فلسطين تستقبل المتنبي

فلسطين تستقبل المتنبي
فلسطين تستقبل المتنبي
بسم الله الرحمن الرحيم
في ندوة (الوفاء) الثقافية :
فلسطين تستقبل المتنبي للناقد الدكتور محمود إسماعيل عمّار.
الرياض : محمد شلال الحناحنة
أقامت ندوة (الوفاء) الثقافية في الرياض ضمن لقاءاتها الأسبوعية محاضرة بعنوان : (فلسطين تستقبل المتنبي) ألقاها الناقد الدكتور محمود إسماعيل عمار وذلك مساء الأربعاء 21/6/1437هـ، وقد أدار اللقاء الأستاذ / محمد بن سالم جابر وحضرها ثلة من الأدباء والمفكرين والإعلاميين ورواد الندوة وجمهورها.

وقفات مع حياة المتنبي

حمد الله ـ سبحانه وتعالى ـ وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبدأ محاضرنا الناقد الدكتور محمود إسماعيل عمار حديثه عن فلسطين في استقبالها للمتنبي، ثم شكر عميد الندوة الشيخ / أحمد با جنيد، وأضاف بالحب أرحب بكم، والحياة تقوم على الحب، أما حياة المتنبي فيمكن تقسيمها إلى خمس مراحل هي :
1-الطفولة.
2-ما بين الطفولة وسيف الدولة.
3-مرحلة سيف الدولة.
4-سيف الدولة وكافور الأخشيدي.
5-مقتله ووفاته.
لقد ولد شاعرنا الكبير المتنبي عام 303هـ في الكوفة، وتعلم فيها، وحين دخل القرامطة هذه المدينة كان المتنبي في السابعة عشر من عمره، فيمم إلى بغداد، ولم تكن هدفاً لأنها لم تستطع أن تستقطب المتنبي، ولم يجد فيها راحته، وقد وجد الخلفاء ضعفاء يسيرهم العبيد والعجم من الترك، والنساء، فانطلق إلى بلاد الشام وهي :
أ / الشمالية ( جزيرة ما بين النهرين "دجلة والفرات").
ب/ بلاد الشام الوسطى (اللاذقية ودمشق).
ج/ الجنوبية فهي فلسطين.



انطلق شاعرنا المتنبي إلى الجزيرة ثم حلب، ومنبج، والرقة، ونظم أولى قصائده تقريباً، إذ مدح رجلاً يدعى أبا المنتصر شجاع الأسد فقال فيه :

أرق علـــى أرق ومثلي يــــــأرق وجوى يزيد وعبرة تترقــــــــــــرق
جهد الصبابة أن يكون كمــا أرى عين مسهدة وقلب يخفـــــــــــــــــق
ما لاح برق أو ترنم طـــــــــــائر إلا انثنيت ولي فؤاد شـــــــــــــــيق
جربت من نار الهوى ما تنطفــي نار الغضا وتكل عما يحــــــــــــرق
وعذلت أهل العشق حتى ذقــــته فعجبت كيف يموت من لا يعشق

ومر بعد ذلك بطرابلس وحمص وفيها قبيلة بني تنوخ، وذهب إلى (طبريا) في فلسطين، ولأول مرة يرى المتنبي بحيرة طبرية وكانت زاخرة بالمياه، ووصف هذه البحيرة ومدح علي بن إسحق التنوخي إذ أنشد واصفاً :

لو لاك لم أترك البحــــــيرة والغـــــــور دفء وماؤها شبم
والموج مثل الفحول مزبدة تهدر فيهــــا وما بهـــــــا قطـم
والطير فوق الحباب تحسبها فرسان يلق تخونها اللجـــــم
كأنها والرياح تضربهــــــــــا جيش وغى هازم ومنهـــــــزم
كأنها في نهــــــــــارها قمــــر حق به من جنانها ظلــــــــــم
تغنت الطيـــــــر في جوانبــــه وجادت الأرض حولها الديم




وفي هذه الفترة عاد من البحيرة بنفسية جديدة، وكان يؤلمه كثيراً أن الجنس العربي الذي أسس الدولة العباسية ليس له موضع، وأن من يتسلط على الدولة ويحكمها هم الأعاجم، وكان في شعره التمرد والثورة وقد ادعى عليه (النبوة) رجل يهودي، ورجع مرة ثانية إلى الجنوب ليمدح بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي فيقول :

أمن ازديارك في الدجى الرقــباء إذ حيث كنت من الظلام ضياء.
قلق المليحة وهي مسك هتكـهـــا ومسيرها في الليل وهي ذكـــــاء
أسفي على أسفي الذي دلهتنــي عن علمه فيه علي خفــــــــــــــــــاء
وشكيتي فقد السقام لأنـــــــــــــه قد كان لما كان لي أعضـــــــــــــــاء
مثلت عينك في حشاي جراحــــة فتشابها كلتاهما نجـــــــــــــــــــــــلاء
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقت فإنني الجــــــــــــــوزاء
وإذا خفيت على الغبى فعــــــــاذر أن لا تراني مقلة عمـــــــــــــــــــياء
بيني وبين أبي علــي مثلــــــــــــه شم الجبال ومثله شم الرجــــــــــاء
وعقاب لبنان وكيف بقطعهــــــــا وهو الشتاء وصيفهن شـــــــــــــتاء

وهنا يصف الطريق ما بين فلسطين ولبنان بأبيات معبرة ناطقة .
ويعود لمدح بدر بن عمار الأسدي هذا الأمير العربي فيشدو :

أحلماً ترى أم زماناً جديداً أم الخلق في شخص حي أعيدا
تجلى لنا فأضــــــــــــــــأنا به كأننا نجوم لقين سعــــــــــــــــــودا
رأينا ببدر وآبائــــــــــــــــــــه لبدر ولوداً وبدراً ولــــــــــــــــــيداً
أمير أمير عليه النـــــــــــدى جواد بخيل بأن لا يجــــــــــــودا



وكان بدر بن عمار في رحلة برية فهجم عليه أسد ، فيمدحه بصفات عظيمة، معبرة عن شجاعته وقدرته في مصارعة الأسد، فنصغي له في هذه الأبيات :
أمعفر الليث الهزبر بسوطــــــــه لمن ادخرت الصارم المصقـولا
وقعت على الأردن منه بلـــــية نضدت بها هام الرفاق تلـــــولا
ورد إذا ورد البحيرة شاربــــــاً ورد الفرات زئيره والنيــــــــــلا
متخضب بدم الفوارس لا بس في غيله من لبدتيه غيــــــــــــلا
ما قوبلت عيناه إلا ظنتــــــــــا تحت الدجى نار الفريق حلولا
في وحدة الرهبان إلا إنـــــــه لا يعرف التحريم والتحلـــــــيلا
يطأ الثرى مترفقاً من تيهـــــــه فكأنه آس يجس علــــــــــــــيلاً
وقد أنشد في بدر بن عمار أكثر من خمس عشرة قصيدة، ولكن ساءت أخيراً العلاقة بينه وبين هذا الأمير، ولجأ أخيراً بعد تنقله في عدة مناطق إلى الرملة في فلسطين، والتقى بأميرها، وعاد بعد ذلك إلى سيف الدولة ليقيم عنده تسع سنوات ثم غادره إلى القاهرة، وعاد منها عن طريق سيناء ثم غادر إلى العراق في نهاية تطوافه.



أنداء الحوار

أثارت المحاضرة الكثير من المداخلات والحوارات والأسئلة التي أجاب عنها الناقد الدكتور محمود إسماعيل عمار وبدأها الشاعر حيدر البدراني الذي أشار أن المحاضر تحدث عن شاعرية المتنبي الفذة، وهو شاعر يحلق بأجنحة خلاقة، مما أذكى حسد الحساد، فالحسد له دور كبير في حياة المتنبي وشعره، ولديه قدرة كبيرة على الحكمة مع غزارة المعاني وفخامة الألفاظ.
وقد غلب على شاعرنا المتنبي المدح، أما بلاد الشام فهي عالم آخر في جمال طبيعتها وعمق تراثها وثقافتها.
وشكر الأستاذ عبد الله علي حسن الشيخ عميد الندوة، وعميد الأسرة الشيخ أحمد باجنيد على ندوته المميزة في موضوعاتها وطرحها سائلاً الله أن يشفيه ويحفظه، كما شكر الناقد الكبير محمود إسماعيل عمار على محاضرته، إذ لامس القلوب في تعبيره ووقفاته عند شعر المتنبي، ثم أضاف : يكفي أن ندوة (الوفاء) ترقى بالنفوس وتهذب العقول. وقال الأستاذ إبراهيم التركي لقد وفق الدكتور محمود عمار بهذه المحاضرة، وحين نجد فخر المتنبي بنفسه وشعوره بالعظمة، فلا نستغرب أن يدعي النبوة ثم شدا قصيدة مفتخراً بصمود غزة الأبية في الحرب الأخيرة التي شنها اليهود فلم يستطيعوا كسر شوكة المقاومة الفلسطينية التي هزمت (الجيش الذي لا يقهر) على حد زعم اليهود !!.
وتحدث الأديب شمس الدين درمش فقال : الدكتور محمود عمار رجل ذواق للأدب والشعر، وقد أقمنا له في رابطة الأدب الإسلامية العالمية أكثر من أمسية، أما سؤالي فهو: أليس للمتنبي إشارات للقدس والخليل وبقية مدن فلسطين ؟!
أما الأستاذ وليد أبو زيد فقال : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا) والشاهد سحر البيان، فالشعر كان يعبر قديماً عن حال الأمة، وهو لسانها الناطق عن أوضاعها... والسؤال : لماذا لم يعد للشعر اليوم القدرة للتعبير عن حال الأمة ومواجعها؟!




وفي الختام تحدث الشيخ " محمد با فضل ، وتلا الآيات الأخيرة من سورة الشعراء التي تكشف انحرافات الكثيرين منهم، وتزكي أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات وانتصروا للحق، ودافعوا عن الأمة، ثم دعا للحضور وللمملكة حكاماً ومحكومين، وللأمة الإسلامية قاطبة.!

التصنيفات

ذات صلة

أضف تعليق