روائع البيان القرآني

روائع البيان القرآني
روائع البيان القرآني
في ندوة الوفاء الثقافية :

الأديب الدكتور عبدالله بن صالح العريني يحاضر عن (روائع البيان القرآني )
الرياض :محمد شلال الحناحنة
ضمن لقاءاتها الدورية الإسبوعية أقامت ندوة الوفاء ) الثقافية بالرياض محاضرة بعنوان : ( من روائع البيان القرآني ) قدمها الأديب الدكتور عبدالله بن صالح العريني وذلك مساء الأربعاء 17/7/1436هـ ,وقد أدارها الدكتور يحيى أبو الخير ,وحضرها ثلة من المفكرين والأدباء والمثقفين والإعلاميين وجمهور من رواد الندوة ومتابعيها .

القران الكريم معجزة النبي صلى الله عليه وسلم

بعد حمد الله والصلاة على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قدم الضيف الأديب الدكتور عبدالله بن صالح العريني جزيل شكره لعميد الندوة الشيخ احمد باجنيد وأبنائه الذين فتحوا قلوبهم قبل بيتهم ,كما شكر الحضور على تواصلهم لتدارس بلاغة كتاب الله, كما أضاف يظل لقاؤنا هذا حواراً بيننا ,ثم قال : الموضوع بحر لا ساحل له , وكتاب الله هو معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , وقد افتخر على الأنبياء بان معجزته هو القران ,وهذه المعجزة خالدة إلى يوم القيامة بينما معجزة الأنبياء كانت خوارق تتعلق بأماكن وأزمان وأحداث .
وهناك نظرية أشار إليها ابن جني في بلاغة القرآن الكريم,وهي قوة الألفاظ مع قوة المعاني مثل :
(نضح ونضخ) فالنضح هو سيلان الماء بسلاسة وهدوء, أما النضخ فيكون بقوة ,ومنه (عينان نضاختان ) وكذلك الفرق يكون بين (أزّ,وهزّ) وانظر إلى قوله تعالى :(تلك اذاً قسمة ضيزى) }سورة النجم الآية 22{ وقوله تعالى (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) }سورة القيامة , الآية33 {
ولاشك أن في القرآن عجائب بيانية وبلاغية فمثلا في البلاغة العربية يعدون تقارب الحروف المتشابهة عيبا ويحذرون من ذلك بينما نجد في القرآن الكريم عكس ذلك تماما فنجد تقارب الحروف بيانا وبلاغة وجمالا رائعا يتذوقه السامع أو القارئ
ودعونا نتدبر هذه الآية :(قيل يانوح اهبط بسلام منّا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسّهم منا عذاب اليم ) }الآية 48 من سورة هود { فنجد ثمانية ميمات قد اجتمعت وتقاربت ,ومع ذلك لا نحسّ بثقل وهذا من معجزات القرآن الكريم في ألفاظه ومعانيه بل نشعر بقوة الكلام وجماله !




جماليات قرآنية أخرى

وتحدث المحاضر الدكتور عبدالله العريني عن جماليات قرآنية بيانية أخرى منها ماياتي :

أ‌-تتابع الإضافات في مجموعة من السور والآيات القرآنية يبرز جمالا وذوقا رفيعا لا يعلى عليه , بينما في كلامنا العربي النثري أو الشعري يعدّ هذا العنصر ليس قوة وجمالا كما نجد في القران الكريم ومثال ذلك قوله تعالى : (كهيعص .ذكر رحمة ربك عبده زكريا ) الآيتان من 1-2 من سورة مريم .

ب‌-عدم نسبة الشر أو الشيء المستكره لله سبحانه وتعالى من خلال استخدام الفعل المبني للمجهول بينما نجد نسبة القوة والقدرة لله عزّ وجل في أفعال مبنية للمعلوم في آيات عديدة , وانظر إلى قوله تعالى : ( يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى )
}الآية 178 من سورة البقرة { وقوله سبحانه وتعالى : (يا أيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) } الآية 183 من سورة البقرة { وقوله تعالى : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) }الآية 216 من سورة البقرة { ودعونا نتدبر في المقابل النسبة لقدرة الله وعظمته في آيات مبنية للمعلوم في أفعالها إذ يقول تعالى : ( كتب الله لاغلبنّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ) }الآية 12 من سورة المجادلة { ويقول تعالى : ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النّار) (الآية 3 من سورة الحشر )




ج-المترادفات في القران الكريم تستخدم في لفتات جميلة تميّز بينها ,ولننظر استخدام القبور والأجداث ويقول تعالى ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون ) ( الاية51 من سورة ياسين ) وهذا يدل على السرعة أي سرعة البعث بينما القبور تدل على السكينة والركود والجمود , ودعونا نتدبر قوله تعالى : ( يا أيها الذين أمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ) ( الآية 13 من سورة الممتحنة ).

د- التذييل في القران الكريم يعبّر عن جمال راق في الموازنة بين المعاني والألفاظ كما ورد في قوله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم ) (الآية 38 من سورة المائدة ) وحين أخطأ القارئ فقال والله غفور رحيم وسمعه الإعرابي وهو لا يحفظ القران الكريم, قال له : ياهذا هذا كلام الله قال : نعم ؟ قال : كيف يكون هنا (غفور رحيم ) لقد عزّ فحكم فقطع ,فصحح القارئ فقال :صدقت : (والله عزيز حكيم ) والأمثلة في ذلك كثيرة لايتسع المجال لذكرها وإحصائها .

هـ- ومن البلاغة الجمالية القرآنية الاستغراق بنفي جنس الشيء مثل قوله تعالى : (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) ( الآية 30 من سورة القصص ) وذلك مقابلة لقوله تعالى في نفي حضور النبي صلى الله عليه وسلم : ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ) ( الآية 44 من سورة القصص) وهذه الآية هي خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ,فإذا قلت ما رأيت من رجل لا يجوز أن تقول بل رجلين لأنك نفيت جنس الرجل كما يقول عبدالقاهر الجرجاني ,ومثل قوله تعالى : ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كلّ إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ) ( الآية رقم 91من سورة المؤمنون ) وفي الحديث الشريف ( هل لديكم من طعام ) بمعنى أي طعام .

و- ومن البلاغة الجمالية القرآنية الموازنة بين مقاطع الآيات المتشابهة في مضمونها مثل قوله تعالى : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( الآيات من 133 -135من سورة أل عمران ) بينما يقول تعالى في سورة الحديد : ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين امنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ( الآية 21 من سورة الحديد )
فالمسارعة أعظم من المسابقة وجنتها اكبر وأوسع لان عرضها السماوات والأرض وثمنها أعظم كذلك فهي للذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والمحسنين والذاكرين الله والمستغفرين إذا ظلموا أنفسهم أو فعلوا فاحشة وغير المصرين على ذنوبهم ,بينما المسابقة جزاؤها جنة كعرض السماء والأرض ( وليست سماوات ) وشرطها الوحيد الإيمان بالله ورسله فقط وهذا فضل من الله على هؤلاء المتسابقين .
وأخيرا ذكر الأديب الدكتور عبدالله العريني بعض الكتب التي عنيت بالبلاغة القرآنية ومنها كتب للدكتور فاضل السامرائي والدكتور وليد قصّاب ,وابن عاشور وغيرهم .




نوافذ الحوار

وفي الختام أثارت المحاضرة الكثير من الأسئلة والحوارات التي أجاب عنها الأديب الدكتور عبدالله العريني ,وبدأها الدكتور يحيى أبو الخير الذي قال : استمتعت واستمتعنا جميعاً بروعة الطرح والشرح ,وهي محاضرة جميلة ,وهي باب مهم من أبواب الدعوة وفيها تقوية للإيمان وأنا أطلب منه أن يكرر هذه المحاضرة في أكثر من ملتقى ومنتدى ,وما أجمل أن نخصص له حلقة في برنامج هذه الندوة كل فصل ,أما كتاب الله فهو معجزة خالدة . وتحدث الدكتور إبراهيم الفايز مشيرا إلى أن أسرار كتاب الله لا يعقلها إلا العالمون وقد قال تعالى : ( أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها ) (الآية 24 من سورة محمد ) كما قال تعالى (ولقد يسرنا القران للذكر فهل من مدكّر ) ( الآية 17 من سورة القمر)
وقد فنح الله بالقرآن قلوباً مقفلة ودعونا نتدبر قوله تعالى : ( إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا ) ( الآية 9 من سورة الإسراء ) وأنا أدعو نفسي وإخواني إلى الالتفات لكتاب الله , وهو يشبه الشجرة المثمرة كلما هززتها أعطتك من ثمرها وكلما اقتربت منه وهبك شيئا من أسراره العظيمة . وشكر الأديب شمس الدين درمش الدكتور عبدالله العريني على هذا الموضوع الذي يمسّ قلوبنا جميعا ,وكلما تلوناه اقشعرت جلودنا وخشعت قلوبنا ! وهو لا تنقضي عجائبه وهو مرتع خصب لعلماء الفيزياء والكيمياء والرياضيات وكافة العلوم بل إن عددا من الملحدين المعارضين والمعادين للإسلام اهتدوا حين انكبوا على تلاوة القران الكريم ,ولعلنا نتأمل قوله تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد )(الآية 53 من سورة فصلت )
وأشار الدكتور محمد سليمان الشهري إلى أن الله أكرمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن الكريم بلغتنا , والعرب كانوا يفتخرون بلسانهم العربي وسمّوا غيرهم عجماً وحين أنزل القرآن الكريم تحداهم بلغتهم وبلاغتهم وفصاحتهم ثم سال : ما دوركم في الجامعات حول تعليم البلاغة والبيان لبناء الذائقة الجمالية ؟! أما الشيخ محمد بافضل فقد حمد الله أن جعلنا مسلمين ومؤمنين , وقال : إن من أعظم النعم علينا أن أنزل علينا القران الكريم ,والذي حال بيننا وبين تدبر القران في كثير من مجتمعاتنا هو بعدنا عن الله , ثم دعا للمسلمين شاكرا عميد الندوة ,والمحاضر على هذا اللقاء . وقال الأستاذ منصور العمرو لقد أوصى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أحد مناصريه وخاصته ألّا يجادل خصومه بالقران الكريم لأنه حمال أوجه ...فما رأيك ؟! وما رأيك فيمن ينفي المجاز والاستعارة في القران الكريم ؟! كما أورد أخيرا بعض الآيات من سورة الكهف مبيّناً تميزها في البيان القرآني !



ومضة شعرية

وفي نبض القوافي شدا الشاعر المبدع الدكتور عمر خلوف قصيدته ( مجامر الحنين ) المهداة إلى قريته مسقط رأسه في سوريا الأبية :

دثّروني بغيمها دثّروني
وبثوب من فلها زمّلوني
وبماء من مزنها أتوضأ
أو تبر من تربها يمموني
وقد نالت إعجاب الحضور .ثم شكر المهندس محمد باجنيد المحاضر الدكتور عبدالله العريني على تلبيته الدعوة كما شكر المقدم الدكتور يحيى أبو الخير وكذلك جميع الحضور على تواصلهم .

التصنيفات

ذات صلة

أضف تعليق