علامات في المشهد الأدبي الجزائري الحديث

علامات في المشهد الأدبي الجزائري الحديث
علامات في المشهد الأدبي الجزائري الحديث
 المشهد الثقافي في الجزائر:

 تقديم الدكتور : عبد الحميد عمر هيمة 
الأستاذ المشارك بقسم الأدب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
 
 أقامت ندوة (الوفاء) في الرياض لعميدها الشيخ أحمد باجنيد محاضرتها الأسبوعية ، وكانت بعنوان ( علامات في المشهد الأدبي الجزائري الحديث ) للدكتور: عبد الحميد هيمة  الأستاذ المشارك في جامعة الإمام، وقد أدار الندوة الدكتور عبدالله العريني، وحضرها جمهور من الأدباء والمثقفين
في البداية تقدم الأستاذ المحاضر بالشكر لراعي الندوة سعادة الأخ الكريم أحمد باجنيد الذي فتح بيته لكل المثقفين، "ومن غير الأستاذ الجليل( أحمد باجنيد ) يستطيع أن يجمع العالم في دار ويدّخر كنزا ثمينا تحت جدار" كما قال الدكتور عبد الحميد ، وبعد ذلك أشار الأستاذ المحاضر للمكانة الخاصة التي تحظى بها المملكة العربية السعودية في مشارق الأرض ومغاربها لأن فيها بيت الله الحرام الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين في كل مكان، وتشد إليه الرحال للقيام بفريضة الحج، وفي الوقت نفسه لتمتين أواصر الرحم، وتجديد الصلات التاريخية والثقافية والوجدانية بهذا المكان الذي لا يشبه باقي الأمكنة ، ثم ذكّر الدكتور عبد الحميد هيمة بالتواصل و التفاعل الثقافي بين الجزائر والمملكة والذي يحسب بالقرون لا بالشهور لأن السعودية – في حس الجزائريين – تمثل عمقها العربي والإسلامي ويكفي أن نشير هنا إلى أن فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والتي كانت وراء النهضة الجزائرية نبعت من السعودية في اللقاء الذي جمع الشيخ عبد الحميد بن باديس بالشيخ البشير الإبراهيمي في موسم الحج كما أن الكثير من الجزائريين رحلوا إلى السعودية للدراسة هناك في مكة والمدينة وبعضهم أسهم في الحركة الثقافية هناك مثل البشير الإبراهيمي وأحمد رضا حوحو والطيب العقبي ...وغيرهم .
 


انتقل المحاضر بعد ذلك إلى الحديث عن بعض ملامح المشهد الأدبي الجزائري وقد قسم حديثه ثلاثة أقسام 
- تحدث في القسم الأول عن مرحلة الاحتلال الفرنسي التي دامت مائة وثلاثين عاما، وكان لها أثرها الخطير على الثقافة واللغة العربية، فقد سعى الاحتلال للقضاء على كل مقومات الثقافة الوطنية معتمدا على سياسة قوامها ( التفقير، والتجهيل، والتنصير، والفرنسة ). وكانت النتيجة انتشار الجهل والأمية، وتدمير الحياة الثقافية والأدبية التي كانت مزدهرة قبل الاحتلال . ولكن بعد الحرب العالمية الأولى بدأت بوادر نهضة ثقافية شاملة خاصة بفضل جهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تأسست في 5ماي 1931م ، عقب الاحتفالات التي أقامتها فرنسا بمناسبة مرور   قرن على احتلالها للجزائر، وما رافق هذه الاحتفالات من افتخار المعمرين بالقضاء على الشخصية العربية الإسلامية في الجزائر.
وقد أدت جهود جمعية العلماء إلى ظهور حركة أدبية نشيطة واكبت مختلف الأحداث التي مرت بها الجزائر وحققت العلاقة الجدلية القائمة بين الأدب والواقع، وقد برزت في هذه المرحلة ثلاثة اتجاهات رئيسة هي :
1- الاتجاه الإصلاحي المحافظ : مثله على الخصوص الشاعر محمد العيد آل خليفة 
2- الاتجاه الوجداني : ومثله عدد من الشعراء منهم : رمضان حمود، ومبارك جلواح، والشهيدان عبد الكريم العقون والربيع بوشامة .
3- الاتجاه الثوري : ومثله على الخصوص شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا صاحب ديوان اللهب المقدس، وإلياذة الجزائر
وقد أسهم النثر من خطابة، ومقالة، ومسرحية، وقصة، ورواية، إلى جاني الشعر في معركة التحرير، ويمكن الإشارة هنا إلى علماء الجمعية الأفذاذ مثل ابن باديس، والبشير الإبراهيمي، وأبو اليقضان رائد الصحافة الجزائرية ، وأحمد رضا حوحو، و الفوضيل الورثلاني بالإضافة إلى عدد من الأدباء الذين كانوا يكتبون بالغة الفرنسية منهم شهيد اللغة العربية مالك حداد (1927-1978) ابن مدينة قسنطينة والذي أقسم بعد الاستقلال ألا يكتب بلغة ليست لغته.. فاغتالته الصفحة البيضاء، ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية، وأول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها ، وقد اشتهر بمقولته " الفرنسية منفاي " .


- وفي القسم الثاني من المحاضرة تحدث الدكتور عبد الحميد هيمة عن مرحلة الاستقلال (1962) حيث بدأت بوادر حركة أدبية وليدة الاستقلال خاصة في السبعينيات حيث أخذ الجيل الجديد الذي نما وعيه في ظل الاستقلال يخطوا خطواته الأولى، ثم سرعان ما أحدث ثورة هائلة بسبب، التحولات، والانجازات التي حققتها الجزائر في الميادين السياسية والاجتماعية، والاقتصادية .
فإذا كانت ثورة التحرير الكبرى قد فجرت كوامن الإبداع لدى شعراء الثورة، فقد فجرت حركة التغييرات الجذرية في المجتمع الجزائري في السبعينيات- من تأميم للمحروقات، وديمقراطية التعليم، والعلاج المجاني، وإنجاز القرى الاشتراكية...وغيرها- علاقات جديدة، وكان لابد لهذه التحولات أن تحدث أثرها في الحياة الأدبية، وأن تفجر شيئا جديدا يساير هذه التغيرات، ويتطور معها. وقد تجلى ذلك في ظهور حركة أدبية جديدة أخذت تحل محل الركود، وظهرت فئة من الأدباء الشباب الذين راحوا يفرضون أنفسهم في الأوساط الأدبية في الداخل والخارج، وعلى صفحات الجرائد والمجلات ويمكن تقسيمها إلى ثلاثة اتجاهات وهي : 
  ( أولا ) اتجاه يكتب الشعر العمودي والحر، ويزاوج بينهما ويحاول التجديد في إطار القصيدة العربية القديمة، ويمثل هذا الاتجاه على الخصوص " مصطفى محمد الغماري ، عبد الله حمادي، محمد ناصر، جمال الطاهري، محمد بن رقطان .. وغيرهم.
( ثانيا ) اتجاه مال إلى الشعر الحر، وأعلن التمرد والقطيعة بينه والشعر العمودي، ويمثل هذا الاتجاه : أحمد حمدي، عبد العالي رزاقي، أزراج عمر  حمري بحري، محمد زتيلي، سليمان جوادي، أحلام مستغانمي .. وغيرهم  .
(ثالثا ) تيار الشعر المنثور أو ما يسمى بـ " قصيدة النثر" وتمثله كتابات عبد الحميد بن هدوقة في "أرواح شاغرة "، وكتابات جروة علاوة وهبي، وإدريس بوذيبة، وعبد الحميد شكيل " . 
       وعلى العموم فإننا نسجل في تلك الفترة قفزة نوعية في مسار الحركة الشعرية الجزائرية  بفضل انجازات إبداعية منحت الساحة الأدبية زخما خاصا ومتميزا، مما يجعلنا نعتبر فترة السبعينات – على الرغم من بعض السلبيات – النقطة الأساس في بداية حركة شعرية جزائرية وليدة الاستقلال، وقد أخذت هذه التجربة في التبلور والنضج أكثر فأكثر مع مطلع الثمانينيات . هذا فيما يخص الشعر. أما الرواية، والقصة فقد كانت فترة الاستقلال أدعى إلى الميل نحو الكتابة القصصية ولكن صورة الثورة ظلت تميز أغلب الكتابات في فترة السبعينيات بدءا بعبد الحميد بن هدوقة (1925-1996) صاحب الرواية المشهورة "ريح الجنوب" 1971 والتي ترجمت إلى عدة لغات في العالم. ثم الطاهر وطار شيخ الروائيين الجزائريين، وصاحب رواية " اللاز " و " الزلزال "، ثم الثلاثية الأخيرة : الشمعة والدهاليز، والولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي، والولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء، وهو من الشخصيات الثقافية المرموقة في الجزائر، وله نشاط ثقافي ملحوظ من خلال الجمعية الثقافية الجاحظية التي التي يرأسها منذ1989 .
 من الروائيين الكبار كذلك نذكر واسيني الأعرج وهو من مواليد تلمسان عام 1954 من رواياته : سيدة المقام، وشرفات بحر الشمال، وذاكرة الماء، ورواية الأمير، وهي رواية تاريخية تتناول شخصية الأمير عبد القادر الجزائري الذي قاوم الاستعمار الفرنسي من 1832 إلى 1847 ، وهي تفتح كثيرا من الأسئلة حول علاقة الرواية بالتاريخ .
وأخيرا نذكر أحلام مستغانمي و هي المرأة التي عبرت بلغة رشيقة، وساحرة عن الحب في زمن الحرب، والتغيرات من خلال الثورة الجزائرية فجاءت رواياتها الثلاث وهي : 
- ذاكرة الجسد التي صدرت في بيروت سنة 1993 ، واعتبرها النقاد أهم عمل روائي صدر في العالم العربي خلال العشر سنوات الأخيرة من القرن الماضي، وبسبب نجاحاتها أثيرت حولها الزوابع مما جعلها الرواية الأشهر والأكثر إثارة للجدل، وظلت لسنوات عدة الرواية الأكثر بيعا حسب إحصائيات معارض الكتب العربية، وقد حصلت على عدة جوائز منها جائزة نجيب محفوظ للرواية سنة1997 ، وجائزة نور عن مؤسسة نور للإبداع النسائي بالقاهرة سنة 1996 ، وجائزة جورج طربية للثقافة والإبداع سنة 1999 لأهم إنتاج إبداعي ببيروت . 
أما في القصة القصيرة فقد برزت عدة أسماء نذكر منها: عمار بلحسن، ومحمد دحو، ومحمد الصالح حرز الله، و مصطفى فاسي، وزهور ونيسي، وجميلة زنير ...وآخرون .         
 وفي القسم الثالث تناول الأستاذ هيمة راهن الأدب الجزائري والذي ارتبط بموجة العنف التي عصفت بالجزائر، وما نتج عن ذلك من مآس وأحزان، وقد كان للأدباء دور فعال في الخروج من الأزمة الوطنية من خلال إسهامهم في نشر ثقافة السلم، وكتابة قصيدة المصالحة الوطنية التي دعا إليها رئيس الجمهورية، وهي التي أنهت شلال الدماء في الجزائر وأعادت الاستقرار للبلد، وقد أثمرت هذه المرحلة أعمالا إبداعية متميزة في الشعر والرواية .
 ولعل من إيجابيات هذه التجربة الأدبية أنها أصبحت تخاطب بإبداعاتها ذاتية القارئ، ولا تقف عند حد دغدغة المشاعر والأحاسيس، ومن هنا نرى عبقرية الأديب الجزائري التي تجسدت في التغني للحياة، والانتصار للإنسان، وقضاياه العادلة وسط إفرازات الواقع المعيش وتناقضاته المختلفة، وهذا الإنجاز على مستوى الشكل رافقه التخلي عن التقاليد الشعرية والأدبية، وتكريس التركيز على مستوى الشكل على المعطيات الفنية الحديثة منها استغلال اللغة الدرامية، والبناء الدرامي، والانفتاح على التراث المحلي والعالمي، والتعامل مع المنجز الأدبي العربي والغربي من خلال هضم هذا المنجز، واستيعاب مختلف المذاهب من أجل التأسيس لتجربة إبداعية جزائرية نابعة من الرحم، ومنفتحة على مختلف التجارب العالمية، وقد برزت أسماء كثيرة أثرت الساحة الأدبية وحققت حضورا محليا وعربيا خاصة من فئة الشباب ففي مجال الشعر يمكن أن نذكر : لخضر فلوس، وعثمان لوصيف، وعز الين ميهوبي، وعبد الرحمن بوزربة (الحاصل على جائزة سعاد الصباح في الشعر)، و الشاعر الزبير دردوخ (الحاصل على جائزة محمد الدرة من مؤسسة البابطين)‘ وفي القصة والرواية نذكر: الأديب عز الدين جلاوجي، وحسين فيلالي، وبشير مفتي، وجمال فوغالي وغيرهم .
 وفي الأيام الأخيرة الماضية استطاع الناقد الشاب يوسف وغليسي أن ينافس أكبر الباحثين العرب ويفتك جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها الثالثة في فرع "المؤلف الشاب" عن كتابه "إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد" ، وهو استحقاق هام يضاف إلى المشهد الأدبي الجزائري المتميز، ويضاف إلى الكثير من الجوائز العربية والدولية التي حصل عليها الأدباء الجزائريون في شتى مجالات الأدب والفن. مما يبشر بمستقبل زاهر للثقافة والأدب في الجزائر‘ ولعل هذه الانجازات في الجزائر وفي باقي أقطار المغرب العربي هي التي جعلت أحد الكتاب يرى بأن مستقبل الثقافة العربية يصنع في بلدان المغرب .    

    
 وقد أعقبت الندوة نقاشات علمية جادة تناولت بعض القضايا والإشكالات المتعلقة بالأدب الجزائري منها قضية سياسة الاستعمار في محاربة اللغة العربية ومشاركة المرأة في النهضة الأدبية وكذا التوجه الأيديولوجي لدى كتاب الرواية في فترة السبعينيات . بمشاركة عدد من الإخوة الحاضرين منهم الأستاذ عبد القدوس الأنصاري، الأستاذ عز الدين ، ويحي باجنيد وآخرون . 
وختمت الندوة بقراءات شعرية لبعض الإخوة الشعراء.  

التصنيفات