توظيف الفكاهة في سوانح حمد الجاسر

توظيف الفكاهة في سوانح حمد الجاسر
توظيف الفكاهة في سوانح حمد الجاسر
في ندوة (الوفاء ) الثقافية :

الناقد الدكتور محمود إسماعيل عمّار يحاضرعن : ( توظيف الفكاهة في سوانح حمد الجاسر).

الرياض: محمد شلال الحناحنة

( أقامت ندوة : " الوفاء " الثقاقية الأسبوعية لعميدها الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله في الرّياض ، محاضرة في ختام لقاءاتها الدورية في هذا الفصل وذلك مساء الأربعاء بتاريخ 5 /12/18 20 م بعنوان :( توظيف الفكاهة في سوانح حمد الجاسر) ألقاها الناقد الدكتورمحمود إسماعيل عمّار الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وقد قدم لهذا اللقاء الدكتور محمود الشرابي والتي بدأها بالصلاة والسلام على رسول الله وشكر القائمين على هذه الندوة أبناء المرحوم الشيخ أحمد باجنيد ، وذكر ما للفكاهة من تأثيرفي النفوس التي تكابد الحياة ، وكم نحن في أمس الحاجة إليها ومن ثم ألقى المقدم الدكتور محمود الشرابي مقتطفات من سيرة الأستاذ الدكتور محمود بن إسماعيل عمار المميزة بالعطاء والإبداع ، ومنها أنه عمل في التدريس والإشراف التربوي لمدة 24 عاماً ، وعمل وما زال يعمل في السلك الجامعي منذ 26 عاماً ، وعمل نائباً لمدير مركز البحوث والدراسات التربوية في كلية المعلمين في أبها ، وعمل وكيلاً لقسم اللغة العربية في كلية المعلمين في الطائف ، ومديراً لوحدة التدريب في مركز خدمة المجتمع في كلية المعلمين في الطائف ، وأشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة ، ويعمل الآن أستاذاً للأدب والنقد في كلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض ، وحضر هذا اللقاء حشد من التربويين والأدباء وجمهور من متابعي الندوة ومحبّيها ).

نبذة عن الشيخ العلاّمة حمد الجاسر

بدأ الدكتور محمود عمّار محاضرته بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ، وترحّم على روح الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله ، وشكر الداعيين لهذه المحاضرة ، و ذكر نبذة عن الشيخ العلامة حمد الجاسر رحمه الله والذي ولد سنة 1910 م في قرية البرود، وتوفي سنة 2000 م، وعاش في قرية اسمها الشرقة وكان والده فلاحاً ، كان مختلفاً عن إخوته بضعف بنيته وكثرة الأمراض فيه ، فقد كان إخوته يعملون مع والده في المزارع ، وهو لم يستطع ذلك لضعف جسده وكثرة أمراضه ، فدفعه والده الى الكتاتيب ليتعلم القراءة والكتابة ، وحفظ القرآن وكان هذا الطريق الذي صعد به إلى القمة ليكون علامة الجزيرة ، وليكون عضواً في كل مجامع اللغة العربية ، في بغداد وفي دمشق وفي القاهرة ، وفي عمان ، وأنجز كماً كبيراً جداً من المؤلفات .

من سوانح الذكريات

وتحدّث المحاضر الناقد محمود عمّارعن مؤلفات الشيخ حمد الجاسر ومنها كتاب صدر له بعد وفاته وهو " من سوانح الذكريات " ، والسانحة عند العرب هو الطير الذي يأتي من جهة اليسار إلى جهة اليمين ، ويكون صيده سهلاً ، فالعرب يتفاءلون من السانحة ، وبدأ الشيخ الجاسر كتابه هذا في بيروت سنة 1974م ، وقامت الحرب الأهلية في لبنان وضاع كثير من تراثه وممّا كتب ، ولما جاء إلى المملكة أثناء حرب لبنان استأنف الكتابة عن حياته ، وبدأ يكتب مقالات شهرية في المجلة العربية ، من رجب عام 1406 هـ إلى رجب عام 1417 هـ ، ممّا يعني أنه استمر في كتابة هذه السوانح إحدى عشرة سنة بالتوالي ، وانتقل إلى رحمة ربه وهي متفرقة ، ولما أسس مركز حمد الجاسر بمشورة أصدقائه وعلماء المملكة وساستها ، جمعت هذه المقالات المتفرقة في كتاب من ألف ومئة وخمسين صفحة ، في جزأين ، ورتبت حسب تاريخ نشرها ، وأشرف على طباعتها مركز حمد الجاسر، وتم طباعتها من قبل دار اليمامة التي أسسها هو قبل وفاته ، وراجعها الدكتور عبد الرحمن الشبيلي ، والكتاب في منتهى المتعة ، فإذا أمسكته فإنك لا تكاد تفارقه حتى

تنهيه ،فمفرداته لا تصعد إلى القمة ولا تهبط إلى العامية ، فقد وظًف اللغة توظيفاً حياً بطريقة عصرية مرنة ، ويكني بالكتاب نفسه بكلمة "صاحبنا" ، فهو يأبى بأن يقول صنعت وفعلت ،وهذا نوع من تواضع العلماء في كتابة السيرة الذاتية السردية الروائية ، ولا يقصد بها بأنها تقص حياته بالترتيب ، ولكن كل مشهد وكل حادثة فيها ترجمة لصاحبها ، وقد استشهد الدكتور محمود عمّار بمقال من مقالاته في وصفه الصحراء عندما رآها لأول مرة في سن 18 عاماً ، وشدد الدكتور المحاضر بأن أبرز ما في الكتاب أنه يعكس الثقة بالنفس ، فتجده يصف نفسه بين حين وآخر بالغفلة والبلاهة وهذا من فرط الثقة ، وتشعر بأنه لا يخفي شيئا في كتابه، وبأن نفسه ليس فيها تعقيد أو التواء ، وقد صور طفولته بمنتهى الدقة بذكر الأمراض التي أصيب بها ، ومواقفه مع إخوته ، فيذكر اعترافات عن نفسه " إن من أسوأ صفاتي شدة الحياء ، والتلعثم في الكلام ، وإحساسي المرهف كان شديد التأثر بما جرى لي من أيام الطفولة وما اعتدت سماعه من النسوة اللاتي يقمن بتربيتي من كلمات التخويف والترهيب ، ومما يخبئه الظلام من الأرواح الشريرة حتى أصبح الإحساس بهذا العدو الخفي للإنسان عقيدة راسخة في ذهني ، وأصبحت خرع الفؤاد كثير الخوف " ، وأيضا فإن حمد الجاسر قد أصرّ في كتاباته على مذهب لغوي معين ، بأن يكتب كل ما ينطق .

نوادر مبتسمة

وبيّن الدكتور عمّار بأن هذه المحاضرة تتحدث عن مجموعة أحداث غرائبية تقترن بالابتسام ، فهي نوادر مبتسمة ، وتترجح بين النوادر وبين الفكاهة وتجتمع فيها العبرة والتأمل والابتسام في الوقت نفسه ، وقد ذكر الدكتور محمود عمّار بأن فكرة توظيف الفكاهة في كتابات حمد الجاسر قد راودته منذ ثلاثين عاماً ، عندما استمع الدكتور عمّار وهو في أبها لعدة محاضرات عن الشيخ حمد الجاسر ، وقد علق عليها بأن الذين يتحدثون عن حمد الجاسر يغفلون عن جانب مهم في كتاباته ، وهي الفكاهة ، وهي ميل طبيعي للإنسان لا يقلل من وقاره أو من سنه ، فكثير من الفكاهات تهدف إلى غرض معين ، فلا تقصد لذاتها ، إنمّا لوظيفة فكرية أو وظيفة ثقافية ، لذلك هي هزل في أولها لكن الغاية منها هي غاية جدية ، والشيء يأخذ حكم غايته ، ومن أبرز العوامل التي شكلت الفكاهة والنوادر عند حمد الجاسر عدة عوامل أبرزها ؛ العامل الزمني : فتاريخ ولادته وفترة حياته لمدة تسعين عاماً، هذه

الفترة الطويلة الممتدة حدثت فيها تصادمات وعادات ثقافية وحضارية كثيرة، وتطور في الحياة الاجتماعية بين القديم والحديث ، وتطور فكري بين الأدباء والعلماء ، فلابد أن يحدث نوع من التصادم السلوكي في كثير من المواقف ، فترتب عليه وقوع كثير من النوادر ، والعامل المكاني : فقد اقتضت منه حياته الوظيفية أن يدور في كل أنحاء المملكة ولا يقيم في كل مكان أكثر من سنة أو سنتين ، والرحلات العالمية التي كان يطوف فيها أنحاء العالم ،فقد كان عاشقا للتراث وكان يبحث عن المخطوطات ، فلم يترك عاصمة أوروبية إلا وذهب إليها ،ولم يكن يملك معه إلا لغته العربية ، وكانت لهذا تحدث مواقف كثيرة معه ، لأنه لا يتحدث غير العربية . أيضا عامل تعدد الوظائف في حياته العملية : فقد كان يعمل عميداً لكلية الشريعة في الرياض ، وكان يعمل قاضياً في ضباء، كل هذا كان له تأثير كبير في حياته .

وقد قسم المحاضر الدكتور محمود النوادر عند حمد الجاسر إلى محاور معينة : اعترافات شخصية ، نوادر في التعليم ، نوادر بين الموظفين ، نوادر في القضاء ، ليالي مبيت غريبة ، وأخيرا رحلته إلى مصر ، وقد شدد الدكتور المحاضر بأن الثقة بالذات هي مصدر من مصادر التصريح ، وذكر بأن الشيخ حمد الجاسر مستنير ومنفتح الفكر في حياته، ومن نوادره بأنه في طفولته عندما كان يذهب إلى الكتاتيب ، طلب منهم المدرس وضع عمامة على رؤوسهم ، وهي قطعة توضع فوق الغترة وتكون من القماش الأبيض ، وقد طلب الجاسر من والده أن يشتري له العمامة ، فقد قام والده بشراء ستة أذرع من القماش الأبيض ، وقد قسمها الشيخ الجاسر إلى قطعتين من المنتصف فأصبحت اثني عشر ذراعاً ، فقام الجاسر بتدويرها ووضعها فوق رأسه ، وجسمه كان ضئيلا وصغير الحجم ، وقد صور الشيخ الجاسر هذا المشهد تصويراً كاريكاتيرياً متقناً ، وله العديد من المواقف الفكاهية في مجال التعليم وغيره من المجالات ، ومن نوادره في ليالي المبيت والمكتبات ، أنه في إحداها ذهب إلى ينبع مدرساً ، وقد استقبله الأمير في ينبع في ذلك الوقت واحتفل به احتفالاً باهراً ، وقد طلب منه الجاسر سكناً فرفض الأمير في ذلك الوقت وطلب منه السكن معهم في ضيافتهم ، وقد كانت غرفته فيها سرير من القش وما كاد أن يضع رأسه لينام إلا وأحس بلدغ في جسمه في كل مكان ، وقد ذهب للاغتسال مرات عديدة ، ولم يستطع النوم ليلتها ، وجلس حتى وقت الفجر وكان أول من دخل المسجد للصلاة ، وقد حدّث زملاءه بذلك ، وقد أخبروه بأن منطقتهم بها ذهب كثير، وقصدوا به البق ، ومما يستخلص من كتاباته أن قد أحب مدينة ينبع كثيراً ، وذكرها في العديد من كتاباته ، وله أيضاً الكثير من النوادر الطريفة أثناء رحلته للابتعاث في مصر .

وقد أنهى الدكتور محاضرته بدعوة الحاضرين لقراءة كتب هذا العالم الفاضل ، وقد شكر الدكتور الشرابي الدكتور العمّار على محاضرته القيمة ، وفتح مجالاً للمداخلات والمناقشات فيما يخص هذه المحاضرة .

المداخلات

وأول هذه المداخلات كانت لسعادة الدكتور محمد سليمان الشهري ، وقد بدأ الدكتور الشهري مداخلته بالصلاة والسلام على رسول الله وشكر القائمين على هذه الندوة ، وذكر أن أدب الفكاهة هو أدب موجود في الأدب الاسلامي والأموي والعباسي وقائم إلى يومنا هذا ، وقد تساءل الدكتور الشهري عن تأثير هذه الفكاهة في عصرنا اليوم في ظل غزو وسائل التواصل الاجتماعي ، وتداول الطرف تحدث انهزامية في داخل الشخص ، وذكر مثالاً أنه في زمن الانتداب البريطاني على مصر حينما أدرك البريطان أن من هذا الشعب من هم ذو بأس وذو قوة شديدة وهم أهل الصعيد ، فعملوا على إلباسهم الطرفة والفكاهة والنكت كي ينهزموا داخلياً ، وأجابه المحاضر بأنه من شعب إلى شعب يختلف مفهوم الطرفة أو النكتة فكثير من الشعوب يفلسفون واقعهم من خلال نكت معينة ، ففي أوقات معينة لا تستطيع بعض الشعوب التعبير عن آرائها فيلجأون إلى النكتة ، فوظيفة النكتة وظيفة مباشرة في مدلولها لكن لها وظيفة خفية ، وحذر الدكتور محمود عمّار من تداول بعض النكات التي تحدث ضرراً في المجتمع .

وأعقبها مداخلة للشيخ إبراهيم التركي : تساءل عن المقصود بالطيور السانحة بالنسبة للاتجاه اليمين واليسار، وأردف قائلاً أنه كما يعلم أن الشيخ حمد قد كان حاداً وجاداً في طبعه ، ومفاجأته بوجود طرائف ونوادر لديه ، وختم مداخلته بذكر طرفة حدثت في مصر أثناء حرب عام ال 1967 م ، وشكر الدكتور عمّار الشيخ على طرافة روحه ، ومداخلته القيمة ، وأوضح له بأن المقصود باليمين هو يمين الشخص أو يساره .

وأعقبه مداخلة للأستاذ عبد العزيز العمر : سأل عن مكتبة الدكتور العلامة حمد الجاسر في بيروت ماذا حدث لها ، وأردف محدثاً عن الفكاهة في زمن الرسول عليه السلام عندما كانت جالسة عنده عجوز وقال الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم " لا يدخل الجنة عجوز " فبكت العجوز وقد أضحكها النبي عندما تلا قوله تعالى " إنا أنشأناهنّ إنشاءً فجعلناهنّ أبكاراً عربا أترابا " .

وقد وردت مداخلة للمقدم من أحد الحضور : أنه من المعروف عن حمد الجاسر بأنه علامة الجزيرة في التاريخ وفي معرفة القبائل وبطونها ، فهل للندوة إتحافنا في إسهامات حمد الجاسر في تاريخ القبائل ، وأجابه الدكتور العمّار بأنه بصدد وضع اللمسات الأخيرة لكتاب عن العلامة حمد الجاسر ، يتكلم عن بعض الأنساب ومواضع القبائل في الجزيرة العربية .

وقد سأل أحد الحضور عن الشيخ العلامة حمد الجاسر أكاديمياً هل أكمل دراسته الجامعية ؟ وأجاب الدكتور العمّار بأن الجاسر رحمه الله قد أخذ العلم عن طريق المساجد والمشايخ ، فقد كانت المساجد في تلك الفترة تستقبل طلاب العلم ويوفرون لهم إقامة ورواتب ، فأخذ من أسرة آل الشيخ وتحديداً محمد بن إبراهيم آل الشيخ وأبنائه حسن ومحمد وعبد العزيز ، وقد ارتاد الجاسر المعهد السعودي الإسلامي في مكة المكرمة ، فقد كان مدمناً لقراءة المخطوطات ويلخصها في كتب عنده ، ولم يترك مدينة في أوروبا إلا وذهب إليها بحثاً عن المخطوطات.

وأعقبها مداخلة للأستاذ منصور بن عبد الله : تساءل عن الألف الممدودة التي كان يكتبها الشيخ الجاسر في كتاباته .وقد أجابه الدكتور العمّار بان الألف التي يكتبها الشيخ الجاسر في كلمتي ذلك وهؤلاء ( ذالك ، هاؤلاء) إنما كان نتيجة الهجوم على اللغة العربية ما قبل منتصف القرن العشرين ، فقد أصيبت الأمة العربية بنوع من البلبلة ، فالاستعمار كان يغزوها ، والتغريب كان على أشده ، والهجمات على اللغة العربية في ذروتها ، فقد كانت دعوات لترك اللغة العربية بحجة أن حروفها كثيرة النقاط ، وتأليف حروف جديدة ، ودعوات لاستعمال الحروف اللاتينية ، وتحويل اللغة العامية إلى لغة رسمية ، فكان للشيخ الجاسر بكتابته للألف في ذلك وهؤلاء رداً للهجمات على اللغة العربية في ذلك الوقت .

و تلاها مداخلة للمهندس محمد بن أحمد باجنيد بدأها بشكر الدكتور محمود عمّار على محاضرته القيمة ، وشكر الدكتور محمود الشرابي على حسن تقديمه وإدارته لهذه الندوة ، وذكر بأن هذه الأمسية هي مسك الختام لهذا الفصل ، واستئنافها على بداية الفصل القادم ، وقد ذكر المهندس محمد باجنيد موقفا طريفا للشيخ الجاسر في إحدى الرحلات .

وذكر الدكتور عمّار أن الشيخ الجاسر قد حصل على العديد من الأوسمة والجوائز ، منها جائزة الدولة التقديرية للأدب ، وذلك إجابة لسؤال للأستاذ عبد العزيز العمر والذي كانت له مداخلة إنشادية وكان منها :

لم تشتكي وتقول إنك معدم والأرض ملكك والسماء والأنجم

ولك الحقول وزهرها وعبيرها ونسيمها والبلبل المترنّم

إن كنت مكتئباً لعز قد مضى هيهات يرجعه إليك تندّم

وأتبعه مشاركة شعرية وإنشادية لفضيلة الشيخ إبراهيم التركي ، بمناسبة هطول الأمطار على شبه الجزيرة العربية .

وختمت المداخلات بدعاء عذب لفضيلة الشيخ عبد الله بافضل ، وتعقيباً للدكتور محمود العمّار بتميز هذه الندوة بروادها وحضورها ، وختم الدكتور الشرابي المحاضرة بشكر القائمين على هذه الندوة .

التصنيفات