فقه الخلاف

فقه الخلاف
فقه الخلاف

فقه الخلاف

الدكتور/ عوض القرني

19/7/1423هـ

 

- أخطر التحديات التي تواجه الأمةالخلاف والتمزق داخل الصف الإسلامي الواحد.

- لا بد أن تعرف الأقوال علىحقيقتها ، لأنه قد ينصب الخلاف وهماً لا حقيقة.

- من أسباب الخلاف المذموم :الغروروالهوى والانتصار للنفس.

- هناك من المخالفين من يظنًأن من برّز واشتهر في عمل من أعمال الإسلام ينبغي أن يصدّر في جميع الأمور.

- إحسان الظن بالمخالفين والابتعادعن الأحكام المسبقة الجاهزة.

 

الجسد الواحد

 بدأ الشيخ عوض حديثه ببيان أهمية الموضوع ، فذكرأن سبب ضعفنا هو تفرقنا وعدم وحدتنا على منهج الله ،وهناك كثير من التحديات التي تواجهالامة ، وأخطر هذه التحديات الخلاف والتمزق داخل الصف الإسلامي الواحد، ناهيك عن خلافالأمة عامة، ويأتي بعد ذلك التحدي الخارجي. وما يهمنا في هذا الموضوع ، هو إدراكنالجوانب من فقه الخلاف بين المسلمين أنفسهم حتى تعيش الأمة أحاسيس الجسد الواحد كماشبهها بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم .وقد سمانا الله أمة، وأخوة ، قال تعالى: (إنماالمؤمنون أخوة), أرشدنا أن نظل كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ً ولم ينكر الإسلامفطرة البشر في الخلاف ولكن جاء لتوجيهها وضبطها بما ينفع الأمة ، ولا شك أن هناك أموراًقطعية لا تختلف الأمة عليها وهي ما يسمى بلغة عصرية الثوابت. وأما الأمور الظنية ففيهاسعة فإذا أصاب المسلم فله أجران وإن أخطأ فله أجر.

المنهج العلمي في الخلاف

 نجد بعضنا للأسف يبحث عن نقاط الخلاف ، والأصل الجدوالمثابرة في إبراز نقاط الاتفاق والاتحاد والتعاون على البر والتقوى ونصرة الاسلاموالمسلمين ، وحتى لا نصنع الخلاف علينا اتباع المنهج العلمي في التعامل مع قضيا الاختلافوأبرز معالم هذا المنهج ما يلي: - أن تعرف الأقوال على حقيقتها ، لأنه قد ينصب الخلافوهماً لا حقيقة، فتتفرق الأمة ويتمزق الشمل، فعلينا أن نرجع إلى صاحب القول فإن تعذرفغلى تلاميذه، وأن نتحرى بكل صدق وحسن ظن، لأننا قد نجد أن ما نقل وقيل غير صحيح، وغيرثابت، وهذه شهادة أمام الله، وقد تتعلق بمصير أمة، فلا بد من التثبت في ذلك. - استعراضأدلة كل قول لنتبين الصواب من الخطأ، والادلة لها مراتب كثيرة، ولا بد من دليل جليمقنع لنأخذ به. - البحث في أقوال أهل العلم ، فقد تكون الشواهد متعددة، وينبغي أن تناقشالأدلة. - أن ندرك أسباب الخلاف إدراكاً صحيحاً ، وأثره على حياة الأمة وتقدّمها ووحدتها، فقد يكون خلافاً هامشياً لا قيمة له في حياتنا وواقعنا وقضايانا ، فلماذا الانشغالبه في هذه الحالة.

الخلاف فطرة بشرية

 إن تباين المواقف واختلافها ليس أمراً خارج الطبيعةالبشريًة ، فقد تباين رأيا موسى وهارون عليهما السلام في بني إسرائيل في تيههم ، وتباينرأيا داود وسليمان عليهما السلام في مسألة الحرث ، وأثنى القران الكريم عليهم في آياتكثيرة ووصفهم بالعلم والحكمة ، والصلاح والدين ، كما أختلف الصحابة رضوان الله عليهمفي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد مماته ، وقد زكاهم الله من فوق سبع سماواتورضي عنهم ورضوا عنه ، ولم يكن هذا الخلاف إلا إثراء للمواقف والأفكار ، وانطلاق العقولالنيرة للاجتهاد والحوار الهادف، والوصول للرؤى الصائبة. أما الخلاف الذي يقود إلىالتمزق والتعصّب والضعف والانشقاق في صفوف المسلمين كما يحدث اليوم فهو خلاف مذموم، وصاحبه يأثم على قدر فعله وتأثير ذلك على إضعاف الأمة. والمواقف كثيرة في أدب الخلافلدى السلف لا يتسع المقام لبسطها ، فقد تمنى بعضهم ودعا الله لمخالفه أن يظهر الحقعلى لسانه. وهذا علي بن أبي طالب يتحدث عن مخالفيه بمنتهى الانصاف والأدب فيقول: همإخواننا بغوا علينا. أما خير البشر صلى الله عليه وسلم فكان عادلاً منصفاً حتى مع أعدائهفي مواقف كثيرة ، ففي غزوة بدر قال: إن يكن في القوم خير ففي صاحب الجمل الأورق ، فلمنظلم إخواننا ونهضم حقوقهم حين نختلف معهم ؟!

الخلاف المذموم

 هناك أسباب كثيرة للخلاف المذموم ومنها :

- الغرور والهوى والانتصار للنفس ، وهذايؤول إلى الخسران ، لأن طلب العلم عبادة وأولّ شروط قبولها الإخلاص لله . - الحرص علىالزعامة والجاه والمراتب العليا . - سوء الظن بالآخرين والاستهانة بآرائهم وأفكارهم. - التعصب الأعمى للحزب أو الطائفة أو الشيخ أو المذهب أو الإقليمية ، فيعادى كلّمن يخالف في هذا الأمر.

 - الجهل ، فهناك من المخالفين من يظنً أن من برّزواشتهر في عمل من أعمال الإسلام ينبغي أن يصدّر في جميع الأمور ، فيؤخذ بفتواه ، ويتعصبلرأيه ، ويعادى الآخرون لأجله ، وهذا جهل ما بعده جهل .

 - عدم التثبت في الأقوال والروايات في أعظم الرجلوالعلماء ، وتصديق الشائعات ونشرها ، وقد تتخذ القرارات وينشأ الخلاف في شيء لم يحدث، ولم يقله هذا العالم .

 - دسائس حزب الشيطان من الكفار والمنافقين وأعوانهمفنجد أن من أسباب قمع بعض الحركات الإسلامية والتنكيل بها ، إعلام كاذب محرّض مزوّر، بل قد يحدث الخلاف بين أفراد الحركة أنفسهم من خلال الدسائس والتزوير والمؤامرات.

 

الخلاف المشروع

لم ينشأ الخلاف إذن؟ وهل هناك خلاف مشروع؟لعل الخلاف يكون مشروعاً لا ضرر فيه إن كان في الأمور الظنيَة وليست القطعية ، ولميصل إلى الصراع أو التمزق أو القطيعة بين المسلمين ، وقد ينشأ لأسباب كثيرة من أهمها:

- تفاوت العقول في خصائصها وفهمها وتحليلهاللأمور .

 - طبيعة اللغة العربية وما فيها من مطلق وعام وخاصومقيّد وحقيقة ومجاز .

 - الاختلاف في حجيّة بعض الأدلة مثل قول الصحابيوالاستحسان أو الاختلاف في بعض صور القياس .

 - الاختلاف في قواعد الاجتهاد .

 - الاختلاف في ثبوت بعض السنّة .

- الاختلاف في فهم بعض النصوص وتفسيرهاومرامي تراكيبها ودلالتها .

 - الاختلاف في إنزال الأحكام على النوازل والوقائعالجديدة .

 - الاختلاف في تقدير المنافع والمفاسد .

كيف نلتقي أخوة متحابين ونهوّن الخلاف ؟!

 ما أحوجنا اليوم أن نهون خلافاتنا في ظل ّ ما يحدثللأمة من تمزق وضعف وهجمة شرسة من أعدائنا ، ولم يكن ذلك ليكون لو رجعنا إلى الله إخوةمتحابين صفاً واحداً ، وأعظم ما ينبغي أن نحرص عليه لنكون خير أمة أخرجت للناس ما يأتي:

- الإخلاص لله في جميع أعمالنا لننال خيرالدنيا والآخرة .

- التسليم بمرجعية واحدة ، وهي مرجعية الكتابوالسنة في اتفاقنا واختلافنا من خلال الأدلة القاطعة الثابتة .

- إحسان الظن بالمخالفين والابتعاد عن الأحكامالمسبقة الجاهزة .

- الحوار بالتي هي أحسن مع إخواننا ، فالرفقيزين الأفكار والأقوال .

- أخذ الأقوال والآراء بشمولية جامعة ،وجمع النصوص الشرعية كلها في المسألة الواحدة .

- التفريق بين القطعي والظني ، والانطلاقمن الأصول والثوابت دائماً .

- اعتبار المآل والمقاصد والنظر فيها بدقةوعناية ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يستوي من أراد الحق فأخطأ ومنأراد الباطل فأصاب .

- مراعاة عوارض الجهل والإكراه والتأويلفي إصدار أحكامنا على من يخالفنا.

وبعد حديث الشيخ ، دار حوار زاخر من الحضور، أجاب فيه الشيخ الدكتور عوض القرني إجابات شافية زادت محاضرته ثراءً.

التصنيفات