قبائل الحجاز بين خدمة الحجيج وحيف المؤرخين

قبائل الحجاز بين خدمة الحجيج وحيف المؤرخين
قبائل الحجاز بين خدمة الحجيج وحيف المؤرخين
 قبائل الحجاز بين خدمة الحجيج وحيف المؤرخين:


الإعلامي الدكتور عايض بن بنيه الردادي يتحدث عن (قبائل الحجاز في خدمة الحجيج وحيف المؤرخين).

أقامت ندوة (الوفاء)الثقافية الأسبوعية لعميدها الشيخ أحمد باجنيد في الرياض محاضرة بعنوان: (قبائل الحجاز بين خدمة الحجيج وحيف المؤرخين) ألقاها الإعلامي الدكتور عايض الردادي وكيل وزارة الإعلام وعضو مجلس الشورى سابقاً وذلك مساء الأربعاء 13/1/1431هـ وأدار اللقاء الأستاذ المؤرخ فايز الحربي، وواكبه عدد من وسائل الإعلام، وحضره نخبة من المثقفين والإعلاميين والمفكرين، وأساتذة الجامعات، وحشد من رواد الندوة ومحبيها.
 بداية أثنى المحاضر الدكتور عايض الردادي على ندوة الوفاء وعميدها الشيخ أحمد باجنيد، كما أشار إلى دورها في الساحة الفكرية والثقافية، وقد استهل المحاضر المحاضرة بأن ما سيتم الحديث عنه يعود إلى عدم وجود دولة ــ سابقاً ــ تدير أمور الناس بأنظمة أو لسوء تطبيق الأنظمة أو لسوء من عينته الدولة في الوظيفة العامة، وأتبع ذلك بمقدمة عن حال من يكتب التاريخ زمن الأحداث بين تغابٍ أو بغي أو محاباة، وبين ذلك تموت الحقيقة التاريخية، فالتغابي يتجاهل أسباب الحوادث لأن ثمن الحقيقة غالٍ، والبغي قلب للحقائق خوفاً أو طمعاً، أما المحاباة فتصوير الأمور بغير حقائقها.
 وبعد زمن يأتي الباحث المحلل للأحداث بعد أن زالت أسباب التغابي والبغي والمحاباة ليستكشف ما وراء الأخبار وقد يصل إلى الحقيقة وقد لا يصل، وقد يكرر ما قاله السابقون، وقد يأتي باحث يحقق في الأسباب ويسبر غور الروايات ويستنطق الوثائق وأحوال المجتمع فيصل إلى الحقيقة أو شيء منها، وذلك هو دور الباحث الذي لم يشهد الأحداث وقد يصل إلى زيف رواية أو تزييفها بعد أن زال سبب الزييف أو زال مزيفها، ولكن على الباحث أن يلتزم الموضوعية في المعالجة وألا يقع في الحيف ضد الطرف الحائف سابقاً.

 وأبان أن المؤرخين يعنون بأركاب الحج قوافل حجاج الأقاليم وأشهرها ركب الحج الشامي وركب الحج المصري والركب العراقي وركب اليمن والركب المغربي وركب زوار مكة للمدينة وركب المدينة المنورة للحج، وأكثر الإشكالات تكون مع الركبين الشامي أو المصري بسبب ما تحمله من مرتبات وعوائد وما يحصل من منع أمراء الركبين تسليمها لأهلها في الحجاز.
 وعرَّف أن المراد بأمير الحج هو أمير قافلة الحج وأنها ولاية سياسية وعليه واجبات كثيرة من أهمها أن يسلك بالركب أسهل الطرق وأن يرتاد المياه وأن يؤمن الأمن للركب، وهناك وظائف كثيرة تحت إمرته منها نائبه وقضاة المحمل وشهوده وكاتب الديوان وناظر الخيل والجمال وخازن القوت والمشرف على السقائين ومسهل طريق الركب في المضايق وعريف الجمالة ومعرف القبائل وما عليها من أحمال وغيرها.
 وقد ذكر الجزيري في رحلته (الدرر الفرائد المنظمة) أنه كان يتولى إمرة الحج خيار الناس ثم صارت لأسافلهم ومن يسعون للحصول على المال وأن لأمير الحج عوائد من السلطان ومن الحجاز من رواتب وحبوب وجمال وأغنام حتى قال إبراهيم رفعت باشا في رحلته (مرآة الحرمين) بأن إمرة الحج كانت مورداً عظيماً من موارد الثروة لأميره وأنه كان له سلطان مطلق يأخذ من أموال الناس ما يشاء حقاً وباطلاً.
 وعرف المحاضرة ببعض المصطلحات التي كانت سائدة مثل الصرة وهي المرتبات والعوائد التي كانت ترسل لأهل الحرمين ومنها المرتبات السنوية للقبائل مقابل الحماية الأمنية، والعربان وهو لفظ يطلق على القبائل في حال

 
الاختلاف معها أما عند الاتفاق فيقال العرب أمَّا الرحالة الأوربيون فيطلقون عليهم لفظ البدو وأما مؤرخو الحجاز القدماء فيسمون كل قبيلة باسمها، وأما مؤرخو الوقت الحاضر فمنهم من يستخدم العربان أو الأعراب وقد يستخدمون القبائل المتمردة ومنهم من يستخدم القبائل العربية.
وذكر المحاضر أهم خدمات القبائل وهي:
1ــ الحماية الأمنية في طريق الحج وعلى ذلك كانت الدول تصرف لهم مرتبات سنوية منذ العهد العصر العباسي وإلى نهاية الدولة العثمانية، فإذا تعدّى متلصص على الركب لزم شيخ القبيلة إحضاره أو قيمة ما أخذه إن تعذر، وذكر الجزيري في رحلته أن ذلك قاعدة، وقد فصل إبراهيم رفعت باشا في رحلته صرف تلك الرواتب.
2ــ نقل الحجاج: حيث تعد القبائل الإبل لهذه المهمة قبل موسم الحج ويأخذون على ذلك أجرة على الراكب يذهب أكثر من نصفها ضرائب، ولا يصل أي معتدٍ لمن كان في كنفهم.
3ــ إطعام المشاة والمنقطعين من الركب وإيقاف الأوقاف على عابري السبيل، ومن ذلك توزيع التمور على موارد مياه الحجاج من برك وآبار، ومن أطرفها وجود وقف لإحدى المزارع في وادي الصفراء يباع ثمرها ويصنع بثمنه أحذية لحفاة الحجاج، وقد ذكر الجزيري (وهو من أهل القرن العاشر الهجري) أن شيوخ القبائل يكونون في مؤخرة الركب لإعانة الفقراء والوافدين من الحجاج المشاة بإركابهم وإطعامهم وسقايتهم، وقد وصف بوركهارت في رحلته مساعدة أهل وادي الصفراء لفقراء الحجاج وتقصير الخلفاء في إيجاد منشآت لراحة الحجاج، وأنه لا يوجد ما يبقي على حياة الحاج الفقير إلا ما يجود به هؤلاء(ص284).
4ــ حفر الآبار: لحاجة الحجاج والإبل التي تحملهم للمياه وبخاصة في الصيف ومن أهم الآبار التي حفرتها القبائل آبار ابن حصاني(صبحي من حرب) بئر ابن هرماس (من بني عطية) بئر رضوان ( في ديار بني عمرو من حرب) وبئر عباس الظاهري (من حرب) بئر قيضي (في وادي القاحة) وبئر مبيريك (جد أسرة آل مبيريك من حرب) بئر القاضي (في وادي الفرع) بئر الظعيني (في المندسة) وبئر درويش الصبحي (الفريش حالياً) وبئر الشريوفـي فـي وادي ملل (من الحوازم من حرب) وبئر عار(حفرها رجل صبحي) بئر عبيد الحازمي في وادي الصفراء وغيرها.
 وأشار المحاضر أنه إذا كان للمؤرخين القدماء ظروفهم التاريخية فإن الباحثين المعاصرين لا عذر لهم في تجاهل حقائق التاريخ لأن لديهم من وسائل البحث ومصادره وحرية التحقيق ما يمكنهم من تحقيق الأحداث تحقيقاً علمياً بالتدبر والتحليل والاعتماد على الوثائق التي تزخر بها مراكز البحوث، وأنه إذا كان لمن يكتبون من خارج بلادنا عذرهم بسبب جهلهم للتاريخ الاجتماعي فإنه لا عذر لمؤرخي الجزيرة العربية.
 وضرب المحاضرة أمثلة بما كتبه عبد القدوس الأنصاري في كتابه (أدبنا الحديث كيف نشأ وكيف تطور) وأنه حمّل أحداث الثورة العربية الكبرى للقبائل وتجاهل الأحداث الكبرى التي شهدها الحجاز في الحرب العالمية الأولى وأن استشهاده بقصيدة أحمد شوقي (ضجّ الحجاز) استشهاد خاطئ لأنها قبل ذلك التاريخ بوقت طويل ولا صلة لها بالقبائل.
 وضرب مثالاً آخر بما كتبته د. عواطف نواب في كتابها (كتب الرحلات في المغرب الأقصى مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين 11 و12 الهجريين) وتعليقها على ما أقرت به من وصف الرحالة المغاربة القبائل العربية بألفاظ نابية بأنهم "لم يتجنوا على أعراب الحجاز وفي الوقت نفسه لم يوفوهم حقهم من اللوم والتقريع والذم" وأنها لامت فؤاد عنقاوي في كتابه (مكة: الحج والطوافة) عندما عزا الأسباب لعوامل نفسية واجتماعية وضرورة حتمية وأنه بذلك يلتمس لهم العذر حيناً ويعفيهم حيناً، مع إقرارها بأن بعض القبائل يخدم الحجاج ويقدم لهم المعونة بعيداً عن الفساد وأن بعضهم كان يمتهن الكراء للحجاج من مكة إلى المدينة وينبع.

 وأورد مثالاً ثالثاً بما علق به محمد بن علي الأكوع في تحقيقه لكتاب (الإكليل) للهمداني وما ذكره الهمداني من أن المقتدر العباسي (ت320هـ) كان يدفع مالاً لقبيلة حرب لخفارة الطريق وأنه لا يسير أحد إلا في حمايتها، ولكن تعليق الأكوع يخالف نص الهمداني حين وصف قبيلتي حرب وهذيل بأن (دأبهم السلب والنهب) ولم يورد دليلاً على ذلك سوى رواية العوام له وهو صغير.
ونقل المحاضر ما كتبه الشيخ حمد الجاسر من أن الدولة العثمانية كانت تقرر مبالغ مالية للعشائر لحماية الحجاج المارين وأن أمراء الحج وبعض ذوي النفوذ كانوا يأخذون ذلك وهو ما يسبب المواجهة بين أمراء الحج والقبائل.
وقبله ذكر الجزيري في رحلته (1/258) أن القبائل لا يتعمدون حصول الفساد إلا عند قطع عوائدهم المرتبة لهم من الديوان السلطاني من قِبَل أمراء الحج الذين يوجهون لذلك ذرائع شتى إضافة إلى سوء المعاملة لأن أكثرهم أعاجم لا يعرفون طبائع العرب وأن بعض هؤلاء الأمراء يقتلون الضعاف والفقراء الذين يسيرون خلف الركب لتتبع الجمال الميتة والعاجزة ويقتلونهم بدعوى أنهم قطاع طرق، وأشار إلى أن إبراهيم رفعت باشا سعى سنة 1320هـ إلى إعادة العوائد للقبائل بعد قطعها 30 سنة وأنهم ضيفوه مقابل ذلك بالسماح عن عوائد السنين الثلاثين السابقة المتأخرة.
وعرج المحاضر على أهمية الوثائق الأهلية في تمحيص حوادث التاريخ وأن ما كان يقع بين القبائل وأمراء الحج سببه ماليّ وهو قطع العوائد المالية التي درجت الدول على صرفها مقابل حفظ القبائل لأمن الحج في الطريق
 

 
واستشهد بوثيقة محررة في 13/12/1077هـ تثبت قانون القبائل في التعامل مع قاطع الطريق إن كان منها، وخلاصتها براءتها من عمله ومن حمايته وأن جنايته على نفسه لمخالفته قوانين القبيلة لأن القبيلة كانت مسؤولة عن حماية كل فرد منها وفق العهود والمواثيق بينها إلا في أربعة أمور:
1ــ ضَاوِي الحُرْمة (المعتدي على عرض مرأة)
2ــ ضارب رجال الدولة.
3ــ المخالف في درب السلطان(قاطع طريق الحج).
4ــ ضارب ابن عمه مخطئاً عليه.
    وختم المحاضر بالتنبيه إلى أن تصدي بعض القبائل لأمراء الحج الذين يقطعون مرتباتهم لا يمكن إنكاره، وأن هذا التصدي ليس الأسلوب المناسب لاستعادة الحقوق لأن في ركب الحج أبرياء، ومع ذلك فإن المؤرخين القدماء ــ وأكثرهم من خارج البلادــ تجاهلوا الأسباب الحقيقية وحملوا القبائل وحدها الخطأ مع أن من أهم أسباب الخطأ هو سوء تعامل أمراء الحج ــ وجلهم أعاجم ــ مع القبائل ونهبهم لمرتبات القبائل، أما المؤرخون المعاصرون فأكثرهم سار على درب السابقين مكتفياً بالعزو إليهم لأنه لا يعرف التاريخ الاجتماعي وهو لا يزيد عن كونه ناقلاً لما قالوه أو أن في نفس بعضهم شيئاً على القبائل ووجد ضالته فيما نقله عن السابقين وأكثرهم من خارج الجزيرة العربية وقد يعتمدون على رواية فرد أو مغرض ويعممونها.
مداخلات وحوارات
أخيراً فتح المجال لدفة الحوار مع الدكتور عائض الردادي الذي أجاب على معظم الأسئلة، وقد بدأ المداخلات الدكتور مرزوق ابن تنباك فقال: إن من كتب التاريخ، وأعني تاريخ أهل هذه البلاد هم من غير أهلها، ولا يعرفون تقاليد قبائل الحجاز، وعلينا قراءة التاريخ قراءة جديدة صحيحة.
 وتحدث الأستاذ محمد السحيمي فقال: القبيلة ليست انتساباً إلى عرق، ولا تجد قبيلة من رجل واحد والانتساب للقبيلة غير الانتماء إليها، فلماذا نفقد ثقتنا بأنفسنا وننظر إلى أسلافنا بأنهم مجرد قطاع طرق؟! ونتجاهل الأسباب الحقيقة فمن ألفوا يجهلون التاريخ الاجتماعي ويكررون ما قاله من كتب سابقاً وهو يجهله ولو كتب التاريخ العارفون لظهرت الحقائق.
وذكر الأستاذ الدكتور عز الدين موسى أن القبائل تتغير أنسابها من عصر إلى  آخر ومن منطقة إلى أخرى، ونحن مطالبون بمعرفة الجد الخامس دون ما فوقه. أما العرب والأعراب فالمصطلح يختلف من منطقة إلى أخرى ففي السودان يعنون بالعرب البدو، والحقيقة أن التحامل على تاريخنا خطأ، والأكثر خطأ تزيين وتزييف التاريخ.
وتحدث الأستاذ فايز الحربي فقال: يقال إن التاريخ يكتبه المنتصر، والصحيح أنه يكتبه المنتصر والمنهزم، والأصح أن التاريخ يكتبه المتعلم وكثير من حوادث التاريخ كتبت من طرف واحد.

 

 
روضة القوافي
وفي الختام أصغينا لقصائد عذبة بدأها الشاعر الدكتور حيدر البدراني بقصيدة (أشواق حجازية) وقد مدح فيها الشيخ أحمد باجنيد، كما عبر عن حبه وشوقه للحرمين الشريفين بأسلوب عذب، أما الشاعر حسين محمد باجنيد فتألق في قصيدة بعنوان: (حوار مع الغرب عن الإرهاب) وشدا الشاعر جبران سحاري قصيدة عن (بدر) وشارك فضيلة الشيخ محمد بافضل بكلمة أثنى فيها على المحاضر ومحاضرته ودعا إلى تقوى الله دائما.

التصنيفات