روادا من لبنان والعراق ومن مصر، وكان يخص القادة الفلسطينيين بمعاملة خاصة، ولذا تجد كبار الشخصيات منهم لديه، وقد وعدنا ليلة بأنه نسق مع صائب عريقات ليكون متحدثا في إحدى الندوات، ولكن ظروف الأخير لم تسمح بذلك.
وإذا كان تخصص في الفيزياء والكيمياء فإن موهبة الشعر هي التي منحته هذه العواطف الرقيقة. وكنت أستغرب عندما ينشد لنا شعرا، فأجده يتدفق لمدة خمس عشرة دقيقة متواصلة لا يتلعثم في كلمة، ولا يتوقف عند بداية بيت، فكنت أغبطه على هذه الذاكرة القوية الحاضرة. إلى جانب تعففه وكرم أخلاقه حتى إنه كان يأنف من المديح المباشر، رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته. ونعزي بعضنا بعضا لأن المصاب مشترك.
 


كلمة الأستاذ سعد العليان:

السلام عليكم ورحمة الله، أقول: إني فقدت أبي إن صحت لي العبارة، فإني أيضا أزاحم أولاده في أبوته، هو أب ثقافي، ورعايته لا مثيل لها. هاتفته ذات يوم فقال: أمضيت خمسة وأربعين يوماً في المستشفى، مر بي ما الله به عليم، قلت له: لم تخبرنا؟ قال: لم أرد أن أشق على أحد، وأتمنى أن أرى رواد الندوة حتى تطمئن نفسي.
ذات يوم كان في حلقة من البرنامج الأحدي الحديث عن الدكتور حسن ظاظا، قد أحضرت بعض المقتبسات من مقالات الدكتور حسن ظاظا، وأشرت في مداخلتي إلى العناية التي وجدها حسن ظاظا من الدكتور راشد وأبنائه، حيث كان يعيش وحيدا في المملكة، وبذلوا له العناية التي لا مثيل لها. فنظرت إلى الدكتور راشد، ورأيت في وجهه كأنه كره هذا الحديث، فهو لم يرد أن يشير أحد إلى هذا الأمر.