معالم المدينة المنورة وأثرها في فهم السيرة

معالم المدينة المنورة وأثرها في فهم السيرة
معالم المدينة المنورة وأثرها في فهم السيرة

ملخص المحاضرة:
أسماء المدينة في القرآن:
ورد ذكر المدينة في القرآن باسم المدينة وباسم يثرب في عدد من الآيات، ولكن هناك أسماء أخرى أخذها العلماء من سياق بعض الآيات كقوله تعالى: ( والذين تبوؤا الدار والإيمان، يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة). فكان من أسمائها الدار ومنها الإيمان.
وكقوله تعالى: ( والذين هاجروا في سبيل الله لنبوئنهم في الدنيا حسنة)، فورد عن ابن عباس أن حسنة هي المدنية، وحسنها ظاهراً وباطناً.
ومن أسمائها المختارة، والله سبحانة يخلق ما يشاء ويختار.
وقد شرف المدينة بإضافتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وكونها دار هجرته وما شهدتها من أحداث عظيمة في سيرته صلى الله عليه وسلم، ثم أنها ضمت جسده الشريف صلى الله عليه وسلم.
والعلماء أجموا على أن أفضل بقاع الارض هي مكة والمدينة، وأن الموضوع الذي احاط جسد النبي صلى الله وسلم هو أفضلها. كما ذكر القاضي عياض في كتابه الشفاء.



المقصود بمعالم المدينة:
معالم المدينة يمكن ان تصنف المعالم كتالي معالم طبيعية ومعالم عمرانية. فالمعالم الطبيعية كالأودية والجبال والتي ارتبطت بأحداث من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كجبل احد وجبل سلع واودية كوادي العقيق ووادي بطحان.
والمعالم العمرانية كالمساجد و يمكن أن نقسمها الى ثلاثة اقسام:
1-مساجد نبوية وهي التي بنيت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهي باقية إلى الآن كالمسجد النبوي ومسجد قباء.
2-مساجد اثرية وهي التي صلى في مواضعها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بناها عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه اثناء ولايته على المدينة. حيث امره الخليفة الوليد بن عبدالملك بقوله: (لا يصح عندك مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبنيت فيه مسجدا) وكان ذلك وبعض الصحابة وأجلاء التابعين موجودين.
3-مساجد تاريخية وهي التي لا صلة لها بالسيرة وانما بنيت في عهود تاريخية مختلفة كمسجد العنبرية الذي بناءه السلطان عبدالحميد الثاني، ومسجد الكاتبية الذي بناه الشريف السنوسي في عام 1250هـ.
دلالة الموقع الجغرافي للمدينة :
كان اختيار المدينة المنورة لتكون مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم اختيار رباني، كما دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( أريت دار هجرتكم ارض ذات نخل بين لابتين ). وتظهر الحكمة الربانية في اختيارها وتهيئتها لذلك الحدث التاريخي في عدد من المظاهر المكانية:
1-الحماية الطبيعية: فالمدينة المنورة تقع بين عدد من الحرار، وأشهرها حرتين: هما حرة واقم وهي الحرة الشرفية، وحرة الوبرة. والحرار هي أراض وعرة ذات صخور وحجارة بركانية، يصعب على الخيول أن تجتازها، فكانت تشكل حماية طبيعية للمدينة.
٢- خصوبة الارض: والمدينة تجري فيها عدد من الاودية، ومن أشهرها وادي العقيق ووادي بطحان، وهي تجري من أعلى المدينة وهو جنوبها، إلى اسفلها في جهة الشمال، وقد ورد في القران الكريم ما يشير إلى هذا التشكيل الجغرافي. وذلك في قوله تعالى: ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)، حيث ذكر بعض أهل التفسير بأن الذين من فوقهم هم يهود بني قريضة ومنازلهم في جنوب المدينة.
وأشير إلى ذلك أيضاً في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: ( إن في تمر العالية لشفاء)، والعالية هو أعلى المدينة وما يعرف الان بالعوالي. كما جاء في السيرة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معركة بدر أرسل بشيرا لأهل العالية وبشيراً لأهل السافلة.
٣-وفرة المياه.

دلالة موقع مسجد قباء:
عندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، دخلها من طريق الضبي وهو شرق جبل عير، فنزل في قباء عند بني عمرو بن عوف من الأوس، على كلثوم ابن الهدم رضي الله عنه.
ذكر الإمام السهودي في كتابه وفاء الوفاء: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن أسعد بن زرارة، وهو من الخزرج، وكان قد اصاب من الأوس دماً في زمن في الجاهلية، فذهب إليه سعد بن خيثمة ليدعوه، جاء أسعد الى الرسول صلى الله عليه وسلم ودخل من خلال بيوت الاوس، ولم يكن قبل ذلك يستطيع احد من الخزرج أن يدخل ديار الاوس او العكس، وكان ذلك من حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على إطفاء نار الفتن التي كانت مشتعلة بين هذين الحيين من العرب.

دلالة مسجد الجمعة:
عندما انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من قباء يريد مكان مسجده صلى الله عليه وسلم، فعندما مر بديار بني سالم بن عوف قال له عتبان بن مالك: يا رسول الله أنك إذا تجاوزتنا إلى غيرنا من الأنصار لافتخر أبناؤهم على أبنائنا. فنزل عندهم، وكان ذلك وقت صلاة الجمعة، فصلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أول صلاة جمعة له.



دلالات موقع المسجد النبوي :
ثم وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجده، وقد كان اختيار مسجد النبي من عند الله، و دليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:( دعوها فإنها مأمورة ). ونجد أن المسجد يقع في منطقة وسط مساكن قبائل الأوس والخزرج، لتشكل تلك القبائل المحيطة به كدرع وحماية له.
ونستطيع أن نقف من خلال المساجد النبوية على التوزيع المكاني لمساكن قبائل الأوس والخزرج، حيث كان الأوس تمتد منازلهم من الشمال للجنوب، كبني عمرو بن عوف في قباء وبني ظفر وبني معاوية وبني عبد الأشهل.
والخزرج على أطراف حرة الوبرة، كبني سالم بن عوف عند مسجد الجمعة وبني سلمة عن مسجد القبلتين وغيرهم.
وقد اهتم العلماء بوضع علامات ودلالات نشاهدها واضحة في العمارة العثمانية للمسجد النبوي، مثل حد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وتوسعته حتى بيان ارتفاعه .

دلالة موقع بني سلمة :
استأذن بنو سلمة الرسول صلى الله عليه وسلم لينتقلوا قرب مسجده، حيث كان يحول بينهم وبين الصلاة في مسجده وادي بطحان اذا سال، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (دياركم تكتب اثاركم).
وقد علل العلماء لمنعه صلى الله عليه وسلم لهم من الانتقال عدة تعليلات، منها: ما يتعلق بالموقع الجغرافي، فحتى لا تنكشف المدينة من جهتهم إذا انتقلوا عنها، ومنهم من قال حتى لا تستأذن بقية القبائل مثلهم، فيختل التوزيع السكاني للمدينة. ومنهم من قال أن النهي لمقصد دعوي، فمنعه لهم من الانتقال كان في بداية الاسلام، حيث لم يسلم جميعهم، فيكون ببقائهم واختلاطهم بقرباتهم من المشركين من قومهم ترغيبا لهم في الإسلام.

دلالة موقع مسجد الدرع ( الشيخين ):
ومسجد الدرع نزل في مكانه الرسول اثناء ذهابه الى غزوة احد، وقد حدث في ذلك الموقع عدد من الاحداث:
-استعرض الرسول فيه الجيش ورد بعض صغار السن.
-ايضا رد كتيبة اليهود
-انسحب في ذلك الموضع عبدالله بن ابي في ثلاثمئة من المنافقين، وذلك بعد فشل خطتهم برد الرسول لكتيبة اليهود.
حيث كانت الخطة أن يدخلوا هم واليهود في المعركة، ثم ينقلبوا على المسلمون ويكونوا في صف المشركين.
-وفي ذلك الموقع حصلت حادثة اختلاف قبيلتين من الانصار كما أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله اركسهم بما كسبوا).
-وايضا ارادت قبيلتين من الانصار وهم بنو حارثة وبني سلمة، أن يرجعوا إلى المدينة لولا أن عصمهم الله، فقال الله تعالى عن ذلك: (اذ همت طائفتان منكم ان تفشلا والله وليهما).
-وورد أن محمد بن مسلمة رضي الله عنه ومعه خمسين من الصحابة كانو يدورن حول المكان بخيولهم ليثيروا الغبار، ليدخلوا الرعب في نفوس المشركين.
دلالة مسجد بني انيف:
ويقع المسجد في الجهة الغربية من مسجد قباء، وحدث أن الصحابي طلحة البراء مرض وهو منهم، وما اراد رضي الله عنه أن يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم بمرضه، خشية على النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود. ولكن الرسول عندما علم بمرضه زاره، وعندما حانت الصلاة صلى عندهم، فاتخذوا موضع صلاته صلى الله عليه وسلم مسجداً.
ويدل البعد المكاني على الفوائد التربوية من وفاء الرسول وعنايته بأصحابه.
فوائد متفرقه :
-صلى الصحابة الجمعة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان مع مصعب بن عمير وأسعر بن زرارة.
-للمدينة ثنيتن، جنوبية وشمالية، ومنهم من قال أنها سميت بالوداع، لأنهم كانوا يودعون عندها المسافر.
-ذكر ابن القيم أن نشيد طلع البدر علينا كان عند عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من تبوك عند ثنية الوداع الشمالية.
-بير حاء ازيلت عند توسعة الحرم، ووضع مكانها رخامة بلون آخر.
-لم ينقطع التأليف عن المدينة منذ أن بدأ عصر التدوين الى عصرنا الحالي.
-يعتبر الإمام السمهودي شيخ مؤرخي المدينة وكتابه وفاء الوفاء في أخبار دار المصطفى، مرجع رئيسي في أخبار المدينة.
-افرد الإمام السمهودي في كتابه فصلا للمساجد معلومة الجهة مجهولة العين
-يقول القاضي عياض عن المدينة: في طرقاتها مشى جبريل وفي أماكنها يتلى التنزيل.
-يقول الشيخ غالي الشنقيطي ان كان كل ما في في المسجد النبوي قد تغير ولكن بقي ذلك الفضاء الذي لامس جسد النبي صلى الله عليه وسلم.
-أن كتاب الفوائد المستطابة في معالم طابة للفيروز أبادي، قد نشر الشيخ حمد الجاسر اجزاء من هذا الكتاب في مجلة العرب (من تعليق الأستاذ منصور العمر).
-السيد جعفر برزنجي من علماء الشافعية ممن عاصر العمارة المجيدية، ألف كتاب نزهة الناظرين في تاريخ سيد المرسلين.
تعقيب الشيخ عبدالوهاب الطريري:
تعتبر المدينة النبوية هي الوعاء الجغرافي للحدث التاريخي الذي ارتبطت به حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته،
فكل مكان فيها يقول كان رسول الله صلى لله وسلم، وتتضوع هناك الأنفاس النبوية، وكان وراء اختيار النبي المدينة لطف الهي، فقبل أن يولد النبي صلى الله عليه وسلم ذهب جده هاشم الى الشام، وفي المدينة ولد له عبدالمطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون للنبي صلى الله عليه وسلم أخوال، وهناك قبل مولده صلى الله عليه وسلم مات والده عبدالله في المدينة وأخذته أمه آمنة ليزور اخواله في المدينة واظن انه اخذته ليزور قبر أبيه ثم من توطئات الله لنبيه ما حدث في حرب بعاث بين الاوس والخزرج، حيث قضت تلك الحرب على كثير من ساداتهم، وكما قالت عائشة رضي الله عنها بعمق فقهها (كان يوم بعاث يوم وطأه الله لنبيه).
ونجد حياته صلى الله عليه وسلم مبثوثة في نواحي المدينة، كمسجد بني سلمة وهو مسجد القبلتين ومسجد بني ظفر ومسجد بني حرام.
والذي يأتي المدينة أو مكة يأتي بعيون مشوقة، أن يرى أحداث الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك النواحي، وقد كان الصحابة يحبون ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم كحب أنس رضي الله عنه للددباء لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع أكلها، أفلا نحب مكاناً جلس فيه وصلى فيه صلوات الله وسلامه عليه.



واحة الشعر:
استمع الحضور لكثير من الأبيات الشعرية مما يتعلق بالمدينة، وكان هناك مشاركة لشاعرين وهما الشاعر محمد بن مصطفى البلخي وقصيدة للشاعر حيدر بن مصطفى البدراني.

نبذة عن سيرة المحاضر:
الاسم: عبد الله بن محمد كابر.
ولد ونشأ في المدينة المنورة من أسرة علمية، وهو حاصل على الإجازة في حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
المؤهلات العلمية:
بكالوريوس لغة عربية من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
الماجستير من قسم الأدب والبلاغة كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية بالمدينة بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وعنوان بحثه: الحنين إلى المدينة المنورة في الشعر السعودي المعاصر.
ويدرس الآن الدكتوراه في الجامعة نفسها.
 


الخبرات العملية :
انتقل للعمل بمركز بحوث ودراسات المدينة المنورة في سنة ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين هجرية، وتدرج في عدد من المناصب، وهو يعمل حالياً باحثاً علمياً ومديراً للعلاقات العامة بمركز بحوث ودراسات المدينة المنورة.

وهو عضو في العديد من اللجان ذات العلاقة بتاريخ المدينة المنورة والسيرة النبوية ومنها:
-اللجنة المكلفة من سمو أمير منطقة المدينة المنورة لإيجاد برنامج تعريفي للطلاب للمواقع التاريخية بالمدينة المنورة.
-لجنة توثيق المسار النبوي إلى خيبر، والمكلفة من كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لدراسات تاريخ المدينة.

وقد أشرف وقدم عدد من الدورات العلمية الميدانية المتخصصة عن تاريخ و معالم المدينة المنورة التاريخية، لجهات أكاديمية وعلمية بمنطقة المدينة المنورة.



التصنيفات