قراءات في شعر عمر بهاء الدين الأميري

قراءات في شعر عمر بهاء الدين الأميري
قراءات في شعر عمر بهاء الدين الأميري

كان ضيف ندوة الوفاء الخميسية بالرياض لهذا الأسبوع 5/3/1426هـ الأديب أحمد بهاء الدين الأميري ، وكان اللقاء بعنوان : ( قراءات في شعر عمر بهاء الدين الأميري ) إذ ألقى عدداً من قصائده والده رحمه الله ، وقد أدار اللقاء د. محمد الهوّاري ، وبداية جاء ترحيب الشيخ أحمد باجنيد صاحب الندوة بالحضور حارّاً ، فأثنى على الأديب أحمد عمر بهاء الدين الأميري المستشار الثقافي بوزارة التربية والتعليم لاستجابته للدعوة ،وشكر كذلك جمهور الحضور من مثقفين وأدباء .

 مع الله في نفحات الشّذا
جاء  هذا الملتقى بخلاف الملتقيات السابقة بندوة الوفاء إذ كان قطوفاً وارفة من النصّوص الشعرية المعبرة عن وجدان شاعرنا الأميري بكل آلامه وآماله ، ألقاها الأديب أحمد عمر بهاء الدين الأميري بصوت عذب نديّ ، ونفس ملتاعة حزينة ، فهو يشدو شعر أبيه بصدقٍ وشفافية ولعلّنا  نقف مع بعض القصائد المعبرة عن رقيّ الروح الإيمانية ، فمن ديوان ( مع الله ).
مع الله في نفحات الشّذا 
مع الله ملءَ ثغور الزَّهَرْ 
مع الله في الحقل حلو الجنى 
مع الله في الروّض داني الثّمْر 
*  * * 
مع الله سامع صوت الدَّبيب 
.. من النمّل أنىّ وأيّان مرّ 
مع الله والنّحل يحسو الرّحيق 
... ويحمي جناه بوخز الإبرْ 
مع الله في رفرفات الفراش 
تلامع في الشمس مثل الدرّرْ 
مع الله والطير تغدو خماصاً 
وتنعَمُ بالرزق منذ البُكرَ 
مع الله ينفخ من روحه 
على حمأ فيكون البشرْ 
مع الله فيما سيذرأ من 
نفوس ، وفيما مضى واندثرْ 
مع الله ما افترقت في الورس 
لغاهم وألوانهم والَصّوْر!
هذه القصيدة العذبة تحلق برؤية تأملية إيمانية في آفاق الكون والإنسان والحياة ، ولا غرابة في ذلك ، فالأميري الشاعر الرائد ، والأديب الكبير هو شاعر الإنسانية المؤمنة في زمن تنكر فيه دعاة الحضارة والعلم للقيم الإنسانية ، وللأخلاق الراقية.

 بين مكة والقدس
أمّا فلسطين الجريحة فهي الحضور الدائم في ذاكرة شاعرنا الكبير عمر بهاء الدين الأميري ، كيف لا ؟! كيف لا وقد خصّت أقدار الله مسجد القدس ، المسجد الأقصى المبارك بمقام متفرد في الدهر ، فمن أرض فلسطين ، ومن رحاب الأقصى بدأ انطلاق العروج الفذ حتى بلغ ما بلغ كما يقول الأميري ]ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى[ وكان لفلسطين في علم الله وحكمه – كما يضيف شاعرنا – حيزٌّ جليل ، وشأن عظيم ، فلا غرو إذا ارتبطت بها قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ... إنّ فيها قبلتنا الأولى ، وحرمن الثالث ، والمعجزة التي فرضت علينا من خلالها الصلاة ، ولأنها كانت ائتلاقه الوصل الأقدس بين الأرض والسماء ، شدا الأميري شاعر الروح لها بلوعة وحرقة :
أسرى ، وسبحان الذي أسرى به 
فذرى السّماء ينيرها الإلهام 
حدثٌ تفرّد في الوجود جلاله 
وجمالهُ .. وجداه ... والإنعامُ 
فلسطين يا آية الله في 
الوجود ، ويا روضةً من سناءُ 
مقام الخليل ، وعزّ المقامُ 
وجلّ الخليل ، أبو الأنبياءْ 
وحضنُ البتول ومحرابُها 
ومهدُ المسيح صفيّ السماءْ 
ومسرى رسول هدى العالمين 
ومعراجه الفذّ يعلو العلاءًْ 
ليحظى بأسمى وأغلى ذُرى 
وأسنى وأدنى وأرقى لقاءْ 
فلسطينُ يا عروةً بين مكةَ 
والقدسِ ، خالدة من مضاءْ 
وديناً على كُلَّ حر وفيّ 
يروّي ثراها بحر الدماء 
يجاهد في الله ، والنصر حقٌّ 
على الله يؤتيه جند الفداءْ

رياحين الجنة
وما أروع أنْ نقف مع شاعر الإنسانية المؤمنة حين يأخذه الشوق إلى رياحين الطفولة ، ولعل قصيدته العظيمة ( أب ) أجود ما قرأتُ في هذا الباب في صورها الحميمة القريبة ، وبساطة تراكيبها ولغتها الحانية ، وعاطفتها المتدفّقة ، إذْ تنزف مواجعها من خلال أسلوبها الاستفهاميّ المترع بالأسى والحنين معاً .
أين التدارس شابه اللّعبٌ أين الضجيجُ العذب والشغبُ 
أين الدمى في الأرض والكتبُ   أيـن الطفولـة في توقّدها 
أين التشاكي ماله سبب أين التشاكس دونما غرضٍ 
وقتٍ معاً ، والحزن والطربُ أين التباكي والتضاحك في 
شغفاً ، إذا أكلوا وإنْ شربوا   أين التسابق في مجاورتي 
والقرب منيّ حيثما انقلبوا يتزاحمون على مجالستي 
نحوي ، إذا رهبوا وإنْ رغبوا يتوجهون بشوق فطرتهم 
ووعيدهم " بابا " إذا غضبوا فنشيدهم " بابا" إذا فرحوا 
ونجيّهم " بابا " إذا اقتربوا وهتافهم " باب " إذا ابتعدوا
هكذا يعبرّ الأميري بإيقاع شعري شغيف ، ولغة سهلة مختارة ، وأسلوب سلسل عن تعلق أبنائه به ، وعن روابط صادقة سامية تجمعهم،أما حين يغادرونه ، فكأنّما نزعوا قلبه ، فيتقطّع باكياً .

لمّا تباكوا عندما ركبوا (دمعي الذي كتّمته جلداً 
من أضلعي قلباً بهم يحبُ حتّى إذا ساءوا وقد نزعوا 
فإذا به كالغيث ينسكبُ ألغيتني كالطفل عاطفةً 
يبكي ، ولو لمْ أبكِ فالعجب قد يعجبُ العذالُ من رجلٍ 
إني ، وبي عزم الرجال ، أبُ ) هيهاتُ ما كُلّ البكا خورٌ

 متى نكرم أدباءنا الرواد ؟!
وفي نهاية اللقاء مع د . أحمد البراء الأميري في قراءته الشعرية الدافئة ، وسياحته بين حدائق شعر والده عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله ، فتح المجال للحوار ، إذ كان الجمهور متعطشاً لمعرفة المزيد من سيرة هذا الشاعر الإسلامي المتميز في أدبه ، وقد شارك الكثيرون في محاورة الضيف منهم : د . حيدر عبد العزيز ، ود. عمر خلوف ، والشاعر فيصل الحجي، والأستاذأحمد عبد الرحمن ، ود . علي الحمود ، والأستاذ أيمن ذوالغنى،ود. صابر عبد الدايم ، ود. عز الدين موسى ، والأستاذ بدر المطوّع ، والأستاذ عبد العزيز العسكر ، والأستاذ أديب الإسماعيل ،وغيرهم . 
وكان من أهم الأسئلة : ما الرسائل التي كتبت عن هذا الشاعر الكبير ؟ وأين الدراسات النقدية الجادة في شعره ؟ ومتى نكرم أدباءنا الروّاد؟ وما أثر الأميري الأب في أدب الأميري الابن ؟! ثمّ ختم الحوار بقصيدتين متميزتين في رثاء الأميري للشاعر : حيدر الغدير وفيصل الحجي.

 

أحمد بهاء الدين الأميري

التصنيفات