منهجية الفكر العلمى المعاصر

منهجية الفكر العلمى المعاصر
منهجية الفكر العلمى المعاصر


-تعريف المنهجية العلمية ومفهومها:

يتكون منهج الفكر العلمي íاشتقاقا من كلمة منهج، وكلمة العلمي. وتعني كلمة منهج طريق، سلوك. وهي مشتقة من الفعل نهج بمعنى طرق، أو سلك، أو اتبع. أما كلمة العلمي فتعنى المعرفة، والدراية، والإدراك. والعلم يعني الإلمام بالحقيقة، والمعرفة بكل ما يتصل بها.ويعنى الفكرنقل الواقع الى الدماغ بعل الحواس مقترنا بمعلومات سابقة. ويتحول الفكر الى مفهوم عندما يجد بيئة خصبة لدى المتلقى وإلا فإن الفكر يصبح جزءا من المعلومات الخام التى تعجز فى حد ذاتها من بناء الفكر فى غياب البنى المفاهيمية الناضجة التى تصنع المعرفة وتحلق بها.

وتعود كلمة المنهج إلى اليونانية التي استخدمها إفلاطون بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة والتي ترجمت إلى الفرنسية " Methode " وإلى الإنجليزية " Methodology "(2). وقد عرفت كلمة منهج في الإطار المرجعي للتراث الإسلامي تأسياً بسياق الآية الكريمة 48 من سورة المائدة والتي ورد فيها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) الآية.ولم يتأصل هذا المصطلح في عصر النهضة الأوروبية إلا بعد صدور طبعة "أميل شارل" عام 1878م(3).

-منهجية الفكر العلمى المعاصر فى التاريخ:

لقد تأثرت منهجية الفكر العلمى المعاصر بنقلات فكرية نوعية مختلفة حدثت عبر حقب متعددة، أولاها منهجية حقبة فكر ما قبل أديسا وإلياذة هوميروس وفلسفة سقراط ومثالية إفلاطون وجوهر وعرض ومنطق أرسطو. كما تأثر بفلسفة هيراكليت وسفسطة وانتستينس وواقعية بروتاجوراس وجدلية سينكا وأرتوستينس وبطليموس واسترابو. وعلى الرغم من إنتقال زمام الأمرمن اليونان إلى الرومان وتعزيز موقع الكنيسة فى عهد الحاكم الرومانى قسطنطين وما تلاه من عهود, إلا أن منهجية الفلسفة اليونانية حافظت على مكانتها كمنبع رئيسي للمعرفة عند مفكري رجال الكنيسة أنذاك. ويعود السبب في تمسك الكنيسة بهذه الفلسفة التي أضحت جزءا أساسيا من المعتقد الكاثوليكي,وبخاصة فلسفة أرسطوا وإفلاطون, إلى عجز العهد الجديد بأناجيله الأربعة من توفير معلومات عن الكون وكيفية تكوينه وطبيعة ظواهره. كما يعود السبب ألى ضآلة المعارف التى تحويها الإصحاحات الثلاث الأولى من العهد القديم وعدم مطابقة ماهو موجود فيها للواقع المقيس.وتعد هذه الفترة من تاريخ علم الطبيعة الكنسى فترة منظور منهجى دوجماتي مظلم سيطر فيه رجال الدين على أوروبا سيطرة تامة. كما أضحت الكنيسة خلال فترة هذا المنظور المصدرالمطلق الوحيد المالك لحق التشريع والتوجيه والتفسير العلمي للظواهر الطبيعية والكونية. واتصفت 


هذه الحقبة أيضا من العلم وخاصة علم الطبيعة بظلم وجبروت الكنيسة المتمثلين في حرب وقتل وتشريد كل من عارض منظورها الذى يقوم علي الإعتقاد بمركزية الأرض للكون, واعتبار الأرض المرجع للأجسام المتحركة,والتركيز على مبدأ غائية الأشياء و إنعدام الحركة فى الفراغ. وهكذا ظل منظور علم الطبيعة فى أوروبا خلال تلك القرون مقيدا بأغلال إطار مرجعي متعسف مرتكز على الفلسفة اليونانية والديانة المسيحية الموغلة فى الإرهاب والتطرف, إلى ان قيض الله للبشرية عامة ولأوروبا خاصة من ينقذها من مستنقعات الوحل المنتنة ودياجير الظلام الداكنة وغياهب الدهاليز الكنسية المقفرة. فتأثر المنظورالأوروبى انذاك بمنهجية علوم الحضارة الإسلامية الإنسانية والطبيعية والكونية التى وفرت مفاهيما عن حقائق الوجود وأسرار الخلق وغاياته ومآله. كما وفرت معلومات هامة عن المسائل المتعلقة بكيفية بدء الكون والزمن من عدم, ونفت سرمدية المادة وعدم فنائها, وهدمت فكرة انغلاق الكون واكتفائه السببى. وأزالت الغموض الذى لازم الظواهر الطبيعية وحررتها من سيطرة الخرافات والأساطير التي رضخ لها منظور علم الطبيعة طيلة الفترة الأوروبية الكنسية الدوجماتية المظلمه . فلمعت في سماء أوروبا أسماء علماء من المسلمين برزوا فى عالم الفكر والمعرفة الطبيعية كالكندي والفارابي وابن الهيثم وابن سينا وابن طفيل وابن حيان وابن النفيس والفرغني وابن الشاطر وابن رشد وغيرهم.ولقد حظيت أعماال بعض هؤلاء العلماء بقدر كبيرمن عناية الأوروبيين الذين قام بعضهم بترجمة ونشر العديد من أعمالهم العلمية الثمينة التي كان لها اكبر الأثر في تغيير منهجية الفكر العلمى فى أوروبا. فعلى سبيل المثال لا الحصر نشر توسكانيللى نظريات الحسن ابن الهيثم ووضع ويتيلوا كتابا في علم المرئيات معتمدا علي أراء هذا العالم العربي. كما أشاد بريفولت, في كتابه الموسوم"صنع الإنسانية", بمفكري وعلماء العالم الإسلامي الذين أثرت إسهاماتهم أوروبا والذين تتلمذ على أيديهم بعض مفكرى هذه القارة. فأشاربريفولت, علي سبيل المثال لا الحصر, ضمن عدد من الإشارات الأخرى في هذا الكتاب أن روجر بيكون ومن بعده فرنسيس بيكون قد أخذا منهجهما عن أبى حامد الغزالي. كما فعل ديكارت الشئ نفسه عندما الف كتابيه الموسومين "مقال في المنهج" و"مبادئ الفلسفة". واستمر حال الإبداع الإسلامي علي هذه الحال الى أن آل الزمام الى أوروبا مرة أخرى مع إطلالة القرن السادس عشر الميلادى على وجه التقريب. فبعد فتح القسطنطينية, وما صاحب هذا الحدث من نقل للمعرفة الى أوروبا وقيام حركة مارتن لوثر وكلفن, نشأت هناك مذاهب فكرية جديدة تختلف في إيقاعاتها ومنطلقاتها عن الإيقاعات الفكرية أوالمناظير المفاهيمية التى سبقتها. ولقد كان لنشوء تلك المذاهب, وبخاصة المذهبين العقلي والواقعي منها تأثير كبير على منهجية المنظور العلمي السائد أنذاك وأدوات نظره. وتلاحقت فصول هذه المسرحية التي توجت بظهور أعمال كوبرنيكوس وجاليليو وكيبلر التي اهتز لها مسار تاريخ العلم والكون وواقع منهجيتهما الفكرية. فأسهمت هذه الأعمال بشكل بارز في تقويض دعائم اللبنات الأولى لمنظور علم الطبيعة والكون الكنسي.ولقد ساعد على تسريع عمليات التقويض هذه في تلك الفترة من تاريخ هذا العلم كتابات فولتير ذات القذائف المدمرة للمعتقد الدينى. كما توجت فصول هذه االمسرحية فيما بعد بظهور "نظرية نيوتن للجاذبية", بفكرها الميكانيكي عن الكون المتأثر أصلا بمفهوم كبلر عن الجذب المتبادل. فأدت آنذاك إلى حدوث تحول ثوري في المنظور لا يمكن غض النظر عنه ولا عن تأثيره المباشر على بنية مننهجية الفكر العلمي المعاصر بشكل عام وعلى فكر علم الطبيعة ومفاهيمه بشكل خاص. وقد توج نيوتن أعماله الثورية هذه بقوانينه الثلاث وقانون الجاذبية وبمؤلفه الموسوم "أسس الرياضيات" الذي ضمنه ابتكاره المتعلق آنذاك بحساب التفاضل والتكامل. ولاشك أن هذا المؤلف يعد تطويرا فاعلا لأعمال الخوارزمى ثم كبلر وديكارت من ناحية وإنجازا ثوريا ترك بصمات منظورية لاتنكر في حقل الرياضيات الحديثة من ناحية أخري. ونتيجة لهذا الوضع النيوتوني الثوري تكَّون خلال هذه الفترة من تاريخ علم الطبيعة منظور علمي جديد بعدت فيه الشقة بين الهندسة الإقليدية وغير الإقليدية(هندسة لوبا تشيسكي هربرت). كما كبر الفارق في هذا المنظور بين أسس فيزياء أرسطو وبطليموس والبرت الكبير وتوماس الإكويني وبين فيزياء كوبرنيكس وجاليليو ونيوتن. كما أسقط هذا المنظور فروض القسيس جيمس أرثر وبوفن وجيمز هلتون واعتلى علم الطبيعة كبرياء الحتمية والتجرد من الدين والوجود وتبني التفسير المادي للكون. ولا شك قد كان لهذا التحول الثوري لمنهجية الفكر العلمى آنذاك دورا فاعلا في إشعال جذوة البدايات الأولى للثورة الصناعية والفلسفية العلمية التي رسخت في أوروبا بعض المذهبيات المادية التى أشير إليها أنفا في هذا المقال. فساد في هذه الفترة من تاريخ العلم افكر ديكارت الذاتي وبيكون المنهجي وكونت الوضعي ومالتوس المجرد وسارتر الديكارتي الأصل. وقد عاصرت هذه الفلسفات نشوء الفكر الماركسي في روسيا وشرق أوروبا وتاثرت به. كما اقترنت بالفلسفة الديالكتيكية والمادية التاريخية ذات الأصل الهيجلي ونقيضها المتمثل في الفكر الرأسمالي الديموقراطي . وصاحب هذه الحقبة من تاريخ العلم ولازمها ظهور عدد من المؤلفات التي أرغمت المنظور المنهجى للعلم لاتخاذ مسار ترتسم عليه للاسف أثار هذا الفكر بسلبياته المختلفة. ومن أمثلة هذه المؤلفات "نقد العقل الخالص" لكانت، و "أصل الأنواع" و "أصل الإنسان" لداروين، الذي أسس عليهما سبنسر فيما بعد مبدأه عن ألإنتخاب الطبيعي, و "الطوطم والتابو" و"الإيجو والإيد" لفرويد، و"جامع الدعوى" لكارل ماركس الذي اخذ مبدأ النقيض عن فيتشه وهيجل و"مقال عن العقل ألإنساني" لجون لوك, وكتابات جاك تورجو عن فلسفة التاريخ وهيجل عن مسار العقل في التاريخ. ومن نافلة القول التأكيد هنا على أن مسار الفكر المكتوب لمنهجية لعلم خلال هذه الحقبة من تاريخ اوروبا قد تأثر بهذه الأطروحات فتحولت التفاسير من منظور مرتبط بالمعتقد الديني إلى منظور للتفاسير مرتبط بالمنهجية الفروضية الإستدلالي الاحتمالية المادية التأويل . فتبني هكسلى, للأسف, وغيره من الليبراليين المعارضين للتيار الدينى نظريات هذا المنظور كنظرية "التطور لداروين" وقوانين الإنتخاب الطبيعي التي أقيمت على أسس تنظيرية لمفهوم الصراع من أجل البقاء. كما تبنى هيجل هذه النظرية واعتبرها فلسفة كونية جديدة أقام عليها نظريته المختلفة . ومن الضروري التأكيد هنا على أن نظرية داروين قد استندت أصلا على أعمال كتّاب سابقين من مثل لامارك وليننايوس وبوفون وسميث وكوفييه ونيوتون. كما اعتمدت بدرجة أكبر على كتابات مالتوس وتشارلز ليل وفكر هيجل ألذى دافع داروين عنه في كتابه أصل الأنواع . ولاننسى أن نذكر هنا أن داروين قد تأثر أيضا بشكل مباشر بأراء وليام سميث وجيمس هوتون الذي أفاد كثيرا من أعمال سوسير وسكروب. ولعل أفكار سبنسر المعروفة ب "الدارونية الاجتماعية" ألتي فسر العلماء بموجبها التغيرات في المجتمع الأمريكي تفسيراً بيولوجياً هى مثال صارخ آخر للأسف على مدى التأثر بمنظور مبدأ الصراع من أجل البقاء . ولا غرابة في ذلك فإن سبنسر هو أحد حملة فكر مالتوس الذي نادي بحق البقاء للأقوي في عالم ,حسب رأيه, تزداد فيه الموارد بمتواليات حسابية بينما يزداد السكان فيه وفق متواليات هندسية. وقد تجلي نداء مالتوس بوضوح فى كتاب سبنسر الذي ألفه بعنوان"نظرية حول السكان" مما يؤكد يقينا مدي تأثر سبنسر بفكر مالتوس وبمنظوره السكانى. ولا شك أن مثل هذا الفكر الصراعي قد طال للأسف عالمنا المعاصر فأثّر على رؤية بعض المفكرين لمسار التاريخ . ولاشك أن أصدق مثال على ذلك هو نظرية هنتنجتون عن "صدام الحضارات" ونظرية فوكوياما عن "نهاية التاريخ" . فقد فرضت هاتان النظريتان على العالم منظورا سياسيا تسلطيا أحادي التفكير يعزز مفاهيم الصراع بين الشعوب. كما يقصى هذا المنظور شخصيات الشعوب الإعتبارية ويختزل سيادات الدول ضمن اطار النظام الديموقراطي الأمريكي الذى يعده فوكوياما نهاية التاريخ. وهكذا ظلت المناظير المفاهيمية بين مد وجزر, إلى أن طغي علي أروقة علم الطبيعة ومحافله في منتصف القرن الماضي منظور الثورة الكمية الذي شمل مفهوم التحليل المكاني ومفهوم الاحتمال ومفهوم الوضع والإمكان. وقد تُّوجت هذه الفترة من تاريخ العلم وخاصة علم الطبيعة بظهور نظريتي النسبية الخاصة والعامة لإنشتاين التي كشفت عن مكامن الدقائق النووية في فيزياء الكم. فغيرت هذه النظرية طبيعة قراءتنا لتاريخ الفكر وواقع الفكر في التاريخ وأثرت المعرفة بنسبية المكان والزمان والحركة. كما رفضت المفاهيم المطلقة للمعرفة النيوتونية الحتمية الأبعاد مثلما رفضها آرنست ماخ من قبل . وقد استعان بمفاهيم هذه النظرية فريدمان وهابل لتأكيد فرضية التمدد الكوني. كما استعانت بها وبالدقائق النووية لنظرية الكم, نظرية "الإنفجار العظيم" التى تعزي نشأة الكون إلى فتق إنفجاري أصاب رتق المادة الأولى للبنية الكونية. ومن الجدير بالذكر الإشارة هنا إلي أن إنشتاين لم يتأثر بأعمال آرنست ماخ فحسب بل تأثر أيضا بأعمال ماكسويل وماكس بلانك. وتأثر إنشتاين أيضا بمفاهيم فاراداى الذي عاش فترة ماكسويل والذى أسس نظريته علي معطيات ديكارت عن الدوامات المائيه. ولقد كان لأعمال بلانك أكبر الأثر فى إثراء المنظور المفاهيمي لعلم الطبيعة في مجال نظريات الإشعاع والطاقه. فأعلن بلانك أن الطاقة لا تخرج بشكل مستمر وإنما تخرج في شكل وحدات صغيرة أو حزم منفصلة. وبيّن أنه كلما زاد تدفق الطاقة زاد إنطلاقها في صورة دفعات قوية وبمضاعفات أكبر بكثير من وحداتها الأصلية. ولهذا سمي بلانك هذه الوحدات المنفصلة والمتدفقة من الطاقة "الكوانطا" التي تمثل اليوم أساس منظور علم فيزياء الكم". فمن الواضح إذن أن أعمال بلانك قد أسست لظهور "نظرية الكوانتم" التي بلاشك كان لها أكبر الدور في إثراء المنظور المعرفى لعلم الطبيعة النووى. فزاد هذا الدور من فرص تعزيز مفاهيم الاحتمال ونقض مفاهيم الحتم النيوتونى المطلق. ولعل التحليلات الكهرومغناطيسية والأطياف الضوئية ونظريات الحراك النووى هي من اكثر مجالات علم الطبيعة تأثرا بمفاهيم منظور فيزياء الكم. ولا شك أن اقتران "نظرية الكوانتم" ب "نظرية المجموعات" ,التي تقوم على التماثل بين مجموعة من عناصر تخضع لشروط مشتركة, قد ساعد بشكل فاعل فى توفير وسيلة من أهم الوسائل لمعالجة المسائل المعقدة في المجالات المختلفة لعلم الطبيعة.ويبذل العلماء في الوقت الراهن, كهوكنج على سبيل المثال لاالحصر, جهوداً مضنية للإحتفال باستنباط نظرية, ذات منظور جديد, تسمى "نظرية الحقول الموحدة". ومن المؤمل أن تربط هذه النظرية بين نظريتى النسبية والكوانتم في حقل تفسيري كوني واحد. إلا أن استنباط هذه النظرية قد تأخر ً بسبب عقبة الجاذبية التي أعاقت إتمام هذا الربط. وإلى أن تحل هذه الإشكالية ستظل منهجية الفكر العلمى المعاصر اليوم رهينة فكر هاتين النظريتين "النسبية والكوانتم" اللتين تحتلان قمة هرم 


علم الطبيعة, وتمتطيان صهوة مسار مفاهيمه الحذرة من المستقبل.هذا المستقبل الذى قد يقترن بتحولات مفاهيمية تغيرمن واقع تاريخ الفكر المعاصر وتفرض عليه منظورا ربما يختلف بشكل جذري عن المنظور الذي أقترن بحقبة النسبية أو الكوانتم . ولاشك أن هذه التحولات ، إن حدثت ، ستقود إلى وضع تقل في النظرية الموجودات والتفاعلات الأساسية وتكبرفيها مجموعات التماثل وتندرج القوانين تحت أطر نظريات أعم وأشمل من نظريات اليوم . كما ستسود المبادئ العامة, التى تصف مجموعة من الحقائق محصلة من تجارب متشابهة, فوق كل الإعتبارات المفاهيمية السابقة لها وتتغير بناها الرياضية بشكل يتناسب مع صيغ التفاعلات الأساسية المنشودة . ولاشك أن هذا التحول الحذر لمنهجية الفكر العلمى المعاصر سيكون نتاجا لسلسة من الجهود التى ستبذل خلال هذا القرن لحصر الإحتمالات وتضييق نطاق المقبول من المبادئ والمفاهيم التى تقتضيها صيغ التفاعلات الأساسية المرتقبة . فما من شك أن ظهور مبدأ التطبيع ومبدأ اللاتغير القياسى الذى تبنى "نظرية الأكوان الكمية" ومبدأ التماثل في "نظرية الخيوط الفائقة" هى دلائل لإحدى الصيغ المقبولة للتفاعلات الأساسية. ولكن هذه الدلائل التى ظن العلماء أنهم قد قدروا عليها و ملكوا زمام أمرها تنقلب فجأة وبالاً عليهم بعد ما اعلن فيرنر هايزنبرج "مبدأ عدم اليقين" القاضي باستحالة تحديد موقع الكترون ما وسرعته في الآن نفسه. فدعى هذا الأمر العلماء ,عند هذه النقطة في الزمان من منظور علم الطبيعة المعاصر,أن يتساءلوا عما إذا كان مبدأ عدم اليقين يفرض قيدا علي المعرفة البشرية وعلى صفة الحرية والإختيار للجسيمات. وتساءلو أيضا فيما إذا كان من الممكن إعطاء معني لسلوك الجسيمات في ظل اللاتحددية التي يفرضها هذا المبدأ أو تفرضها منهجية الفكر العلمى لنظرية الخيوط الفائقة التى ربما ستمثل المنظور النهائي لمنهجبة الفكر المعاصر للعلوم عامة ولعلم الطبيعة ببشكل خاص.


-بنية منهجية الفكر العلمى المعاصر:

إن المنهجية العلمية هي طريقة التفكير المحكمة التي تقوم على الملاحظة، وإعمال العقل، وجمع البيانات، وصياغة الفرضيات واختبارها، وتحليل المعلومات، وتقييم وتفسير النتائج، وتعميم ما تأكد من خصوصها بالنظر والبصيرة على عمومها(4). فالمنهجية العلمية وفقاً لهذا المفهوم تعني طريقة للنظر تتألف من مجموعة من الأساليب والأدوات التي تمكن الباحثين من ربط مفردات الواقع ووصفه وتفسيره وتحديد العلاقات الارتباطية بين ظواهره(5). تقتضى منهجية الفكر العلمى المعاصر تكوين صورة عن الواقع من خلال جهد يسبق عادة باستقراء ذلك الواقع وتبويب حقائقه وتصنيفها واجراء القياس اللازم من خلال توظيف الادوات العملية الاسلوبية الممكنة بما فى ذلك التجربة المختبرية تمهيداً لصياغة أنموذج استقرائي إبتدائي لتمثيل الواقع. وتسمى الطريقة التي تهتم بتبويب الحقائق وتصنيفها " الاستقراء induction " بينما تسمى الطريقة التي تعني بقياس أنموذج نهائي على أنموذج ابتدائي " الاستدلال deduction " ومن الجدير بالذكر الإشارة هنا، إلى أن المنهجية البيكونية التى فصلت بين بنية التعميم بمسارين مختلفين قد ضلت الطريق وحجرت من سعة الاستنباط. ولذلك فإن الجهد الذى قام به كاتب هذا المقال لتوحيد هذين المسارين فى حقل منهجى استقراء استدلالي موحد مبنى على مرحلتين رئيستين من فرص التغذيات الراجعة وسبل التحقق عمليا وتجريبيا من خطوات العمل والتعميم المستنبط على حد سواء قد حل هذه الازمة المنطقية ،وحقق لها فرص ربط الاستدلال بما انتهى اليه الاستقراء من تعميمات تمثل النموذج الاولى فى المرحلة الاستدلالية. وعلى أية حال فإن منهجية الفكر العلمى المعاصر ذى الحقل الموحد الذى تم تصميمه بديلا للمسارات المنهجية البيكونية الثنائية التوجه تبدأ عموماً بتحديد الحالة العامة للنظام قيد الدراسة وذلك عن طريق تسجيل المتغيرات المعينة التي تميز حالته عن غيره . وبعد ذلك تجري التجارب بمفهومها الاصطلاحى الشامل الذى يتضمن الدراسات الميدانية العملية والتحليلات الاحصاء - رياضية والمختبرية وغيرها من الدراسات العملية والاسلوبية المتنوعة عى حد سواء لرصد القيم المختلفة لهذه المتغيرات مع تطور النظام أي مع رصد مسار تحوله من حالة إلى أخرى ، ومن ثم يبحث في هذا المسار عن الخواص التي لا تتغير مع تطوره وتحسب لها الثوابت التي تحدد الصيغ النهائية للقوانين التي تشكل النظرية ذات العلاقة بهذه الحالة العامة للنظام قيد البحث. وبالتدقيق في قوانين البقاء لمجموعة متماثلة من النظم يمكن أن يستخلص المنظَّرون فرضية لقانون عام ، ثم يختبر هذا القانون بمقارنة تنبؤاته مع التجارب على أوسع نطاق ممكن . بعد ذلك يتم النظر في إمكانية استنتاج هذا القانون من نظريات أعم وأشمل بحيث تعتبر هذه النظريات نماذج رياضية لمجموعات كبيرة من الظواهر الطبيعية التي تنتظم تحت تفاعلات أساسية واحدة . ولاشك أن العمل الاستقراء –استدلالي ذى الحقل الموحد او الائتلافي بما يحويه من ادوات وأساليب وتغذيات راجعة منطقية وتجريبية للتحقق من صحة خطوات العمل المنهجية من ناحية وصدق الاستنباط الاستقراء - استدلالى من ناحية اخرى هو الذى اكسب منهجية الفكر العلمى المعاصر وهجها التجريبي اوالعملى التحليلى وألقها العلمي الرصين. وإلى جانب ذلك توظف هذه المنهجية كفكر علمى تطبيقى عملى معاصر عدة مبادئى من أهمها:

-العلية والاطراد: يفترضان هذان المبدءان أن لكل معلول علة وأن نفس العلة تقود إلى نفس المعلول في الأحوال المتماثلة في الزمان والمكان. وتعالج العلية أصلاً وفرعاً وحكماً وفق أنماط منهجية تدور فيها العلة مع الحكم وجوداً وعدماً.

-القياس: تتم عادةً معرفة علة الحكم وفق الطرق التي تعرف بها علل الأحكام فقهيا فإذا وجدت واقعة لا مرجع لها تساوي واقعة مرجعية أخرى في العلة فإن هذه الواقعة غير المرجعية تقاس بالمرجعي من هذه الوقائع شريطة أن تتساوي الواقعتان في علة حكميهما.

-الدوران أو التجربة:

يستخدم هذا المصطلح لحـذف ما يصلح تعليلاً مقابل مايبقى من العلل التي تقترن بها الأحكام وجودا وعدما وينقح بها المناط بعد الدوران. وهو أمر أخذ به كل من ديفيد هيوم فى منهجية الحذف والاستبعاد وبيكون فى جداول الحضوروالغياب.

من قضايا الفكر العلمى المنهجى المعاصر:

تقتصر هذه الورقة على مناقشة على عدد من أهم تلك القضايا وذلك كما يلى:

-المفاهيم العلمية:

تمثل المفاهيم الجذور المعرفية للأبعاد النظرية والتطبيقية أو العملية لأي علم من العلوم. والواقع أن العلم مهما كان نوعه أو اتجاهه لن تستقيم عراه أو تتواصل عطاياه دون ربط متقن بين عطايا هذا العلم من ناحية ومفاهيمه الأساسية من ناحية أخرى. ومن الجدير بالذكر أن " المكان والزمان " يمثلان العمود الفقري الذي تستند إليه الاهتمامات العلمية الرئيسية العظمى كتوزيع الظواهر وتنميطها وتحديد أو تفعيل العمليات والعوامل المؤثرة على هذه الأنماط. والحقيقة أن خصائص توزيع الظواهر وأنماط التوزيع وعملياته لن تفهم الفهم الواعي والمطلوب في غياب المفاهيم العلمية أو بالأحرى في غياب ربط متقن ودقيق بين الظواهر من ناحية ومفاهيم بعدي " المكان والزمان " من ناحية أخرى. ففي المكان يرصد العالم، وفق مفاهيم المكان، أطياف الزمان كما يفعل في السلسلة الزمنية بينما يرصد في الزمان، وفق مفاهيم الزمان، أطياف المكان كما يفعل لكشف التجانس بين الظواهر بالتحليل الطيفي. ولا شك أن مثل هذا العمل الجغرافييحقق وصل المكان بالزمان، فينبثق عن وصلهما مفهوم شامل موحد الحقل غاية في الأهمية هو مفهوم " الزمكانية". فالمفهوم في رأيي هو هيئة ذهنية فكرية رحبة غير مقيدة وغير مقيسة أو مؤطرة تستنبط من شواهد مقيسة مقيدة ومؤطرة وفق نظم محققة معرفياً وصارمة منهجيا ومتبلورة منطقيا. وكتدليل على ذلك نجد أن المكانية مثلاً تمثل مفهوماً غير مقيس ولكن المكان الذي نتصوره بتفعيل هذه الهيئة المفاهيمية المكانية هو واقع مقيس. والعلية كذلك هي هيئة مفاهيمية ذهنية أي أنها تمثل مفهوماً صورياً غير مقيس ولكن آثار الاعتلال الحسية للظواهر وفق هذا المفهوم الصوري غير المقيس هو واقع مقيس أيضاً. وقس على ذلك بقية المفاهيم الأخرى كالزمانية والحتمية والاحتمالية والإمكانية التي تعتبر بكل تأكيد صيغاً مفاهيمية غير مقيسة يوظفها العالم متى شاء لوصف أوعية ظواهراتية مقيسة.



-النظرية العلمية:

النظرية هي تلك البنية المؤلفة من المفاهيم والتصورات التي تربط النتائج بالمقدمات والفرضيات الصادقة بالوقائع المقيسة وتفسر الجوانب المختلفة للظواهر قيد النظر. ولا يمكن للتعميم أن يرتقي إلى مستوى النظرية إلا إذا كان قادر على وصف مجموعة كبيرة من المشاهدات بشكل دقيق وفق أنموذج يحوي عدداً قليلاً من الموجودات أو العناصر . ولن يصبح التعميم نظرية أيضا إلا إذا كان قادراً على التنبؤ الدقيق بالحالات المستقبلية للظواهر أو الأحداث ورصد معدلات تكرار حدوثها . لذا أسقطت من الأطر المرجعية نظرية ارسطو وبقيت نظرية نيوتن للجاذبية على سبيل المثال فاعلة نتيجة لقدرتها على التنبؤ رغم بساطة متنها التنظيري. ولهذا فالنظرية المقبولة هي التي تحقق التسوية بين مطلبي البساطة والخلو من التعقيد والاتفاق مع الوقائع المرئية ، وبقدر ما تتفق النظرية مع الوقائع المرئية تزداد درجة الثقة في قدرتها على تفسير الظواهر والأحداث .

يهدف التنظير في العلوم وبخاصة الطبيعية منها إلى تحقيق ما يلي :

* الكشف عن النظام الذي يتحكم في الظواهر واستخلاص القواعد المؤثرة أو المفسرة لسلوكه

* معالجة السمات المشتركة بين الظواهر وتحديد أنماطها التوزيعية .

* تحديد الخصائص الأساسية للظواهر والربط بينها وحصر الاحتمالات .

* التنبؤ بالحالات المستقبلية للظواهر والأحداث وتضييق نطاق المقبول منها .

* تفسير العلاقات التبادلية بين الظواهر واستنباط القوانين التي تحكم كل مجموعة مترابطة .

* توحيد مسارات التفاعلات وتوسيع نطاق ترابطها بحيث تنتهي هذه المسارات في نظرية شاملة ترجع الأشياء إلى تفاعل أساسي واحد .


وتصنف النظريات بحسب طبيعة المنهجية المستخدمة الى ما يأتي :

1.النوع الأول : يشمل هذا النوع من تصنيفات هذه المجموعة النظريات الكاملة الاستدلال التي يزخر بها الإطار المرجعي في العلوم الطبيعية خاصة كنظرية النسبية العامة والخاصة ونظرية الكوانتم وغيرها . وتتصف نظريات هذا النوع على محدوديتها بمستويات تجريبية فائقة الكفاءة وقادرة عل تفسير الظواهر تفسيراً يعطي نتائج عمومية وعالمية أكثر دقة من النتائج التي تعطيها أو تفرزها نظريات العلوم الإنسانية غير الاستدلالية .

2.النوع الثاني : يشمل هذا النوع من تصنيفات هذه المجموعة النظريات ناقصة البرهان جزئياً ، وهو نوع من النظريات يحاول رواده سد النقص فيه واستيفاء حديات برهانه من نظريات أخرى أكثر استيفاء للبرهان . .وتعتبر نظرية كانت وجينز وجيفريز وتشمبرلين وهويل في تفسير نشأة الأرض أمثلة لهذا النوع من النظريات .

3.النوع الثالث : يشمل هذا النوع من تصنيفات هذه المجموعة المقولات غير النظامية التي تتخذ صيغاً تفتقر إلى المركبات الأساسية للنظرية كالبديهات والتعريفات والمسلمات. وهذا النوع من المقولات لا يقتصر على العلوم الإنسانية دون غيرها بل يشمل بعضا من نظريات وقوانين العلوم الطبيعية كقانون بويل وتشارلز الذين يندرجان تحت مجال النظرية الثرموديناميكية وغيرها من النظريات التي حتمتها ظروف تجريبية صرفة صياغة واستخداما.

-القانون العلمى :

لا يمكن أن يكون للنظرية محتوى فكري يعتد به في غياب القوانين التي تشملها إذ يمثل القانون نظرية تجردت من أثرى الزمان والمكان واكتسبت صفتى العالمية والعمومية . فنظرية النسبية العامة أو الخاصة لا يمكن أن تفهم في غياب قوانينها التي منها قوانين المد والجزر وقوانين الجاذبية وقوانين حركة الكواكب والمجرات. وكذلك من غير الممكن أن تفهم نظرية الكوانتم في غياب قوانين ماكسويل وقوانين الكهرومغناطيسية وقوانين الذرة التي تشكل في حد ذاتها مجالات مختلفة لهذه النظرية. ومن الجدير بالذكر أن برهنة أو تكذيب نظرية ما نتيجة لجهد استقرائي مهما تعددت تجاربه ومشاهداته لا يمكن أن يكون دليلاً كافياً على صدق نظرية ما وانتقالها إلى مستوى أرفع كالقانون أو الحقيقة . والإطار المرجعي في العلوم الطبيعية على سبيل المثال مليء بنظريات أثبتت جهود فردية صدقها ثم جاء وقت أضحت فيه هذه النظريات مخالفة للواقع مما أدى إلى رفضها وربما شطبها من هذه الأطر . فالبرهان المطلق لنظرية ما لابد وأن يكون في عدد لا نهائي من المحاولات والبراهين ومن المستحيل توفر مثل ذلك العدد غير النهائي من والبراهين اللازمة لإثبات الصحة المطلقة لنظرية ما . ولعل من المهم الإشارة إلى أنه ليس من الأولى إثبات النظرية بالحالات التي تتفق معها وإنما الأولى هو إثباتها بالحالات المضادة لها ، مما يعني أن حالة سلبية واحدة تكفي للبرهنة على فساد النظرية في الوقت الذي تعجز فيه حالات إيجابية عديدة عن إثبات صدقها . وهذا أمر يجعل فرص رفض النظريات في العلوم أكبر من فرص إثباتها . ولذا لن تصبح النظرية في كافة العلوم نظرية إلا بعد ثبات فساد جميع الفروض التي يحتويها مجال النظرية عدا فرضاً واحداً يتفق مع المتغيرات التي استندت إليها النظرية .

-المنظور العلمي:

إن من أهم قضايا منهجية الفكر العلمى المعاصر هو مفهوم المنظور "The Paradigm" فى الفكر العلمى المعاصر الذى يمثل حسب المنهجية العلمية لهذا الفكر أنموذجا يستحدثه ويجمع عليه ويتداوله أهل فن عال في الدربة عقب أزمة فكرية أو عملية ثبت بموجبها عدم قدرة النموذج السائد على حلها أو تفسيرها. ويقوم العلماء بعد استحداث هذا الأنموذج بإحلاله مكان الأنموذج العاجز عن حل الأزمة قيد البحث. أمّا كون فيعرّف المنظور, في كتابه "بنية الثورة العلمية", بأنه "إنجاز علمى مدرك عالميا يحقق في وقت ما أنموذجا لمعضلة تهم مجموعة من المتخصصين". ويؤكد في هذا الكتاب أن العلماء يغيرون نظرتهم للعلوم ومفاهيمها من عهد إلي عهد في التاريخ نتيجة لوضع أنفسهم في إطار أنموذج جديد يختلف جذريا عن إطارالأنموذج القديم الذي كان يدور العلم في فلكه قبل انبثاق الأنموذج الجديد.وهذا يعنى أنه يترتب بالضرورة على التحول من منظور قديم الي منظور حديث تغيير جذري للمفاهيم ألتي كانت تسود خلال فترة توظيف المنظور القديم. ويأخذ هذا التغيير حسب ما أورده ماهرمحمد علي في كتابه الموسوم"فلسفة العلوم" اتجاهين: ألأول إتجاه رأسي يتم بناء عليه مراجعة المفاهيم والتصورات العلمية وكل مسلمات النسق العلمي وأساسياته. أما الثاني فهو إتجاه أفقي يفضي إلي تغيرات مصاحبة تحدث في نماذج العلوم الأخري المرتبطة بالعلم موضوع التغير.فالعلم بناء لذلك يمرإذن بطفرات أو أزمات فكرية قصيرة المدي تستدعي, فى ألأغلب الأعم, إعادة النظر في الوصف والتفسير للظواهر بالمراحل التي تسبق هذه الأزمة أو الطفرة. فتصبح المفاهيم الجديدة التى تنتج عن هذا النظر هي التي تتحكم في الصياغة المعاصرة للعلوم وتكون مختلفة تمام الإختلاف عما سبق هذه الأزمة أو الطفرة من مفاهيم. ثم يستمر العلم بعد ذلك فترة من الزمن ضمن إطار متصل إلي أن يعكر صفوه طفرة أخري تمثل إطارا شاذا هو الذي تحدث فيه الأزمة وهكذا دواليك. وتلعب النظريات والمفاهيم والتصورات التي يتألف منها المنظور دورا هائلا في تفعيله. فالنظريات والمفاهيم العلمية حسب ما أورده هانسون في كتابه "أنماط الكشف العلمى" هي التى تحدد لنا ما هو مشاهد .بينما تحدد التصورات حسب ما أورده ثولمن في كتابه الموسوم"ألبصيرة والفهم" الكيفية التى نري بها العالم من حولنا

-مستقبل مسار الفكر العلمى المعاصر:

سيشهد مستقبل العلم قريبا عبر جهود منهجية ونقلات نوعية فكرية مبهرة وضع النقاط على الحروف بالنسبة لوظيفة بوزون هيجز وتحديد عمق المجال الكتلى للمادة التى عبرته عند النشأة الأولى للكون أبان الانفجار الكبير. ويعتقد العلماء أن التعمق مستقبلا فى دراسات بوزون هيجز سوف يحل لغز مبدأ عدم اليقين الكونى القابع عند جزء يعادل الاف المليارات من التريليونات من أجزاء الثانية الأولى بعد نشأة الكون . وتشهد الفيزياء جهودا بحثية باهرة لكسر مبدأ التناظر أوالتماثل الكلاسيكى الذى تفترضه فيزياء هذا العصر وتعتمد عليه فى تفسيراتها لنشأة الكون وظواهره العملاقة المرئية وغير المرئية كالمادة والطاقة الداكنتين والدقائق النووية للبنيات الذرية كالنيترونو والميون والتاو والعوائل الكواركية المتنوعة ومكوناتها الوترية والبوزونات والفرميونات والثقوب السوداء والجمهرة النجمية والتوسع الكونى وفنائه انتروبيا. ونتيجة للتجارب النووية المكثفة التى سوف تجرى بعد عام 2020للميلاد فى المعجل الفائق المتناهى الطاقة، سوف يحل بديلا لهذا المبدأ، مبدأ آخر ثورى التوجه هو مبدأ التناظر الفائق الذى لن يعد يربط البوزونات بالفرميونات كما هوالحال فى تطبيقات مبدأ التناظر الكلاسيكى الراهن وإنما سوف تربط الفرميونات بالفرميونات للولوج فى عالم جديد لفهم الطاقة والمادة واستثماراتهما. ولاشك أن العمل الفيزياوكيميوكونى البحثى الطلائعى الرائد يقف اليوم على أعتاب كيان علمى يشب عن الطوق زمكانيا خارج نطاق البحث الفيزيائى التقليدى الذى يمكن فى ضوء منجزاته التحكم فى المادة فى أصغر حدودها الأساسية زمنيا ضمن مقياس الفيمتوثانية" الذى يعادل جزء من ألف من مليون مليون جزء من الثانية" (1×10- 15) وحيز يقاس بالنانومتر" الذى يساوى جزء من الف مليون جزء من المتر" (1×10-9). وبموجب ذلك يكون بالإمكان رؤية نبضات الذرات من خلال الفيمتوثانية التى تعكس ماتمثلة الدقيقة الواحدة من عمر الكون من ناحية، و دراسة المادة على مستوى النانومتر وتمييز هياكل الذرات، وتشكيل أنواع جديدة من المادة من ناحية أخرى. وقد تساعد التجارب التى تجرى على المادة عند مستوى الفيمتوثانية العلماء من إكمال تفاعلات كيميائية ما كان من الممكن أن تستكمل خارج هذا المستوى الزمنى المتناهى فى الصغر. ولقد تطورت هذه الحقب الزمنية الدقيقة مؤخرا مجتازة الفيمتو ثانية الى الأتو ثانية ثم أخيرا الى الزبتوثانية التى تمكن العلماء من خلال التجارب والمحاكاة رصد استثارة الالكترون فى الهيليوم فى مدة تعادل جزءا واحدا من بليون تريليون جزءا من الثانية.


ولاشك أن البحث الفيزيائى المعاصر يعايش طفرات زمكانية فيزيو كيميوكونية نوعية هائلة فى مجال القفزات الكمومية والخندقة الكمية والإنتقال معلوماتيا للمادة والطاقة عن بعد وسفر البشر عبر الزمن عن طريق توظيف خاصية التشابك الملحوظة تجريبيا بين الدقائق النووية للبنى الذرية. وسوف تنجلى قريبا أزمة ثنائية الجسيم –الموجة للالكترون والفوتون التى تجلت دونما أدنى شك في العبور الالكترونى والفوتونى أثناء آلاف الفحوصات التى تمت باستخدام تجربة الثقبين أو بواسطة التجربة التى حركت فيها الإلكترونات فى مسارات انشطارية للطيف كريستاليا والتى تم فيها تحديد مدى تأثير حاضر واحد أومجموعة من الإلكترونات أوالفوتونات على ماضى آخر منها أو مجموعة أخرى مناظرة لها ذريا. وحسب نظرية ألاوتار الفائقة التى ربما يلوح فى الافقاستيفاء اشتراطاتها, سوف يتم النظر فى الدقائق النوووية ضمن مقاييس تقع بالتأكيد تحت طول ثابت بلانك الذى من المحتمل أن يعطي كونا ينعدم فيه المكان والزمان وتنتشر فيه الفقاعات الرغوية التى لاحصر لها والتي يعتقد أنها تمثل عالمنا المتعدد الابعاد الذي تسعى نظرية الاوتار الفائقة الى اكتشافه وترسيخ فهمنا له. ولاشك أن تأخر الوصول الى الصيغة النهائية لهذه النظرية قريبا سوف يضع منهجية الفكر العلمى المعاصر وخاصة علم الطبيعة وما يرتبط به من نظريات وقوانين وشروحات في أزمة معرفية لايمكن التكهن بمدي ضررها على الفكر التنظيرى لهذا العلم في المستقبل المنظور.


-الخاتمة

يتضح من هذا العرض السابق للتحولات المفاهيمية لمنهجية الفكر العلمى المعاصر فى التاريخ, أن مسارها مسار ديناميكي حركي غير ثابت. فإذا تغير منظور تلك المنهجية تتغير تبعا له الحقائق والفروض والنظريات والنظم والبرامج بل والسبل والطرائق العملية ونماذج إعمال العقل التفكيرية والفكرية على حد سواء. هذا يعنى أن العلم لايهب الباحثين حقائق تناسب كل الأزمان ولا الشروحات غير القابلة للتغيير والتبديل، وإنما يهبهم حقائق وقتية تأبى الجمود وتترقب المستقبل بحذر وتتحفز لاستقبال التغير المحتوم. فما يقدمه العلم أى علم وخاصة علم الطبيعة إذن ما هو إلاّ اجتهاد مرهون بحالة ذلك العلم وبمنظوره السائد وبالتحولات التى تفرضها ظروف التغير لأطره الفكرية في زمان ما. فما نعرفه اليوم عن هذا العلم لن يكون آخر ما ستعرفه البشرية عنه, ولن تكون رؤيتة اليوم لظواهر الحياة والطبيعة والكون هي الرؤية نفسها في المستقبل. وكذلك لن تكون البراهين التى صُدّقت بها نظرياته فى الماضى ربما صحيحة غدا وبخاصة بعد أن اقتنع مفكروا علم الطبيعة بضرورة تبديل براهينهم على صدق نظرية ما بمبدأ تكذيبهم لها كي تكسب النظرية حرية التطبيق التى حرمت منها أمدا طويلا بسبب قيود البراهين التى فرضها منظور الماضي لإثبات صدقها. وهكذا سمح مفكروا هذا العلم لعدد من النظريات بدخول ساحة العمل التي ما كان من الممكن لها أن تدخلها لولم يستبدل منظور البرهان المتبع لإثبات صدق النظريات بمنظور تكذيبها. ومن المؤكد أن منظور مبدأ تكذيب النظرية الذي أورده بوبر فى كتابه "منطق الكشف العلمى" فغيّر به وجه تاريخ الفكر والعمل التنظيرى البديع لن يكون أخر منظور أيضا لاعتماد صدق النظريات. ولهذا فإن النظريات التى عمل علماء الطبيعة على صياغتها ووضعوا لها أسس فلسفتها وتفانوا من اجلها سوف تطوى كطي السجل للكتب أمام ناظريهم حال ثبوت عجزها عن تفسيرالظواهر التى من أجلها صيغت. وسوف تستبدل صيغ هذه النظريات بما سواها من الصيغ الأنسب للتفسير والأصلح لمنظور ذلك الحين.هذا يعني أن البني الفكرية والتطبيقية لعلم الطبيعة ليست وقتية وغير مطلقة فحسب بل إنتقائية أيضا ونسبية بكل تأكيد.إضافة إلى أنها لا تعطي أكمل تمثيل لما يكون عليه الواقع المبحوث ناهيك عما يجب أن يكون عليه هذا الواقع. فلقد بلغ معدل التغير المستمر في علم الطبيعة درجة بحيث إذا ظنت البشرية أنها أتقنت فهم شئ منه اليوم يغدوا عاجلا أمرا يعفو عليه الزمن وتطويه صحائف المكان. ولهذا كان التاريخ دائما وسيظل كذلك مجموعة متصلة من الأحداث ذات المغزي الذي أصطلح البشرعلى تسميته ب "عالم اليوم". هذا العالم الذى يكون ماضيا ويكون حاضرا وسيكون مستقبلا سرعان مايصبح ماضيا مرة اخرى في دورة زمكانية تثقل كاهل حاملها بالذكريات التى تنفضها عنه رياح النسيان فتذروها خارج أفق إنتباه العقل الجمعى الذى ما فتئ يعبأ بها ويرعاها .





التصنيفات