تناول القرآن الكريم لأحداث السيرة النبوية سورة الأحزاب نموذجاً

تناول القرآن الكريم لأحداث السيرة النبوية سورة الأحزاب نموذجاً
تناول القرآن الكريم لأحداث السيرة النبوية سورة الأحزاب نموذجاً

بسم الله الرحمن الرحيم
في ندوة ( الوفاء ) الثقافية :
الدكتور عبد الله بن وكيل آل شيخ يحاضر عن :( تناول القرآن الكريم للسيرة النبوية في سورة الأحزاب نموذجاً )
الرياض : محمد شلال الحناحنة

أقامت ندوة ( الوفاء ) الثقافية الأسبوعية ضمن لقاءاتها الدورية بالرياض محاضرة بعنوان : ( تناول القرآن الكريم لأحداث السيرة النبوية سورة الأحزاب نموذجاً ) ألقاها الدكتور عبد الله بن وكيل آل شيخ وذلك مساء الأربعاء 3 / 7 / 1435 هــ , وأدار اللقاء المهندس محمد أحمد باجنيد , وقد حضره العديد من المفكرين والإعلاميين والأدباء والمثقفين .
القرآن الكريم كتاب هداية
بعد حمد الله , والصلاة على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم , شكر المحاضر الدكتور عبد الله آل الشيخ عميد ندوة ( الوفاء ) الشيخ أحمد باجنيد على ندوته المباركة , وعلى دعوته له في هذا اللقاء , كما دعا الله أن يجزيه خير الجزاء , كما شكر الحضور على تواصلهم , ثم قال : نريد أن نقف مع شيء من سيرته صلى الله عليه وسلم , وقد أضحت السيرة فنّا ألقيت فيه المؤلفات والمصنفات , ولكن هذه السيرة جاءت معالجة في القرآن الكريم في آيات محددة , وهي تختلف



عن معالجة كتب التاريخ وكتب السيرة من خلال ثلاثة أمور :

أ‌-إن القرآن كتاب هداية يهدي القلوب , ويشفي الصدور , ويصلح النفوس إذ قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ( الآية 2 من سورة الجمعة ) .
ب‌-نزل القرآن منجماً لأحداث السيرة التي وقعت , فهو يتحدث عن واقع هذه الأحداث لتثبيت النبي صلى الهن عليه وسلم وتثبيت أصحابه رضوان الله عليهم , قال تعالى في محكم آياته : ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) ( الآية 32 من سورة الفرقان , لقد جاء القرآن الكريم معالجاً للنفس البشرية من خلال الربط بالأحداث .



ت‌-القرآن الكريم هو حاضنة تربوية للفرد المسلم , والمجتمع المسلم , والأمة المسلمة , وقد عبر عن ذلك في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم , وفي الأحداث التي كانت مفصلاً في الأمة المسلمة مثل غزوة بدر , وغزوة أحد وغزوة الخندق , وغزوة تبوك , وورد ذلك في عدة سور إذ عبرت سورة الأنفال عن معركة بدر , وآل عمران عن معركة أحد , والأحزاب عن غزوة الخندق , والتوبة عن غزوة تبوك , ولا شك أن طبيعة المعالجة القرآنية تختلف كثيراً عن كتاب التاريخ والقرآن الكريم لا يدخل في التفاصيل , وانظر إلى قوله تعالى ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين . بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) الآيات 123 – 124 من سورة آل عمران .



وينتقل القرآن الكريم من الخصوص إلى العموم في التعبير عن الأحداث , فالعبرة بالعموم وليس بالخصوص كما نجد في حديث الإفك في سورة النور , وفي ذلك توجيه للمسلمين عامة في كيفية تعاملهم مع التهم , والافتراءات إذا وقعت , وكيفية تعاملهم مع ألسنة تقدح في أعراض المسلمين , وفي حادثة الإفك عبرة لنا جميعاً في جميع العصور وليس في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم , وصحابته رضوان الله عليهم :
( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم لكل امريء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم , ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين ) الآيتان 11 – 12 من سورة النور ويظل القرآن الكريم في بيانه معجزاً في معانيه وأفكاره وقيمه وألفاظه .



سورة الأحزاب في تناولها للسيرة النبوية

وتحدث المحاضر الدكتور عبد الله آل الشيخ عن غزوة الأحزاب التي كانت في شوال في العام الخامس الهجري , وجاءت وجعاً على وجع بعد استشهاد سبعين رجلاً من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد , وقد نزلت هذه الآية في غزوة الأحزاب كما يقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) الآية 214 من سورة البقرة .
وهذه الآية اشتملت على معنيين هما : تربية النفس على الصبر , والتربية على اليقين بنصر الله , وقدرته العظيمة مع الأمل والثقة بالله , ولعلنا نقف مع مقاطع من سورة الأحزاب التي عبرت بكل جلاء عن غزوة الأحزاب :
1-دعوة المؤمنين إلى تذكر النعم العظيمة التي أنعمها الله عليهم إذ أرسل على الأحزاب ريحاً شديدة اقتلعت خيامهم ودمرت جموعهم , وأعمت أبصارهم , وكذلك أرسل جنوداً من جنود الله لم يروها إذ يقول سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنوداً فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ) الآية 9 من سورة الأحزاب .
2-ذكر حال المسلمين ومعاناتهم وفزعهم وألمهم فقال تعالى ( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناً ) الآية 10 من سورة الأحزاب .
3-أما أهل النفاق الذين في قلوبهم مرض فقد كشفهم الله , وفضح مواقفهم وتثبيطهم للمسلمين في هذه السورة , فحين اعترضت المسلمين صخرة وهم يحفرون الخندق , أخذ المعول نبي الله صلى الله عليه وسلم وكسرها بعد أن كبر , وبشرهم بفتح الشام وبلاد كسرى وهم في أحلك المواقف وأصعبها قال المنافقون يعدنا محمد بقصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع قضاء حاجته , وكانت حربهم الإعلامية في تخذيل أهل يثرب , وكيف يستطيعون مواجهة القبائل العربية التي حشدت لهزيمة المسلمين ؟! , وعبر القرآن الكريم عن ذلك أصدق التعبير : ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً , وإذ قالت طائفة منه يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً ) ( الآيات من 12- 13 من سورة الأحزاب .
4-ويعبر المشهد الرابع عن أخلاق المنافقين ونظرتهم الدونية المادية النفعية للحياة فارين من قدر الله بعيدين عن الهدف الأمثل والرسالة الحقيقية لحياة الإنسان , خائفين على حياتهم بخيلين في بذل المعروف والخير , يلمزون المسلمين بألسنتهم الحادة , فقال تعالى ( قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا , أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينطرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيراً ) الآيات من 18 – 19 من سورة الأحزاب.
5-وتأتي الآيات الأخيرة في الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ووصف أهل الإيمان الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه , إذ يقول تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً . ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً . من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً ) الآيات من 21 -23 من سورة الأحزاب .
6-ثم تحدثت الآيات عن نصر المؤمنين ورد الكافرين واليهود بغيظهم بل قذف في قلوبهم الرعب ليكونوا بين قتيل وأسير وأورث المسلمين أرضهم وديارهم وأموالهم , فقال سبحانه وتعالى ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزا ُ . وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً . وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطأووها وكان الله على كل شيء قديراً ) الآيات من 25 – 27 من سورة الأحزاب .
وهكذا كان عقاب الكفار واليهود , وقد حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه بأن يقتل رجال اليهود وأن تسبى نساؤهم ، وقد أيد الله سبحانه هذا الحكم من فوق سبع سماوات !!



نافذة على الحوار

وفي الختام , كان لهذا اللقاء وقع في نفوس الحضور , والكثير من المداخلات والحوارات والأسئلة التي أجاب عنها المحاضر الدكتور عبدالله آل الشيخ , فدعا المهندس محمد باجنيد إلى الإقبال على القرآن الكريم , وعلى السيرة النبوية , أما الدكتور محمد سليمان الشهري فقد شكر أهل المنزل وعميد الندوة , وسأل المحاضر : ما الكتاب الذي تشير إليه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ؟! وأشار الإعلامي هيثم الأشقر إلى القصص الإسلامية المعبرة عن السيرة سابقاً المؤثرة في نفوس أبنائنا ..... وكيف استبدلت اليوم بألعاب الانترنت والتي تبث الفكر الضال المناهض للإسلام وأهله .
وأثنى الدكتور سعيد باسماعيل على الأسلوب الراقي للمحاضر وتمنى لو ظهر هذا في كتاب ليستفيد منه الجميع .
وقال الدكتور يحيى أبو الخير : إن سورة الأحزاب سورة عظيمة ففيها وحدات زمانية ومكانية , ووحدات للجماعات , وأحداث , ووحدات للجهاد , وفيها تنظيم علاقات للأمة الإسلامية مع غيرها .
أما الدكتور إبراهيم الفايز فقال : سيرته صلى الله عليه وسلم سيرة عطرة لا يشبع منها مؤمن , وكل مخلص تدمع عيناه عندما يقرأ كل فقرة في السيرة , وليتنا نعود لكتاب صور من حياة الصحابة للدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا رحمه الله , وكتاب الشيخ عبدالرحمن السعدي , وكتاب في ظلال القرآن لسيد قطب , وفقه السيرة للشيخ محمد الغزالي , وكتاب الإمام ابن القيم في السيرة , ودعونا ندرك , ونؤمن أن أهل الباطل مهزومون .



وسأل صبحي أمين : ما العلاقة بين اليهود والرابطة النصيرية ؟ وأشار الأستاذ سعد العليان أن أحد اليهود يستشهد على المسلمين بالقرآن فيقول : لماذا تنكرون علينا دخول فلسطين , وفي كتابكم القرآن الكريم الآية : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) الآية 21 من سورة المائدة .
وشكر الشيخ محمد بافضل عميد الندوة وأبناءه على ما يقدمون , وأثنى على المحاضر لأسلوبه الرائع , وقال : نحن بحاجة إلى دراسة السيرة النبوية لأخذ العبر , ثم دعا بالنصر لإخواننا المسلمين في اليمن الشقيق , ودعا بالنصر للتحالف في عاصفة الحزم , ولكل المجاهدين في سبيل الله , ودعا الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها الأبي , ودعا على أعداء الدين وعلى الحوثيين المعتدين , ودعا للمسلمين جميعاً .
وأخيراً , شدا الشاعر المبدع الدكتور عمر خلوف قصيدة رائعة تتدفق جمالاً وفنًا وعذوبة تحدث فيها عن الشعر الملتزم المعبر عن قضايا الأمة مقابل الشعر العبثي , وقد نالت القصيدة إعجاب الكثيرين من جمهور الندوة .


التصنيفات