دور الثقافة العلمية في التنمية

دور الثقافة العلمية في التنمية
دور الثقافة العلمية في التنمية
أسئلة على طريق "الثقافة العلميّة"

(محاضرة في ندوة "دور الثقافة العلمية في التنمية" بالاشتراك مع د.يحيى أبو الخير في "ندوة الوفاء" في يوم الأربعاء الموافق 24/7/1436هـ)
أبدأ فأقول إنّ "الثقافة العلميّة" مفهومٌ واسعٌ وفسيح، وتتلاطم أمواجه في "دنيا العولمة" و"عصر الانفجار المعلوماتي"، ويتلاقح عنده المعرفيّ مع الاجتماعيّ، والاقتصاديّ مع التّنمويّ، والتّربويّ مع البحثيّ، والسّياسيّ مع التّعليميّ، و"الثقافة العلميّة" تتلوّن وفق الفئات المستهدفة، والغايات المقصودة، والمجالات المعنيّة.
لقد جعلتُ مداخلتي تحت عنوان: (أسئلة على طريق الثقافة العلميّة")؛ ولذا أطرح بعض الأسئلة التي قد نجد في هذه العجالة بعض انعكاساتها وإجاباتها، كما أن المداخلات دون شكٍّ ستثري وتضيف.
1)لماذا عجزتْ الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات الشرقيّة من تَحْويل إنْجازاتها العِلْميّة والتّكنولوجيّة والمعرفيّة إلى ثورةٍ صِناعيّةٍ متطوّرةٍ وتقنيّةِ مستدامةٍ قَادِرةٍ على خَلْق الشُّروط الضّروريّة لاسْتمرار تطوُّرٍ حضاريٍّ ونفوذٍ فِكْريٍّ وتفوقٍ عسكريٍّ وتنميةٍ اجتماعيّةٍ وتفاعلٍ سِياسيٍّ مُتواصِل؟.
2)لماذا يبقى السّؤال القديم - الجديد معنا وبيننا على امتداد مائتي عام: (لماذا تأخّرنا وتقدّم غيرُنا؟.
3)لماذا تتمدَّد - في الدُّول العربيّة - رُقْعة الصِّناعات، وتَنْتشر المدارِس والجامعات، وتتنوَّع مراكِز التّدْريب والتّأْهيل، وتتعدَّد معاقِل البُحُوث، وفي الوَقْت نفْسه تَتَّسع الفَجْوةُ العِلْميّة، وتتفاقَم الهُوّةُ التّقنيّة، وتَنْمو قَائِمةُ المُسْتَوردات، وتتعمَّق "التَّبعيّة" لمعطيات "الحضارة الغربيّة"؟.
4)لماذا تتساوى معاييرُ الدِّراسة الأكاديميّة، وتتوافق عناصِر التّأْهيل، وتَتَّحد مُكَوِّناتُ التّدْريب، ولكن الأداء في "الدُّول المُتَقَدِّمَة" يَبْقى أعْلى بكثيرٍ من الأداء في "الدُّول
النّامية" كما أَثْبتتْ التّجارب وحقائِق الوَاقِع؟.




وفي مُقابِل هذا الأسئلة، وفي ضوء فشل التجارب التّنموية والتّقليديّة والثوريّة والانقلابيّة والعسكريّة والتعليميّة و"المدارِس الفِكْريّة" المُخْتلفة و"الأَنْظمة السِّياسيّة" المُتباينة، في إحداث تلك النَهضة الشاملة المنشودة، أطْرح أسئلة أخرى:
1)هل من المُمْكِن أنْ يكون السّبب الرّئيس وراء هذا الوَضْع المُتَرَدِّي في المُجْتمعات العربيّة هو أنّها وَضَعَتْ العَرَبَة أمام الحِصان فما تحَرَّكتْ العَرَبَة، وذبُلتْ عضلات الحصان؟).
2)هل المسؤول عن ذلك الانهيار المتلاحق هو البحث عن الحلول السّهلة، والأفكار الجاهزة، والاندفاع في مساحات الارتجال والانسياق العاطفيّ وراء نمطٍ فكريٍّ وحياتيٍّ مستقرٍّ في الأنفس وكامنٍ في العقول؟.
3) هل هناك "عنصر مفقود" أهملناه أو نسيناه أو تناسيناه؟.
دعونا نجرِّب - في "زمن العلوم والتجريب" - السّؤال التالي: (هل لـ"الثقافة" دورٌ في "عمليات النّهضة" و"مشروعات التّنمية"؟)؛ ففي زمن يحتلّ فيه "مفهوم الثقافة" مساحاتٍ شاسعةً من عقول الناس ووجدانهم، وينطلق في آفاقٍ إعلاميّةٍ ومجتمعيّةٍ وسياسيّةٍ وفكريّة، فإن من المهم أن نسأل: (هل لـ"الثقافة" علاقة بأسئلتنا المؤرّقة والتي امتدّت على مدى قرنين من الخُذْلان والفشل والهزائم؟).
بدون الخوض في تعريفات مصطلح "الثّقافة" وتداعِياته اللُغَويّةً والتاريخيّةً والفَلْسفيّةً وأسسه الاجتماعية والفكرية وتداخلاته الأنثروبولوجية، ففي رأْيي أنّ الأَمْر الأَهمّ والأبْرز فيما يتعلَّق بمُصْطلح "الثّقافة" هو ما ذَكَرَه مالك بن نبيّ في أنّ: (مُشْكلة العَالَم العربيّ والإسْلاميّ ليستْ مُنْحَصِرةً في مُحاولة فَهْم "الثقافة"، وإنّما في تَحْقيقها بصُورةٍ عمليّة)؛ وللإيجاز يكفينا في هذا المقام أن نقول إن "الثقافة" هي: (الوَسَط الذي يَحْمل مُجْمَل النّشاط البشريّ، ويضمّ المفاهيم السّائِدة والقِيَم المُهَيمنة، ويُبَلْوِر الأولويّات والاهْتمامات، ويُنَظِّم المدارِك والعلاقات)؛ وبذا فإننا نستطيع أن نجزم هنا أنّ للثقافة تَأْثيراً حَاسِماً في عمليّات "التَّحوُّل الكُبْرى"، ومُنْطَلقات "النّهضة الشّامِلة".
وبإيجاز، ووفق ما تواطأتْ عليه "أدبيّات الثقافة"، تكون "الثقافة": (بُنْيةً - تحْتيّةً ضروريّةً للتّفاعُلات البشريّة، ووسيلةً رئيسةً لتَشْكيل "العَقْل" وتوجُّهات الفرد وممارساته وقناعاته).




في إطار هذا الرؤية لمُصْطلح "الثّقافة" نَسْتطيع أنْ نتعرَّف على تَرْكيبتَين مُتباينَتَيْن لعناصِر "الثّقافة"؛ حيث تُهَيمِن على التّرْكيبة الأولى "عناصِر سَلْبيّة" ذات مفاهيم ضَحْلةٍ، وعاداتٍ عقيمةٍ، وتصوُّراتٍ ضبابيّةٍ، تعوق حركة المُجْتمع وتُؤدِّي إلى ضُمُور طاقاته وكَبْح عنْفوانه. و أمّا "التَّرْكيبة الثَّانية" من عناصِر "الثّقافة" فتتمتَّع بـ"خصائِص إيجابيّةٍ" ذات حيويّةٍ وفاعليّةٍ تكون بمثابة قُوّةٍ دَافِعةٍ للنُّموّ والتَّرقِّي والإبْداع والإنْتاج في مُخْتلف مناحي الحياة،
وهكذا تَدْخل "الثقافة " إلى "مَطْبَخ التَّفاعُل البشريّ" لتكون له أو عليه وفْق أُسُس هذه "الثّقافة" ومُعْطياتها ودرجة ما أَسْماه مالك بن نبي "الفَاعِليّة الاجْتماعيّة"؛؛؛ فـ"الثّقافة" كائِنٌ حَيٌّ يَنْمو ويَضْمر، ويَشْقى ويَسْعد، ويَقْوى ويَضْعف، وذلك وفْق أحْوال أهْله ومُمارَساتهم وقِيَمهم ومفاهيمهم وأولويّاتهم.
من نافِلة القول إنّ أيَّ ثقافةٍ إنْسانيّةٍ تَحْتوي - في مَنْظومتها - على عناصِر من كِلْتا التّرْكيبتين: "السَّلْبيّة" و"الإيجابيّة"، إلاّ أنّ تفوُّق ثقافةٍ على أُخْرى يَكْمن في قُدْرتها على تَقْليص دور "التَّرْكيبة السَّلبيّة" من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أُخْرى تَطْوير إمْكانات "التَّرْكيبة الإيجابيّة" وتوفير العَوامِل المُسَاعِدة والمُحَفِّزة على تَمْكين "العناصر" الفَاعِلة اجْتماعيّاً، وتَنْمويّا،ً ومعيشيّاً.
وهكذا يُصْبِح المِحكّ الحقيقيّ لجَدْوى "الثّقافة" هو في تمكُّنها من أداء "الوظيفة الاجْتماعيّة" التي تَهْتمّ برَفْع المُسْتوى الاجْتماعيّ والمعيشيّ والفِكْريّ للفَرْد والمُجْتمع.

عندما نراجع حال الأمة العربية على مدى مائتي عام من "محاولات النّهضة"، نجد أنها وقعتْ - بامتياز - في أتون ثقافةٍ نمطيّةٍ بلاغيِّة كلاميّةٍ جداليّة، وبقيتْ أسيرة مُصْطلحاتها وحماسها وعنتريّاتها وخَلْطِها، فراحتْ تَجْترّ التّجاربَ ذاتها، وتُكَرِّر الأخْطاءَ نفْسها، ولا يَخْتلف في ذلك مُتَعَلِّمٌ عن جَاهِلٍ، ولا يَنْجو من شِباكها مُثقّفٌ يَزْعَم وِصَالاً مع "حداثةٍ" هناك، أو آخَرُ مُلْتَحِفٌ بـ"قديمٍ" يُنافِح عنه في كلِّ مَحْفَل.
وعبـْر قِراءةٍ مُتَأنيّةٍ لهذه "الثقافة النَّمطيّة" فإنّه لا مناص لنا عن الاعْتراف بأنّنا نُواجِه "مأْزقاً ثقافيّاً" وقعتْ فيه الأُمّة منذ أمدٍ طويلٍ، ودفعتْ ثمناً باهِظاً مُقَابِل إدْمانها عليه، وتخوُّفها - غير المُبَرَّر - من تشْخيصه بنزاهةٍ، وتحْليله بعقْلانيّةٍ، وعلاجه بشجاعةٍ.
ولذا فإنّ أيَّ وقْفةٍ نزيهةٍ - أمام هذا الأوضاع المُتَردِّية في تفاعُلات الأُمّة - تُحَتِّم ضرورة التّعامل مع العصْر بأدواته، فلا يُمْكِن خوض معْركةٍ بأسْلحةٍ صدأتْ بفِعْل الزَّمن، ولا يجوز قبول الأعْذار والمُبَرِّرات ونحن نتعامل مع "مُقَدِّمَاتٍ" لا يُمْكِن بحالٍ أنْ تقود إلى "النَّتائج" المنْشودة.
المحزن أن تكرار الهزائم وتراكُم المشكلات وتفاقُم البلاء ما زاد إلّا من استمرار الغالبيّة الكاسحة من المثقّفين العرب في الترنُّح في قَوالِب تّقْليديّةٍ اجْتراريّةٍ، أو أنماطٍ تغريبيّةٍ منبهرةٍ، لتُصْبِح "الثقافة" مُجَرَّد تَرَفٍ تُمارسه المُجْتمعات العربيّة وتتسلَّى به في سُويعات الأُنْس وليالي السَّمَر.
لقد انحصر "التَّكْوين الفِكْريّ" لـ"المُثقّف العربيّ" في قوقعة المَنْظومات اللفظيّة والتّأمُّلات الوَصْفيّة والجِدال الكلاميّ والروايات الاستفزازيّة، فلم يُصَاحِب تغيُّرات عصْره ومعالِم زمانه، ولم يتطوَّر ليتناغم مع خصائِص "الحركة العِلْميّة – التّقنيّة" و"ثورة العَولَمة"، بلْ بقي يُراوح في مكانه، ويُطارِد إنْشائيّاتِه، ويُعانِق أشْعارَه، ويُسابِق فصاحتَه، وتحتدّ الأطرافُ المتباينةُ في الليل - في جدالٍ عقيمٍ – حتى أذا أدرك شهرزاد الصّباح سكتتْ الكلام المُباح حتى الاستيقاظ لجولة أخرى من الجِدال والمُناكفة.

هل تكمن الإجابة على السّؤال: (لماذا تأخّرنا وتقدّم غيرُنا؟) في تلك الحقيقة التي تجاهلت "روح العصر" وتفاعلاته المعقّدة حيث راحتْ المجتمعات الإنسانية بأسْرها تَتَّخذ أنْماطاً مُتسارِعةَ التّغيُّر والتّبدُّل، وراحتْ المُجْتمعات تخوض معارِك شرِسةً على الموارد - البشريّ منْها والطّبيعيّ -، وتَعْكُف على تطْويرها وتوظيفها وتنويعها ورفْع إنْتاجيّتها.
إنّ المراجعة المتأنيّة لـ"النهضة الغربيّة المعاصرة" تؤكد أنّ أبْرز الشُّرُوط الضّرورية للتّفاعُل الجادّ مع مُعْطيات "الحركة العِلْميّة – التّقنيّة"، والامْتصاص الوَاعِد لها، يتمثَّل في "ثقافةٍ حيويّةٍ" نَشِطَةٍ قَادِرةٍ على اكْتساب "الفَاعِليّة الاجْتماعيّة" التي تَنْقلها من حالات الكلام والخِصام واللغو والجدل وثقافة اللفظ إلى فِعْلٍ يتحرَّك على الأرْض ليُغَيِّر معالِم الحياة وأنْماط التّفاعُل؛؛؛ وبذلك تصبح "الثقافة" "الوسَط الفعّال" اللازم لتَحْقيق "النَّهْضة" وتَحْريك "التَّنْمية" والتّفاعُل الإيجابيّ مع "ثورة العَولَمة".
لقد أدْرك الجميع أنّ التّفوُّق الحاليّ للدُّول المُتَقَدِّمة ليس تفوُّقاً في المَواهِب الشِّعْريّة، ولا نُبُوغاً في مجالات الخَطابة والأدب، ولا تميُّزاً جُغْرافيّاً، ولا طَفْرةً وِراثيّةً آثَرَتهم دون غيرهم من البشر، ولا رِفْعةً في الأخْلاق والقِيَم، ولكنّه يَكْمن في قضيّةٍ واحِدةٍ هي: "المَعْرفة العِلْميّة والتَّمكُّن التّقنيّ" بكلِّ ما يتمخَّض عنهما من صِناعاتٍ مُتطوِّرةٍ، وقُدُراتٍ عَسْكريّةٍ، ورفاهيّةٍ معيشيّةٍ، وغزارةٍ إنْتاجيّةٍ، وهيمنةٍ إعْلاميّةٍ، ونُفُوذٍ فِكْريّ، وسيطرةٍ سياسيّة.
ألا تكمن الإجابة على سؤالنا عن التقدّم والتأخّر، وعن عجْز الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات الشرقية من تَحْويل إنْجازاتها العِلْميّة والتّكنولوجيّة والمعرفية إلى ثورةٍ صِناعيّةٍ متطوّرةٍ وتقنيّةٍ مستدامة؛ أقول: إلا تكمن الإجابة على هذا السّؤال في غياب تلك البُنْية التّحتية القادرة على امتصاص المعرفة، وتمثُّلها وتطويرها وتعزيزها وترويجها، وتفاعُل المجتمع بأسره مع أسبابها ونتائجها، والقدرة على الدّفع بقضيّة "الثَّقافة" إلى فضاءاتٍ حيويِّةٍ تتفاعل مع مُشْكلات المُجْتمع، وتُحَقِّق "شُرُوط التَّنْمية" و"مقتضيات النَّهضة"، وتتعرَّف على "رُوح العَصْر"، وتَسْتوعب حقائِقَه ومُقَوِّماتِه.




ومرّةً أخرى تبرز في هذا المقام مجموعةٌ من الأسئلة:
1)هل يُمْكِن الحديث عن "مُسْتقبَل الثقافة العربيّة" بمَعْزِلٍ عن عَصْرها وطبيعته العِلْميّة - التّقنيّة؟.
2) هل يُمْكِن تصوُّر ثقافةٍ فَاعِلةٍ في مُجْتمعها دون تحوُّلها إلى ثقافةٍ مُنْتِجةٍ وخلاّقةٍ ومُتفاعِلةٍ مع "شُرُوط العَصْر" ومواصفاته؟.
3)أليس من العجب العُجاب أنْ يُـراد لآليّات "العلوم والتّقنية" والتّطوُّرات المُعاصِرة أنْ تَعْمل في فَرَاغ؟.
4)هل ما زِلْنا - بعْد كُلّ هذا الإخْفاق والفشل على طريق "النَّهْضة الشَّامِلة" - نقول إنّ ثقافتنا، التي تُشَكِّل عُقُولنا، هي على خير حالٍ، وكلُّ ما تَحْتاجه هو فقط مَسْحَةٌ هنا ولَمْسَةٌ هناك؟.
5) ألا يَفْرض علينا "المَنْهج العِلْميّ" مُراجَعةً جِذْريّةً ووقفاتٍ جادّةً ونظراتٍ صارِمةً أمام طبيعة "الثقافة" السّائِدة، ومدى مُلاءَمتها للتّغيُّرات، وتجاوبها لمُقْتضيات العَصْر، وقُدْرتها على "الاسْتجابة" لطبيعة "التَّحدِّيات" المُتفاقِمة - نَوعَاً وكَمَّاً -؟.

وهنا تدخل "الثقافة العلميّة" بكلّ ثقلها على "المسرح الثقافيّ" فهي القادرة على توفير
شروط "التَفاعل مع العصر"، وامتصاص معطياته، والإسهام في حراكه. ولكن: (ما هي "الثقافة
العلمية"؟)؛ وكما تتعدّد تعريفات "الثقافة"، فإن تعريفات "الثقافة العلميّة" تتنوّع بين الكمّيّ والكيفيّ والاجتماعيّ والفكريّ والمنهجيّ والعمليّ، إلاّ أني أفضّل أن أوجزها في تعريفَيْن:
1)أسْتعير مقولة جورج سارتون بأنّ: ("العلوم الحديثة" هي "شُموليّة المَعْرفة الإيجابيّة")، فأقول بأنّ: ("الثقافة العِلْميّة" هي "شُموليّة الثقافة الإيجابيّة") ليتجلَّى بذلك دورٌ أرْحب، وتَبْرز تداعياتٌ أكْبر، لـ"الثقافة العِلْميّة".
2)وأما التّعريفُ الآخر الذي أراه مناسباً لمصطلح "الثقافة العلميّة" بكلّ امتداداته وتشعّباته والتفاف دوائره حول حياة الإنْسان بكلِّ أبْعادها ومضامينها؛ فهو: ("الثقافة العلميّة" هي "المُحْتوى العِلْميّ - التّقنيّ – الفِكْريّ" القَادِر على القيام بعمليّة "التّأْهيل الثقافيّ" للمُجْتمع ليتمكَّن من خوض غِمَار "مُجْتمع المعْرفة").

هل قلتُ "مجتمع المعرفة"؟؛ هذا المصطلح الذي هجم على المجتمعات بتنوّعاتها في "زمن العولمة" ليكون هدفاً تلهث وراءه كلّ المجتمعات؛ المتقدّم منها والمتخلّف؟.
إذاً لا بُدّ أنْ نتوقَّف هنا أمام مُصْطلح "مُجْتمع المَعْرفة" لنُجد أنّنا نقف أمام مُصْطَلَحَين مُتَكَامِلين، وهما "مُجْتمع" و"معْرفة"؛ فالأساس في هذا التّرْكيب هو "التّفاعُل المُجْتمعيّ" مع "المعْرفة"، وجعْلها مُتاحَةً لكلِّ فئات المُجْتمع؛؛؛ فـ"مُجْتمع المَعْرفة" يَطْمح إلى تكْوين "المجموع البشريّ" الذي يتفاعلُ - بحيويّةٍ - مع "الانْفجار المعْلوماتيّ"، ويتعاملُ - بإيجابيّةٍ - مع المُعْطيات الإنْسانيّة والمعرفية والثقافيّة والبيئيّة، ويُطَوِّعُ - بمهارةٍ - حقائق "الثّورة العِلْميّة" المُتنامِية عبْر الكوكب الأرْضيّ وفي آفاق المجرّات الكونيّة.
وأمّا أبْرز خصائص "مُجْتمع المعْرفة" فهي: (الكفاءة العالِية في تأْمين النَّفاذ إلى المعْرفة
والمعْلومات للجميع)، ممّا يضعنا من جديد أمام مفهوم "الثقافة" كوسطٍ ووسيلةٍ لتجذير المعرفة والعلوم مجتمعيّاً. ولا شكّ أن ذلك يتطلَّب جُهْداً كبيراً لإعادة صوغ "الثقافة" بما
يتناغم مع مُتطلَّبات "مُجْتمع المَعْرفة" وضَوابِطه.
يحضرني هنا السؤال الاستنكاريّ الذي كان يطرحه الدكتور راشد المبارك في ضوء هذه الحال الثقافية - التّنموية المريعة، فكان كثيراً ما يسأل: (هل تكمن المشكلة في جينات الإنسان العربي؟). بطبيعة الحال كان الدكتور راشد المبارك يعرف الجواب؛ فجينات "العَقْل العربيّ" ليستْ جِيناتٍ مُخْتلفةً عن جِينات عُقُول بقيّة البشر، ولكن هذا الحال المُزري هو نِتَاج "ثقافةٍ" يَسْبح "العقل العربيّ" في أمْواجها، ويَقْرأ بلُغَتها، ويَحْلُم بأحاسيسها، ويُفَكِّر بمُعْطياتها، ويَحْتَكم إلى قِيَمها، وهذا يَجْعلني أطْرح السُّؤال:
(هل يُمْكِن إعادة تَشْكيل "العَقْل العربيّ" وتَرْميم خلاياه دون إعادة صِياغةٍ كَامِلةٍ لـ"الثقافة العربيّة" بحيث تحتلّ "الثقافة العِلْميّة" مَوقِعها الرّياديّ في "مَنْظومة الثقافة التَّنْمويّة"؟).
إن الحقيقة الثّابِتة التي لا مراء فيها أنّه عندما تَزْدهر "ثقافة العِلْم" بين النّاس، ويتبَلْور "التَّفْكير العِلْميّ"، وتتغلْغل جذوره في "النَّسيج المُجْتمعي"، فإنّ النَّاتِج التّلْقائيّ هو اضْمحلال قرارات "الجَهْل" المَبْنيّة على المِزاج اللحظيّ والارْتجال التعسُّفيّ.




في الواقع أنّنا لو نظرنا إلى أيٍّ من المصطلحات والمفاهيم المرتبطة بالحياة المعاصرة لوجدنا أن "الثقافة العلميّة" تقوم بدورٍ رئيسٍ في تشكيله أو تحديده أو تعميقه أو بلورته أو تفعيله أو تأصيله. فكلّ المصطلحات المعاصرة مثل: "الحداثة" و"الحضارة" و"العولمة" و"مجتمع المعرفة"، و"اقتصاد المعرفة" و"التنمية المستدامة" و"تنويع مصادر الدَّخل"، وغير ذلك كثير؛ كلُّها تلتفّ حول مفهوم "الثقافة العلمية" لتتضح أبعاد هذه المصطلحات، ومراميها،
وطرق تفعيلها، وسبل تأصيلها.
لنأخذ على سبيل المثال ذلك المصطلح الرّائج بين حَامِلي "الهَمّ الثقافيّ"، ويَكْثر تَرْديده بين صَانِعي "القرار الثقافيّ"، وهو مُصْطلح "تَنْمية الثقافة"؛ فهذا المُصْطلح يقف هَائِماً غائماً حائِراً لأنّه لا يُجِيب على أسْئلةٍ عديدةٍ من أهمّها: (ما هي تلك "العناصِر الثقافيّة" التي نَحْتاج إلى تَنْميتها؟، وما هي تلك "التّوجُّهات الاجْتماعيّة" التي نُريد غَرْسها لتَنْمو وتَزْدهر؟، وما هي تلك "المعاني الفِكْريّة" التي نُريد لثقافتنا أنْ تَرْقى بها؟؛ ؛ ؛ وهل "الثقافة" التي نُريد تَنْميتها هي الأشْكال المَعْهودة بعَجَرها وبَجَرها؟، أمْ هل لدينا مجاهِرُ تَفْصل الغَثّ عن السّمين، ولدينا مواصفاتٌ تُحَدٍّد ماهيّة ذلك الذي نُريد تَنْميتَه، وذلك الذي ستكون في تَنْميتِه نتائِجُ وسلبيّاتٌ لا تَنْسجم مع "مُقْتضيات التَّنْمية" و"شُرُوط النّهضة"؟).
إن الحالة المحزنة التي تكرّرت على مدى قرنين من الفشل والتخبُّط هي أننا عنْدما نَطْرح تلك الأسئلة الحَاسِمة عن "خصائِص الثقافة التي نُريد"، فإنّنا - عادةً - ما نجد أنفْسنا بين "مِطْرقة" تلك الثقافة الغَارِقة في الماضَويّة والمُنْغَمِسَة في أوهامها وتخيُّلاتها ونَرْجسيّتها، وبين "سِنْدان" تلك الثقافة الأُخْرى المُغايرة والمُرْتَمِية في أحْضان "حَدَاثةٍ" غريبة المَنْشأ والهُويّة لا تَعْترف بقِيَم المُجْتمعات العربيّة، ولا تَأْبه بثوابِتها، ولا تَسْتوعب تفاعُلاتها.
المحزن أنه في كلّ الحالات، وعلى امتداد ما سُمِّي "عصر النهضة"، كان "العَقْل العربيّ" يرتدّ على ذاته ليَنْغمس في عَواصِفه العَاطِفيّة وصِراعاته الأزليّة ونماذجه الماضويّة وأوهامه الجَانِحة؛ مُتَباكِياً تارةً، ومُسْتَعْلِياً تارةً أُخْرى؛؛؛ فهو يتمتَّع بحصانةٍ عاليةٍ ضدّ الاسْتفادة من التّجارب، ويتماهى مع "قُصُورٍ ذاتيٍّ" متمكِّنٍ يَحْجُب عنه الاسْتشرافات والإشْراقات والتّحدّيات، فهو يعيش دوماً تحت الوَهْم القَابِع في مَقُولة: (لنا الصَّدْرُ دون العَالَمِين أو القَبْر).
إنّ هذا الحال المتكرر على امتداد قرنين يماثل "حالة الجنون" حيث يُرْوَى عن ألبرت
آينشتاين قوله: (إنّ أحد تَعْريفات "الجُنُون" أنْ تُكَرِّر عمل الشّيء نفْسه مَرَّةً تِلْوَ الأُخْرى
مُتَوَقِّعاً أنْ تَحْصل على نتائِج مُخْتلفة).
أقول: حَدِّثوني عن "الثّقافة" التي تُريدون، وعن أنْماطها التي عليها تَشْتغلون، وعن
رُؤاها التي إليها تَطْمحون، وعن مساراتها التي ترسمون، أُحَدِّثكم عن "المُسْتقبَل" الذي إليه ستؤولون!.





لنأخذ أيضاً مصطلح "تنمية المَوارِد البشريّة" ، التي وضعته الخطط الخمْسيّة والعشْريّة والعشرينيّة على رأْس قائِمة أولويّاتها وبرامِجها، لنجد أن هذا "المُصْطلح" يبقى مُجَرَّدَاً من دلالاته، ومُفَرَّغاً من أبْعاده، إذا أَهْملنا "المَسْألة الثَّقافيّة" التي تُشَكِّل فِكْر الفَرْد وقناعاته وتوجُّهاته ومُمارَساته.
وأما قضيّة "نَقْل التّقْنية وتوطينها" التي احتلّت مساحاتٍ شاسعةً من أدبيّاتنا ومؤتمراتنا ومشاريعنا، فإنها تُمَثِّل أبْرز أشْكال الخَلَل النّاتج عن غِياب "الشَّرْط الثقافيّ"؛ فقضيّة "نَقْل التّقنية" تُراوح في مكانها في العَالَم العربيّ لأنّها توقَّفتْ عند شَكْلٍ واحدٍ من أشْكالها وهو "عمليّة الاسْتيراد"، ولم تَسْتوعب "التَّجْربة العربيّة" طبيعة هذه القضيّة التي يرى أرغيري إيمانويل أنّها عمليّةٌ ذات ثلاث مراحِل: "مَرْحلة الاسْتيراد"، و"مَرْحلة الاسْتيعاب"، ومن ثمّ "مَرْحلة خَلْق التّكْنولوجيا" وهي مَرْحلةٌ لا يُمْكِن أنْ تكون إلاّ: (مَرْحلةً مَشْروطةً بتقدُّمٍ مُسْبقٍ على الصّعيدين الاجْتماعيّ والثقافيّ يكون من الأهميّة بحيث يُشَكِّل في الواقِع قَفْزَةً نَوعيّةً بالنِّسْبَة للمَرْحلة الثّانية.. أيْ مَرْحلة الاسْتيعاب).
بإيجاز؛ إنّ "الثقافة العِلْميّة" ثقافةٌ تمكينيّة تقوم بدورٍ رئيس في عمليّة التّمْييز بين الجيِّد والرَّديء، والفَرْز بين الحَسَن والسَّيئ، وربْط المجتمع بعصره، وتمكينه من الفرص للانطلاق في آفاق الابتكار والتطوير والإبداع؛ وهي القادرة على ضبط اتِّجاه "بَوْصَلَة الحراك الثقافيّ" نحو "الفَاعِليّة الاجْتماعيّة"، وهي تُمثَّل الإجابة على السُّؤال الاسْتنكاريّ الذي طرحه جلين سيبورج بقوله: (مَنْ في زماننا هذا يَسْتطيع أنْ يقوم بنَقْدٍ مَقْبولٍ للحياة دون مَعْرفة قِيَم وطُرُق وديناميكيّة العِلْم؟).
ولذا، وفي ضوء الأسئلة المطروحة بإلحاح على "مسارات التّنمية" و"هموم النّهضة"، نجد أن قضيّة "الثقافة العلميّة" جديرةٌ بأنْ تُصْبِح هَاجِساً يوميّاً في تفاعُلات الأُمّة لأنّها - دون مُبالَغةٍ – هي "القضيَّة الأَهَمّ"، فهي - بحقٍّ وحقيقٍ – "الطَّريق إلى المُسْتقبَل" ممّا يُوجِب السُّؤال التّالي: وهو السُّؤال الأخير في هذه العجالة:(أين طُروحاتنا وإعْلامنا وثقافتنا وتَعْليمنا وخِطابنا الدَّعويّ والدِّينيّ واستراتيجياتنا الثقافية وجهودنا الفكرية من حالة "الاسْتِنْفَار العَامّ" اللازِمة لتأصيل وتفعيل هذه "القضيّة المصيريّة" في الفكر والحياة والمجتمع؟).
ودمتم سالمين.
د.خضر محمد الشيباني

التصنيفات