موقف المستفتي عند اختلاف آراء المفتين

موقف المستفتي عند اختلاف  آراء المفتين
موقف المستفتي عند اختلاف آراء المفتين

في ندوة (الوفاء ) الثقافية :
الإعلامي السعودي الدكتورعيّاض بن نامي السلمي يحاضر عن : ( موقف المستفتي عند اختلاف آراء المفتين ) !
الرّياض : محمد شلاّل الحناحنة

( أقامت ندوة : " الوفاء " الثقاقية الأسبوعية لعميدها الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله في الرّياض ، ضمن لقاءاتها الدورية في هذا الفصل محاضرة مساء الأربعاء بتاريخ 7/ 11/18 20 بعنوان : (موقف المستفتي عند اختلاف آراء المفتين ) ألقاها الإعلامي السعودي المعروف الدكتورعيّاض بن نامي السلمي وهو استاذ في اصول علم الفقه ،، ومقدم برنامج نور على الدرب، وهو الآن متفرغ للعمل في مجلة البحوث الاسلامية ك رئيس تحرير التي تصدر عن هيئة كبار العلماء ، وله 24 من المؤلفات ، وقد أدار اللقاء الدكتورأحمد سيف الدين التركستاني ، وحضره حشد من جمهور الندوة ومحبّيها ، وكوكبة من الأدباء والمثقّفين والإعلامييّن )


الفتوى في الاسلام

بعد حمد الله والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وترحّمه على عميد الندوة الشيخ المرحوم أحمد باجنيد ، وشكره لأبنائه البررة قال المحاضر الدكتور عياض بن نامي السلمي :
الفتوى في الإسلام شأنها عظيم وأمرها جسيم ولهذا أسندها الله إلى نفسه ،، قال تعالى (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) النساء 176 ، والرسول كان يتولى الفتوى ،،
خطر الفتوى من عظمة هذه المهمة ،، والمفتي موقّع عن الله جل وعلا،، لأن الناس يسألونه عن حكم الله..
والمفتي لا يسأل عن رأيه الشخصي إنما يسأل عن رأي الشرع وعن موقف الشرع من ذلك،،وكل من يسأل عن حكم الشرع اسمه مستفت وعملا بقول الله تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ،، والمستفتي مقلد لأنه لا يستطيع أن يصل إلى حكم الشرع بنفسه. والمقلد عندما يأخذ الحكم من المفتي كأنه جعل فتواه في ذمته وقلده إياه بحيث إنه إذا أخطأ أو زل يكون المفتي هو المتحمل لتبيعة الخطأ,,
المقلد قد يأخذ الحكم بالمحاكاة الفعلية ،، وهو تقليد محض قد يوقع صاحبه في شناعات كثيرة،، والتقليد المحض والمحاكاة المحضة ، والتقليد قد يكون في بعض الأعمال الشرعية الظاهرة كما هو الحال في صفة الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود ، وفي الطواف مثلاً، والمحاكاة ليست دائما طريقاً مأموناً، بل قد توقع في خطأ،، كمتابعة الناس في بعض البلاد الإسلامية لمن سبقهم في بدعة التمسح بالقبور والنذر لها والاعتقاد بأنها تضر وتنفع ،، ومن هذه المحاكاة من هي عمل للمستفتي كالاستفتاء من غير سؤال .

آداب الفتوى

العلماء تكلموا عن آداب الفتوى ، منها آداب المستفتي مثال أن لايكتم شيئا من جوانب المسألة وأن لا يلغز،( حتى يأخذ من المفتي ما يريد وهو لا يفهم السؤال ) بعض الناس عندما يطرح أسئلته يحاول أن يوجه المفتي إلى جواب معين ، وأن يحترم المفتي ولا يناقشه مناقشة الند ، وعدم سؤال غير علماء المذهب ، لأنه يلفق بين مسألتين في فتوى واحدة مصطلح ( التلفيق: ) ..
في عهد الرسول كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم هو المفتي وإن لم يكن قريبا فبعض الصحابة القريبين من الرسول يفتون ، إن كان لديهم علم عن الرسول وعن الكتاب وإن لم يكن كذلك فإنه يقول لا أدري ، لكن فيما بعد كثر المفتون وكثرت وقائع الاستفتاء، ففي عهد الرسول وعهد الصحابة والتابعين لم يكن من عادة المستفتين التنقل وتكرار السؤال ،وفي العهد الحالي لكثرة من يتصدر للفتوى ، وأصبحت الفتوى تنتشر بسهولة،، وأصبح يعرف أنّ لهذه المسألة أكثر من فتوى


موقف المستفتي من تعدد واختلاف آراء المفتيين

كان للعلماء خمسة أقوال في موقف المستفتي من تعدد واختلاف آراء المفتيين:
1 بأن يأخذ المستفتي بأشد الأقوال ، ولا يسأل عالما معينا ، لكن يسأل من يطمئن إلى دينه وورعه من العلماء ، لكن إذا سأل وتكرر السؤال والأجوبة فعليه أن يأخذ بالأشد .
2 أن يأخذ المستفتي بأخف الأقوال .
3 يتخير بين الأقوال.
4 إذا اختلف اثنان يسأل ثالثا، وإذا اختلف أربعة يسأل خامسا ، بمعنى أنه يرجح بالكثرة ، كثرة المفتيين، يعني ثلاثة أفتوا بالجواز واثنان أفتوا بالمنع فيأخذ بفتوى الثلاثة لأنهم أقرب إلى الحق لكثرتهم.
5 إذا تعددت الأقوال وجب على المستفتي بأن يجتهد هو حتى تطمئن نفسه لصحة الحكم ، فإن كان عنده شيء من العلم فيقال له انظر للأدلة ، فينظر إلى الأدلة ،، فما تطمئن نفسه إليه يعمل به .
الحجج
1 الأخذ بالأشد هو الأحوط ، الاحتياط أصل في الشريعة ( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) حديث صحيح ،، حينما يختلفون هل هو مباح أم حرام فاتركه ، حينما يختلفون أنه مفسد للصلاة أو الوضوء فاعلم أنه مفسد لكن من يعمل بهذا الرأي فإنه يوقع نفسه في حرج عظيم ، والله رفع عن عباده الحرج، وذلك لأن المسائل العملية كالعبادات والمعاملات الخلاف فيها لا يكاد يحصى ، ويوجد من بعض العلماء من أنكر قاعدة الاحتياط بالكلية كابن حزم وابن تيمية يقولان بأن الاحتياط هو العمل بالدليل ،وذلك لأن العبرة بالدليل وليس بأشد الأقاويل، الاحتياط ليس ممكنا في كل شيء وخاصة بالنسبة للعوام ،، وذلك لأن العلماء لا ينبغي لهم العمل بالاحتياط.
2 اتباع الأخف والأيسر ،، له دليل " يريد الله بكم اليسر ولا يريد العسر " والرسول عليه السلام يقول " يسروا ولا تعسروا" ،، المراد بالتيسير دفع المشقة غير المعتادة التي تؤدي بك إلى الهلاك كتلف عضو أو انقطاع عن العمل ، ويقصد به تتبع الرخص والرخص المقصود بها الأسهل من الأقوال " تتبع مواطن الاختلاف الأخذ بأخف الاقوال في كل مسألة ، إذا لم يكن كله ، ويجب التأكيد على أن يكون التتبع بالرخص يقصد به ليس الرخص الشرعية ، (قصة ابن لبابة فصل من القضاء بيع وقف للمجانين.)
مصطلح التلفيق : وهو الجمع بين مذهبين في فتوى مسألة واحدة ، وهو ليس لعوام الناس بل للعلماء ،لأنه حين يكون للعامي يوقع في إشكال عظيم ، لأن العلماء لهم القدرة على معرفة المحاذير المترتبة على التلفيق ، بعض العلماء لم يجز التلفيق فمن كان على مذهب وجب عليه اتباعه في جميع رخصه وعزائمه ، والتلفيق المقبول هو الذي لا يخالف الاجماع .
3 القول بالتخيير : وهو السابق نفسه، لأنه من الطبيعي أن يأخذ الشخص بالقول الأيسر .
الخلاصة : استفت قلبك وإن أفتوك ،، الأخذ بالدليل إذا كان الشخص قادرا ، وإن لم يجد فيأخذ بمن يجتمع الناس على تقواه وورعه.
 

المداخلات والحوارات

وقد أثارت هذه المحاضرة الكثير من المداخلات والأسئلة التي أجاب عنها المحاضر الدكتور عيّاض بن نامي السلمي فقال أحدهم :
بالنسبة للمستفتين فهم نوعان : من عوام الناس وطلاب العلم فما موقف المفتي من كليهما بالفتوى ؟
الجواب : يوضح المفتي لطالب العلم الدليل فيستفيد منها أما العامي فيكفيه أن يقول له بأن هذا جائز أو ليس بجائز, ولا حاجة للتفصيل لأنه ربما يشوش عليه.
مداخلة : إهداء كتاب عنوانه (سياط بوكالة من الله ) للكتاب عند قراءته ثلاثة مواقف ، الموقف الأول: بأن كاتب هذا الكتاب تعرض لظلم واضح من مصرف من المصارف ،، وأجبروه بإعادة مال إلى المصرف بدون وجود أوراق ثبوتية لدى المصرف تدينه أربع سنوات وهو يراجع المصرف بدون نتيجة ، وكانت عنده خلالها بعثة إلى بريطانيا توقفت بسبب هذا المبلغ ،الموقف الثاني بأن الرجل كان يعمل بشركة من كبريات الشركات في المملكة، وذهب إلى بريطانيا على حسابه الخاص وعاد إلى الشركة بعد أخذه الماجستير من بريطانيا لكنه بعد ذلك فصل فصلا تعسفيا ،وينوي الرجل عرض الكتاب في معرض للكتاب ،، لكن السائل اعترض على عنوان الكاتب وذهب ليسأل أحد العلماء :: فأجاز العالم عنوان الكتاب بدليل ( فصب عليهم سوط عذاب ) ،،
سؤال : ما حكم نقل الفتوى من العلماء لأهل العلم ،، الجواب : يجوز لطالب العلم نقل الفتوى لكن عليه أن يتحرى الدقة.
ومن المداخلات قال أحدهم : صلاة الجمعة في قرى الأحناف ،الأحناف في سوريا لا يصلون ، بناء على " لا تقام الجمعة إلا في مصر جامع ،، ولا بد من إذن السلطان أو نائبه ،، هذا في متن المذهب الحنفي ، ( المصر الجامع ما اقيمت فيه الحدود ،وما اكتفى أهله بالصناعات ، لو ذهب السائل إلى الشيخ عبد الله الخير وسأله أنه في المذهب الحنفي ثلاثة تعريفات للنصر الجامع لماذا تعطوننا التعريف الأشد الذي لا يمكننا من إقامة صلاة الجمعة لأن أهل القرية إذا اجتمعوا في مسجد لم يسعهم، ويمكن أن يكون السلطان وهو المحافظ في القرية وممكن أن يكون نصرانيا في سوريا،، فأفتاه بأن يصلوا الجمعة .
وسأل أحدهم : كيف يكون العلماء موقعين عن الله وهم مختلفون في فتاواهم؟ وكيف لبشر أن يعرف مراد الله جل وعلا من خلال استنتاجه هو ؟؟؟
الجواب : العالم عندما يفتي يتحرى حكم الله جل وعلا،، الاجتهاد هو بذل غاية الجهد ،، والله لا يطلب منا إلا غلبة الظن ،وغلبة الظن في الأمور الشرعية تنزل منزلة اليقين ،، الرسول عليه السلام قال : إنما أقضي على نحو ما أسمع .
أما مداخلة المهندس محمد أحمد باجنيد فقال : لو تكون كتب العلوم الشرعية مبسطة ليستطيع العامي قراءتها والموازنة عندما تشكل مسألة عليه ، نظرا لصعوبة لغة كتب العلوم الشرعية ،وأهمية هذه الندوة في هذه المحاضرة تأتي لوجود بلبلة بالوقت الحالي وتعدد وتضارب أقوال المفتيين ومنهم من يوجهون الناس لأهوائهم الشخصية ، يجب وجود ضوابط للمستفتي في ظل هذا الوضع حتى لا يقع المستفتي في حيرة.
سؤال : بالنسبة لرب الأسرة هل ممكن يقيد اختيارات من تحت سلطته ، على سبيل المثال قضية الحجاب فنجد في البيت الواحد من يريد أن يتحجب ومن لا يريد بحجة وجود خلاف في ذلك.
الجواب : بالنسبة لتبسيط كتب العلوم الشرعية أيد الدكتور هذا المطلب، وإعادة كتب الإرث القديم بما يتناسب ولغة العصر ، يوجد محاولات لكنها لا ترقى إلى درجة كافية ، وبالنسبة للنقطة الثانية وهي وجود خلاف في آراء المفتيين فيجب على الإنسان أن يسأل العالم الذي يثق في علمه وورعه وتقواه ، وعليه أن يسأل علماء بلده لأنهما أدرى بمشاكل وظروف البلد التي يقيم فيها المستفتي ، بالنسبة لنقطة أولياء الأمور، وهو رب الأسرة ، فإنه يبقى الموجه والمرشد لأسرته ،، لكن لمن بلغ منهم السن الشرعي فإنه يكون مسؤولا عن اختياره لكن يجب على رب الاسرة التوضيح له عن تبعات اختياره ، سواء تبعات شرعية أو اجتماعية .
مداخلة الشيخ محمد با فضل : التحذير من الفتوى بغير علم ،والحرص على التفقه بهذا الدين ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ، وحذر أيضا من تتبع الرخص بفتاوى لا دليل عليها ،، وشكر مؤسس هذه الندوة وأبناءه الطيبين .
وختم الأديب شمس الدين درمش الندوة بمقطوعات شعرية من شعر الإمام الشافعي رضي الله عنه لما للشعر من أثر طيب في النفس ، يقول الإمام الشافعي في حقيقة الفقيه :
إن الفقيه هو الفقيه بفعله ليس الفقيه بنطقه ومقاله
وكذا الرئيس هو الرئيس بخلقه ليس الرئيس بقومه ورجاله
وكذا الغني هو الغني بحاله ليس الغني بملكه وبماله
ويقول في نظرة الفقيه إلى الدنيا :
إن لله عبادا فطناء تركوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

وهذه الأبيات ذكرها الإمام النووي في مقدمة كتابه رياض الصالحين ،
ويقول الشافعي في توافق القول والفعل في الإنسان، وهذا يعيدنا الى تعريف الفقيه ومن قوله :
يا واعظ الناس عما أنت فاعله يا من يعد عليه العمر بالنفس
احفظ لشيبك من عيب يدنسه إن البياض قليل الحمل للدنس
كحامل لثياب الناس يغسلها وثوبه غارق في الرجس والنجس
تبغي النجاة ولم تسلك طريقتها إن السفينة لا تجري على اليبس
ركوبك النعش ينسيك الركوب على ما كنت تركب من بغل ومن فرس
يوم القيامة لا مال ولا ولد وضمة القبر تنسي ليلة العرس

ويقول في الأعراض عن الناس والاشتغال بعيوب النفس :

إذا رمت أن تحيا سليما من الأذى ودينك موفور وعرضك صين
فلا ينطقن منك اللسان بسوأة فكلك سوآت وللناس ألسن
وعينك إن أبدت لك معايبا فصنها وقل يا عين إن للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ودافع لكن بالتي هي أحسن

ونوه الأديب شمس الدين بأنه ينسب للإمام الشافعي أشعار كثيرة ليست في ديوانه وتوزع ..
وشكر الدكتورأحمد سيف الدين التركستاني المحاضر والمداخلين والسائلين.

التصنيفات