سيدتي صاحبة الجلالة

سيدتي صاحبة الجلالة
سيدتي صاحبة الجلالة

في ندوة الوفاء الثقافية :
الصحفي الكاتب الساخر يحيى باجنيد يتحدث عن : (سيدتي صاحبة الجلالة)
الرياض : محمد شلال الحناحنة
أقامت ندوة : (الوفاء) الثقافية لعميدها الشيخ أحمد باجنيد في الرياض محاضرة بعنوان : ( سيدتي صاحبة الجلالة )ألقاها الصحفي الكاتب الساخر يحيى باجنيد وذلك مساء الأربعاء 5/6/1431هـ ، وقد أدار اللقاء الأديب الدكتور عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، وحضره نخبة من الإعلاميين والمثقفين والمفكرين ، وجمهور من رواد الندوة .
دفء البدايات
بعد حمد الله ، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، شكر الأستاذ الكاتب يحيى باجنيد عميد ندوة ( الوفاء ) الشيخ أحمد باجنيد على وفائه ، ودعوته له في هذا الملتقى الثقافي المتجدد بالعطاء دائماً ثم قال : سأحدثكم عن تجربتي الصحفية بكل تواضع ، فقد بدأت عام 1384 هـ ومع بداية عهد المؤسسات الصحفية ، وكانت الصحافة ملكية فردية ، وليست حكومية ، وعملت في صحيفة البلاد إذ كنت محرراً متعاوناً بمكافأة زهيدة بالقطعة ، وليس راتباً شهرياً ، وكنت أتنقل من حافلة إلى أخرى وأحياناً أنسى نفسي فأنام في الحافلة حتى يوقظني الازدحام ، وأحياناً قد لا نستطيع العشاء من التعب والنعاس ، وقد تعرفت إلى إعلاميين كبار آنذاك منهم : محمد حسن عواد ، وحسن كتبي ، ومحمد حسين زيدان ، وعبد العزيز الرفاعي ، وحمزة شحارة ، وهؤلاء أساتذة عظماء ، وطاقات مبدعة حقاً ، وكانت صحيفة البلاد تستأجر شقتين في عمارة بخش، وكنا نأتي بالأخبار متعاونين ، والقطعة من 20-50 ريالاً سعودياً ولم نثبت في الصحيفة حتى نثبت أنفسنا ، وإذا استعصى علينا خبر ألفناه ، ولحناه أي أعدنا صياغته ، وصدرناه لصحف أخرى بطرق مختلفة ، وكنا نأخذ السلفة ( من 20 إلى 30 ريالاً ) وكان أمين الصندوق – سامحه الله- يسومنا سوء العذاب حتى يعطينا ، بل ويوبخنا ، وكنت مرة بحاجة ماسة إلى سلفة ، ووجدت أن الصحيفة مزدحمة بالناس ، فأتيت لأمين الصندوق ، ولم يعطني شيئاً ، فخرجت باكياً منكسر النفس ، والموقف لا يحتاج إلى فرد الأجنحة والأذرعة ، ثم عدت إليه مرة أخرى فقال لي : ألم تطلب إجازة ولم يسمحوا لك لأنهم لا يستغنون عنك ..... فخذ راتب شهرين مقدماً .
ذكريات ... وذكريات
ثم تحدث الأستاذ الصحفي يحيى باجنيد عن بعض ذكرياته فقال : أذكر أن الشاعر الكبير أحمد بن إبراهيم الغزاوي كان يكتب بالخط الفارسي ، وخطه لا يقرأ ، وكنت وحدي الذي يقرأ هذا الخط ، والخطوط الأخرى ، وكنت أكتبها ، وأذكر كذلك أن الأديب محمد حسن عواد جاءني في يوم ما وأنا في صالة التحرير وقال لي تعال ، فجئت إليه ، وأجلسني بجانبه ثم أضاف : ما الذي جعلك تسرق .... ؟! قلت ما الذي سرقته ؟! قال : عرض التلفاز تمثيلية ... ثم وجدتك اليوم تنسبها إليك .... فقلت ولكن أنا الذي كتبتها للتلفاز ..... فأعجب بي إعجاباً شديداً ، وكتب عني كثيرون منهم : محمد حسن فقي ، وعبد العزيز الرفاعي ، ومحمد حسن عواد .... وغيرهم ولكنني لم أركن إلى ما كتب عني ....!!
السخرية طبيعتي
وبالنسبة لكتابته الساخرة قال الأستاذ يحيى باجنيد : السخرية طبيعتي.....وأنا متفائل ولا أضيق بشيء .... أضع رأسي على المخدة ، وأنام مباشرة ، ولم أمارس في كتابتي وحياتي الصحفية الأستاذية على القراء ... كنت أتعلم منهم ، وكانوا يمتدحونني كثيراً .... لم أغرر بهم أبداً .... ولم أكذب أبداً .... كتبت في كل شيء إلا السياسة لكنني سياسي على طريقتي الخاصة ، كتابتي سياسة ، وصداقتي سياسة ، حبي سياسة ، وغضبي سياسة ، فقري سياسة ، ولقمة عيشي سياسة ، وحياتي الزوجية سياسة ، في كتابتي أكبّر دماغي ، أنا في كتابتي أهادن الحياة ، أحني رأسي للعاصفة حتى لا تقتلعني ، الصحافة بيتي الحقيقي الذي آلفه ويألفني ، أنتقل بين غرفه الكثيرة المتعددة آكل وأشرب ! لي مساهمات ومشاركات إذاعية كثيرة ، لكن الإذاعة قطاع عام ، وهو في الغالب لا يستطيع أن ينجح كالقطاع الخاص الذي يتميز بالحوافز والثواب والعقاب ، أما في القطاع العام لا يستطيع أحد أن يفصل أحداً          وبالمناسبة ، في تلك الأيام كنا لا نملك السيارات ، وقد ملك أحد أصدقائي سيارة قديمة ( تسقط أبوابها ) وما زلت أذكر ذلك فقد كانت تثير السخرية .
العطاء بسخاء
أما في حديثه عن رواد الصحافة والفكر والإعلام فقد أشار أن هؤلاء الرواد أعطوا بسخاء ، ولم يضنوا علينا بشيء ، وكانت رؤيتهم للأمور بعيدة وصائبة ، وما زلت أذكر قول الشاعر الكبير المرحوم محمد حسين زيدان لي : هذا مجتمع دفان..... ارقص حتى يراك الناس ، وانظر إلى دور النشر والإعلام فإذا أرادت أن تخرج من لا يستحق ، زادت الدعاية له..... فتصرف على الدعاية أكثر من قيمة ما تسوقه .               وكنا نجلس ونسهر مع الأديب طاهر زمخشري –رحمه الله-حتى الصباح وكان يسامرنا الشيخ عبد الرحمن معدل .... وقد كان عنده كشك أمام المطبعة ، كما كنت أوصل طاهر زمخشري إلى بيت ابنته ، وأعود ليلاً بين نباح الكلاب ، وأقيم حفل كبير للأدباء وشاركت فيه ، وقد أمسك بي طاهر زمخشري بين الناس قائلاً أمامهم : هذا الولد سيكون له شأن عظيم !!                                                        ولا شك أن معاناتنا في الصحافة كانت كبيرة وكان عندي ولد وبنت آتي وهم نائمون ، وأذهب للصحيفة في الوقت الذي يذهبون فيه للمدرسة فلا أراهم إلا قليلاً ، كانت طباعة الصحيفة بطيئة جداً ، وصعبة وبدائية ..... هكذا كنا نعاني ، أخيراً لعلي تذكرت شيئاً ، وغابت عني أشياء كثيرة .
أصداء وحوار
وفي الختام ، أثارت المحاضرة العديد من الأصداء والأسئلة منها تعليق الأديب الدكتور عبد القدوس أبو صالح إذ قال : هذه الأحداث عفوية ، حلوة ، وفيها ترويح عن النفس ، والكثير من الحكم ، وقيمة هذا الرجل العصامية ، وقد حفر طريقه في الصخر إلى أن صار في بلاط صاحبة السيادة ، وأتمنى أن يعد لنا الأستاذ الصحفي يحيى باجنيد محاضرة عن الصحافة السعودية اليوم بين الإيجابيات والسلبيات .                                أما الدكتور سعيد باسماعيل فقال : لقد قدم الإعلامي الأستاذ يحيى باجنيد الكثير للإذاعة والصحافة حافظاً للتراث والتقاليد سواء المقروءة أم المسموعة خاصة في العادات واللهجات المحلية ، ونعدها دروساً للأجيال ، ونحن بحاجة إلى جميع ما كتبه لنقرأه في كتب ، ولينتفع منه الناس جميعاً ، وتحدث الشيخ محمد بافضل قائلاً : إذا صلحت الصحافة وصلح كتابها نفعت الناس ، وإذا فسدت أفسدت الناس ، وسأل الأستاذ عبد الله المرشد : ما تعريفك للسياسة في الحياة ، والحياة في السياسة في الصحافة ؟ وهل كانت الصحافة شاهد زور على التاريخ ؟ وهل ذاكرة الصحفي شاهدة زور ؟! وأشار الدكتور إبراهيم فارس إلى أن أسلوبه في هذا اللقاء ، والترويح الذي قام به المحاضر ترويح شرعي مباح ، لكننا نحتاج منه إلى نصائح ، وأتمنى أن يكتب تجربته ليستفيد منها الجيل ، لأن الصحافة فيها الكثير من النفاق ، ونحتاج إلى نصائح للصحفيين بأسلوبك الجميل الجذاب للتأثير في الشباب ، فأخلص النية لله ، وما خرج من القلب يدخل القلب ، وقال الأستاذ محمد منذر قبش : الصحافة الأجنبية تهتم بالصحفيين ، وتكرمهم مادياً ومعنوياً ..... فأين نحن من ذلك ؟! وقال الدكتور عبد الفتاح محمد : أعتقد أنك ساخر في حياتك إلى حد كبير ... ما تأثير هذه السخرية على كتاباتك ؟! وما ملامح السخرية عندك ؟ وأرى أن أسلوبك سهل ممتنع ... وأقترح أن تكتب رواية ...هل الصحافة استنفذت طاقات الصحفي مما يمكن أن يبدع أو ينتج ؟! أما الدكتور يحيى أبو الخير فذكر أن لدى الأستاذ يحيى باجنيد صفاء وأريحية ، وما سمعناه هو انعكاس لجيل وفي ، يعكس جيل الوفاء على مستوى الأفراد والمجتمع والجيل والأمة ، وجيل محمد حسين زيدان ، ومحمد حسن عواد وطاهر زمخشري هم مدرسة وكانت بعيدة عن الغموض واللجج ، وأسلوبهم تميز بالجمال ، واستطاع الأستاذ باجنيد رسم صورة حركية مسرحية للمجتمع ، وبيّن حقيقة الكتابة وصّور طبيعة الأمور والصبر والفقر والجلد .
وأثنى الأستاذ أحمد مشهور على أسلوب المحاضر المعبر الراقي الجميل ، وبيّن أنه كان شغوفاً بسماع برامجه الإذاعية ، وسيظل رائداً من رواد الصحافة . وأورد الشاعر حيدر البدراني مجموعة من الأبيات الشعرية المعبرة عن واقع الأمة وأوجاعها تأوي إلى الحكمة ثم قال : أذكركم بقول ابن تيمية لابد للحق من رجلين رجل يقوله ورجل يسمعه ! أما الأستاذ أديب إدريس فقال : لم تذكر عبد القدوس الأنصاري ذاك الرمز والعلامة الكبير ....إنه من الأفذاذ حقاً وأخيراً سأل الأديب جبران سحاري : هل كانت الصحافة قديماً أول ما تنشر المقال المعارض لتوجهها عكس صحافتنا اليوم ؟
 

التصنيفات

أضف تعليق