الاختصاص القضائي وامتداده

الاختصاص القضائي وامتداده
الاختصاص القضائي وامتداده

(أقامت ندوة (الوفاء) الثقافية في الرّياض ضمن لقاءاتها الأسبوعية الدورية  لهذا الفصل محاضرة بعنوان : ( الاختصاص القضائي وامتداده ) .
  قدّمها فضيلة الشيخ الدكتور نجيب بن عبد الرحمن الصبي إمام وخطيب جامع الإمام في حي الحمراء ، وعضو الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية للكتاب والسنة التابعة لرابطة العالم الإسلامي ،  وذلك مساء الأربعاء  4-12 -2019م، وقد أدار اللقاء الدكتور يحيى أبوالخير وحضرها نخبة من التربويّين والمفكرين والأدباء وجمهور من رواد الندوة ومتابعيها. 

لي شرف عظيم بإدارة هذه الندوة المباركة في رسالتها 
بدأ هذا اللقاء الدكتور يحيى أبو الخير الذي قدم الضيف الشيخ الدكتور نجيب بن عبد الرحمن الصبي فقال :
 إخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، الحمدلله على فضله ومنه وكرمه أن هيأ لنا هذه الفرصة أن نلتقي في هذه الدار الكريمة العامرة إن شاء الله بكم وبأهلها أجمعين في دار عميد هذه الندوة ندوة الوفاء رحمه الله الشيخ أحمد باجنيد الذي بذل كل ما في وسعه لكي تنهض هذه الندوة برسالتها ودورها العظيم الذي قام به والحمدلله أن قيّض لهذه الأسرة الكريمة هؤلاء الأبناء البررة الذين ساروا على درب والدهم وعلى منهجه وجزاهم الله خيراً ، وأشكرهم أن أحسنوا الظن بي واختاروني لإدارة هذه الجلسة الكريمة التي سعُدت جداً حين دعوني لإدارتها ، وعرفت بأنني أتشرف بهذه الإدارة لمحاضرة قيمة لقامة قيّمة لأخ عزيز وشقيق هو  فضيلة الشيخ الدكتور نجيب الصبي الذي عُرف حفظه الله بنبله وكرمه وعِظم أخلاقه ، وقد عاشرته عددا من السنوات ، وتشرفتُ بمعرفته... وجدته ذاك الأخ الكريم الشهم النبيل الذي أجمع كل الناس الذين التقيتُ بهم على حبه وعلى الثناء عليه ، يسعدني هذا اليوم أن أقدم أخي الدكتور نجيب وأن نسعد بما سيطرحه علينا في موضوع الاختصاص القضائي في المملكة العربية السعودية ، وهو موضوع شغل فكر الدكتور نجيب عدداً من السنوات ، واستطاع أن يجتاز حاجز العوائق وأن يأتي بعمل جليل مجيد يُذكَر فيُشكر له ، ونحن الليلة نستمع إلى ما وصلت إليه نتائجه الكريمة في هذا المجال ، وقبل أن أقدم السيرة الذاتية للدكتور نجيب أود أن أرحب بأخي الأستاذ سعد أبي قيس حفظه الله على الحضور، وهو شخصية معروفة له باعٌ طويل في مجال التعليم والتربية وأدار عدداً من المدارس في بلادنا الفتية الكريمة ، كما أحب أن أرحب بابني الكريم فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن نجيب الصبي أيضاً على حضوره وهو من الشباب الذين نؤمل في عطائهم دائماً إن شاء الله ، وأرحب بكم جميعاً ، بالنسبة للسيرة الذاتية وهي غنية جداً .. الشيخ نجيب بن عبدالرحمن الصبي ، حاصل على بكالوريوس الشريعة من كلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وماجستير أنظمة قسم السياسة الشرعية من المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ودكتوراة من شعبة الأنظمة في قسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، معلم العلوم الشرعية بوزارة التربية التعليمية ، إمام وخطيب لعدد من الجوامع منذ عام 1418 هـ وهو الآن إمام وخطيب جامع الإمام في حي الحمراء، عضو الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية للكتاب والسنة التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، وعضو سابق في عدد من الجمعيات واللجان الخيرية ، له مشاركات كثيرة في عدد من الدورات العلمية الشرعية ويشرح في عدد من المتون العلمية وله عدد من البحوث والأوراق العلمية والشرعية من أبرزها امتداد الاختصاص القضائي في النظام السعودي –  دراسة تطبيقية مقارنة وهي رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة ، ومن أبحاثه المسؤولية العقديّة لمجلس إدارة الشركة المساهمة – دراسة مقارنة وبحث مقدم لنيل درجة الماجستير ، وأيضاً إثبات الدعوة الجنائية-التعزير بالمال أخذاً ، وأيضاً القوة القاهرة والحادث الفجائي في الفكر الإسلامي .. نترك المجال لمحاضرنا للحديث عن موضوعه .

الشكر لأصحاب هذا المجلس أسرة باجنيد حفظهم الله داعياً لوالدهم الكريم بالمغفرة !
وبدأ  الدكتور نجيب الصبي محاضرته قائلاَ: بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، بادئ ذي بدء أشكر الله عز وجل أن يسر لي اللقاء بهذه الوجوه الطيبة  ، ومُثنياً بالشكر والحمد لأصحاب هذا المجلس أسرة باجنيد حفظهم الله داعياً لوالدهم الكريم رحمه الله بالمغفرة وأن يجعل عقبه الصالح خلفاً مباركاً ، وأقدم الشكر لمدير هذه الندوة ومقدمها والدي الدكتور يحيى أبو الخير وجاري ومعلمي ، وأنتم تعرفونه ولا حاجة للثناء عليه بحضوركم ، نبدأ بادئ ذي بدء بموضوع هذه الندوة وأحب أن أقصره وأضع محددات له ، سنتكلم عن القضاء في النظام السعودي ، وعن القضاء الشرعي المتمثل بالقضاء العام ، وديوان المظالم والمحكمة الجزائية المتخصصة ، لماذا نتحدث عن الاختصاص القضائي ؟ الاختصاص القضائي مهم ولذك دائماً يُذكر في الأنظمة في مقدمات النظام أو في آخره ، لكن بالنسبة للأنظمة القضائية كنظام المرافعة الشرعية وغيرها الأبواب الأُوَل فيها هي للاختصاص القضائي ، فالاختصاص القضائي يمهد لك البدء الصحيح بالدعوة القضائية ، بمعرفتك المحكمة المختصة لدعواك فتتجه إليها مباشرة وتختصر الوقت والجهد ، فإذا عرفنا أن 25% من القضايا المرفوعة للمحاكم رُدت لعدم الاختصاص ، وهذا يعني أن 25% من أوقات القضاة هي هدر لأنها لم تصرف في موضعها الصحيح و25% من جهد المتقاضين ذهبت هدراً ، وأيضاً المتداعين الآخرين لأن دخول هؤلاء الذين يرفعون دعواهم في أماكن غير مختصة سيباعد الوقت للدعاوى التي تختص بها المحكمة فتتباعد المواعيد بسبب تكاثر هذه الدعاوى التي لا تختص بها هذه المحاكم ، وهذا أمر مهم ينبغي أن يراعيه صاحب الشأن في رفع دعواه ، أيضاً يهمنا نشر الثقافة القانونية التي لا يستغني عنها ، خاصة من له علاقات تجارية كثيرة أو علاقة بالعامة ويحتاج إلى القضاء بشكل كبير ، أيضاً مساهمة في توفير جهد ووقت الخصوم والقضاة ، يمرّ بالعناصر التالية : تأصيل الاختصاص القضائي في الفكر الإسلامي ، ثم نعرج على الاختصاص القضائي الموجود ومعاييره ، ثم نتكلم عن حالات امتداد الاختصاص القضائي ، نتكلم عن امتداد الاختصاص القضائي لأنها في الحقيقة تخفى على بعض القضاة ، لذلك يحكم القاضي في بعض الحالات بعدم الاختصاص ولا يستأنف المدعي في دعواه ويصدر الحكم النهائي ، مع أن القاضي مختص في الحقيقة لأن مواد الاختصاص متفقة في الأنظمة ، وأنا في هذا البحث جمعت هذه المواد فيه . القاضي أساساً هو نائب عن الإمام العام ، والإمام الأعظم للدولة الإسلامية هو المختص بالقيام بسائر شؤون الدولة ومنها التقاضي ، ولا شك أن السلطة القضائية هي ثلث الدولة الإسلامية ، فالدولة الإسلامية عبارة عن سلطة قضائية وسلطة تنظيمية وسلطة تنفيذية ، والأصل في ولاية القضاء أن القاضي ولايته عامة ، فكل شخص شملت الإمام ولايته يستطيع القاضي أن يشمله بقضائه ، والقضاء في الفقه الإسلامي على نوعين إما قضاء عام ويسمى تقليد عام وهو أن يقلد الإمام القاضي جميع شؤون البلد فتشمله ولايته الأحوال الثلاثة جميع البلد وجميع أهل البلد وجميع الأيام ، ويقلده النظر في جميع الأحكام ، والتقليد الخاص أن يقيد الإمام نظر القاضي فيما تقدم من حيث المكان أو الزمان أو الأشخاص أو الأقضية ، فيقول له أنت تقضي فقط في المداينات أو الجراحات أو التعزيرات أو البيوع أو كذا ، ويصرف نظره عن بقية الأنواع من الأفضية أو أن يقول أنت قاضٍ في هذا البلد ، ولا يجوز له إذا حدد مكانه أو نوع القضاء الذي يقضيه أن يقضي في غيره ، ولو حدد له أن يقضي مكاناً في البلد لا يجوز له أن يقضي في سواه من الأمكنة ، فيقول له أنت تقضي في المسجد فلا ينفذ حكمه خارج المسجد ، فإذا قيده ولي الأمر تقيد ، يقول ابن قدامة رحمه الله : " ويجوز أن يولي قاضياً عموم النظر في خصوص العمل " يقصدون بعموم النظر اي عموم الموضوعات ، ويقصدون بخصوص العمل أي المكان ، أي أن يكون ولايته عامة في جميع القضايا لكن في مكان محدد ، أو أن تكون ولايته خاصة ببعض القضايا في جميع البلد وعمومه ، أو أن يكون خاصاً في كلتيهما أو عاماً في كلتيهما ، وتخصيص القضاء بالنوع جائز باتفاق أهل العلم ،  فله أن يعين قاضيين في بلد وله أن يجعل لكل منهما نوعاً محدداً من القضايا لا يقضي فيما عداها ، والأدلة على تخصيص القضاء بالنوع كثيرة ، منها قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " فأولي الأمر هم الولاة في المقام الأول أي الإمام الأعظم أو ملك الدولة أو الحاكم وهم المطالبين بالسمع والطاعة له ، ومنها حديث سعد بن معاذ رضي الله عنه في قصة بني قريظة لما نقضوا العهد مع النبي صلى الله وسلم في حادثة الأحزاب ، فلما قفل النبي صلى الله عليه وسلم وحاصرهم قال بنو قريظة لا نرضى قضاء إلا قضاء سعد فاقبل سعد وكان شاكياً قد أصابه سهمٌ لا يُعرف راميه وأتى إليه محمولاً على حمار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قوموا إلى سيدكم " فقال :" احكم فيهم " فخصص قضاءه في بني قريظة في هذه الواقعة فحسب ، فحكم فيهم سعد رضي الله عنه فقال : " لقد حكمت فيهم بحكم الملك " أي الله سبحانه وتعالى ، وأيضاً ما ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن خصمان جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يختصمان فقال :" قم يا عقبة فاقضِ بينهما " فقال : " يا رسول الله أنت أولى مني بذلك " قال : " وإن كان ، اقضِ بينهما " وهذا دليل على جواز قضاء المفضول بوجود الفاضل ، فقال : " قم فاقضِ بينهما فإن اجتهدت فأصبتَ فلك عشرة أجور وإن اجتهدت فأخطأت فلك أجرٌ واحد " وهذا دليل على أن عقبة بن عامر أمره الرسول صلى الله عليه أن يقضي بينهما قضاء خاصا في حادثة معينة بين أشخاص معينين ، من الأدلة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حذيفة رضي الله عنه أن يقضي بين رجلين اختصما في خُصّ - وهو بيت من حصير – فأخبره بقضائه فقال : أصبت وأحسنت ، وهذا فيه دليل من جهة أخرى على الاستئناف لأنه رفع قضاءه إلى النبي صلى الله عليه فأيد قضاءه ، وأيضاً يستدل له في فعل عمر رضي الله عنه أنه أمّر أمراء الأجناد وكتب إليهم ألا تُقتل نفسٌ دوني ، وهذا معناه أنه قصر الحكم على الجرائم الكبيرة التي تستحق القتل عليه هو رضي الله عنه وأرضاه  ، فلا بد أن ينظر فيها قبل أن يمضي الحكم ويُنفّذ وفي هذا دليل على جواز منع القاضي من النظر في بعض القضايا ، فكأنه قال لهم اقضوا في كل شيء إلا في قضايا القتل ، وأيضاً مقولة عمر رضي الله عنه ليزيد بن سعيد : " اكفني بعض الأمور " يعني صغارها فكان يقضي في الدرهم ونحوه ، وفي عمل عمر مع يزيد جواز تخصيص نظر القاضي بنوع معين من القضايا حسب جسامتها وهذا مما هو معمول به الآن ، وأيضاً مما يستدل به ما روي عن أبي عبدالله الزبيري أنه قال : " لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضياً على المسجد يسمونه قاضي المسجد يحكم في مئتي درهم وعشرين ديناراً فما دونها ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدر له " أي لا يتعدى القضاء في المسجد ولا ما وضع له كحد أدنى في القضاء ، وأيضاً مما يستدل به بأن القاضي نائب عن الإمام ووكيل له والوكالة تأتي عامة أو خاصة ، واشتهرت أمثلة على الاختصاص النوعي في العهد الإسلامي منها ما كان يسمى بقاضي المناكحات ويختص بعقود النكاح وما يتعلق بهم من الصداق والنفقة والكسوة والسكنة ونحو ذلك من متعلقات النكاح وتوابعه وأيضاً ظهر ما يسمى بقاضي الجراح ويختص بالنظر بالجراح يتثبت منها ويكتب ما يجب فيها على عاقلة المجني إلى صاحب الديوان حتى يخصمها من العطاء المخصص للعاقلة مقسطة على ثلاث سنين وهذا النوع مما أحدثه معاوية رضي الله عنه ، وأيضاً من أنواع القضاء الذي اشتهر في العهد الإسلامي قضاء الركب وهو قاضٍ موسمي يرافق ركب الحجاج إلى مكة فيفتيهم فيما يحتاجون إليه ويختص بالنظر فيما يقع بينهم من خصومة وأول ما ظهر في عهد الدولة العباسية ، وأيضاً من الأنواع قاضي الجند أو العسكر ويختص بالنظر في الخصومات التي تقع بين الجنود فيرافق الجنود الغازية في سبيل الله ويفصل بينهم ، وأيضاً قاضي البرّ أو قاضي المياه وهذا من الاختصاصات الجميلة إذ كان ولي أمر المسلمين يندب قاضياً إلى موارد المياه التي يفدُ إليها البادية ولا شك أن مواضع التجمع هذه يحصل فيها الخصومات فيورد إليهم ولي الأمر قاضياً يحكم بينهم في موضعهم حتى لا يتأخرون ، وأيضاً من أنواع الأقضية ما يُسمّى بقاضي الردّ ، وهو قاضٍ خاص يختص بالنظر في أحكام القضاة ، وما شك فيه القضاة وردوه عن أنفسهم .




أدلة التخصيص المكاني

وتحدّث المحاضرالدكتور نجيب الصبي عن أدلة التخصيص المكاني فقال :
ومن أدلة التخصيص المكاني أن أُرسِل معاذ بن جبل رضي الله عنه وأبو موسى الأشعري قاضيين عن اليمن على مخلافيه وكان اليمن مخلافان أي إقليمان فجُعل أبو موسى على مخلاف ومعاذ بن جبل رضي الله عنه على مخلاف ، ومنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث أبو عبيدة عامر بن الجراح قاضياً على نصارى أهل نجران وأيضاً بعث علياً رضي الله عنه قاضياً لأهل اليمن وفي حادثة مشهورة وهي حادثة الزبية ، وهو البئر أو الحفرة التي كانوا يحفرونها ليصطادوا بها الأسد فيضعون شيئاً من الأعشاب فوقه ليسقط فيها فحصل أن اجتمع الناس لرؤية هذا الأسد المُصاد فتدافعوا فسقطوا فمات أربعة فعلى من تجب الدية ؟ على من دفع وهو المتسبب أم المباشر ؟ فحكم فيها علي رضي الله عنه ثم رفعوا حكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيد حكم علي رضي الله عنه فقد جعل على الأول الربع وعلى الثاني الثلث وقسمها عليهم . 
أمّا وضع الأنظمة المعاصرة بالنسبة للتخصيص فبيّن أنّ الأنظمة المعاصرة سواء مسلمة أو كافرة تتبع أسلوبين في القضاء ، منها ما يسمى بالقضاء الشامل وهي أن المحكمة تختص اختصاصاً شاملاً بجميع الدعاوي التي ترفع إليها بدون تقييد مثل بريطانيا على سبيل المثال ،  فالقاضي فيها اختصاصه شامل ، فأي دعوى ترفع إليه سواء كانت قضية نفقة أو قضية خلاف على مبيع أو غيرها ينظر فيها فلا اختصاص له ، لكن لديهم تخصيص مكاني ، وبعض الدول تتبع هذا القضاء أظن مثل هولندا والنرويح والسويد ، وغالب الدول تتبع النوع الآخر وهو القضاء المختص فليس هناك من يشمل نظره جميع الأنواع من الأقضية ،  وإنّما هناك محاكم تختص كل محكمة منها بنوع معين من الأقضية ، ولا شك أن كل نظام له عيوب ومزايا ، لكن النظام القضائي المتخصص مزاياه أكثر بكثير من العام ومن ذلك : أن النظام المتخصص ضمان من ضمانات العدالة ، فلو كان القضاء شاملاً ربما يعرف المدعي قاضياً في المحكمة الفلانية فيرفع دعواه إليها ، أما القضاء المتخصص فقضيتك ودعواك من نوع معين يتعين مكان رفعها أياً كان القاضي الموجود فيها ، ومن مزاياه أيضا أنه يمنح القضاة دراية وتمكناً وتعمقاً في مجال اختصاصه في القضاء ، فكلما تكررت عليه قضايا من نوع معين صار أكثر دُربة وأهدى إلى الحكم فيها من القضايا العامة ، أيضاً فيها مراعاة لمصلحة الخصوم من حيث الاختصاص المكاني ، لأن القضاء ينعقد في المحكمة القريبة من مكان إقامة المدعي ، والأصل في التولية عندنا في المملكة العربية السعودية هو الاختصاص .

معايير الاختصاص

 وأضاف المحاضر:
أنّ هناك معايير تسمى قواعد الاختصاص وهي ثلاثة :
1. معيار موضوعي : وهو راجع إلى نوع الدعوى وموضوعها ، ويتحدّد به نوع الدعوى وموضوعها .
2. معيار شخصي : يرجع إلى المدعى عليه أو المدعي . وهو يختص بالأحداث إذا كانت الدعوى مقامة على حدث دون سن ال 18 فهناك محكمة خاصة تسمى محكمة الأحداث ، ولذلك الحدث لا يُسجن في السجون العامة وأيضاً لا يُستدعى إلى هذه الدوائر وإنما يذهب القاضي إلى غرفة معدة في مواطن الإيقاف ليقاضي الحدث فيها. 
3. معيار مكاني : ويرجع إلى نطاق المحكمة المكاني . ويتحدد بناء على مكان المدعى عليه أو مكان العقار في الدعوى أو مكان وقوع الجريمة أو مكان القبض على المتهم .
وبهذا ينقسم الاختصاص إلى أربعة أنواع :
1. الاختصاص الدولي : وهو نطاق ولاية قضاء الدولة على الدعاوى ، فهل تختص الدولة مثلاً بخصومة رجلين إماراتيين ؟ أي ولاية القضاء في الدولة بنظر الدعوة إذا كان أحد عناصرها أجنبياً سواء المتنازع فيه أم أحد أطراف الخصومة أم كلا أطراف الخصومة أو محل نشوء الالتزام أو محل تنفيذ الالتزام . 
2. الاختصاص الولائي : وهو نصيب كل جهة قضائية ولدينا جهتان قضائيتان المحاكم الإدارية وهي ديوان المظالم ، والقضاء العام ويحوي خمساً من المحاكم ، ولهذا فإن سائر القضايا يختص بها القضاء العام عدا ما استثني لديوان المظالم ، ويختص ديوان المظالم بالدعاوى المتعلقة بالحقوق المقررة في نظام الخدمة المدنية والعسكرية والتقاعد ودعاوى الغاء القرارات الإدارية النهائية ، أيضاً القرارات التأديبية ، ودعاوى التعويض ، والدعاوى المتعلقة بالعقود التي تكون جهة الإدارة طرفاً فيها ، والدعاوى التأديبية التي ترفعها الجهة المختصة ، والمنازعات الإدارية الأخرى .
الاختصاص النوعي : ويقصد به تعيين اختصاص كل جهة أو طبقة من طبقات المحاكم التابعة لجهة قضائية واحدة بنوع معين من المنازعات التي منحها النظام حق الفصل فيها ، وهناك درجات من النظام : المحكمة الابتدائية في الدرجة الأولى ثم درجة الاستئناف ثم المحكمة العليا ، فالنظام لديه أنواع من المحاكم : المحاكم العامة والتجارية والعمالية والجزائية ، فالاختصاص النوعي يخصص كل نوع ، للمحكمة التجارية ما تقضي فيه والعمالية وغيرها ، لكل منها نوع ودرجة .
 ونأتي على محاكم القضاء العام :
وأولاها المحكمة العامة وسميت بذلك لأنها هي ذات الاختصاص الشامل إذا لم يوجد في البلد محكمة مختصة ، وتختص المحاكم العامة نوعياً بالدعاوى المتعلقة بالعقار من منازعة في الملكية أو حق متصل به أو دعوى ضرر من العقار أو من المنتفعين به  أو دفع الأجرة أو المساهمة فيه ، وتختص بإصدار صكوك الاستحكام لملكية العقار أو وقفيته ، وتختص بالدعاوى الناشئة عن حوادث السير وعن المخالفات المنصوص عليها في نظام المرور ولائحته التنفيذية ، أيضاً من اختصاصها الدعاوى الحقوقية بشكل عام والقيام الثابت أو المنقول فيما يتجاوز المئة مليون .
أما النوع الثاني فهو محاكم الأحوال الشخصية وهذه المحاكم كانت موزعة اختصاصاتها  قبل انشاء النظام الجديد ، وتختص بما يتعلق بالأحوال الشخصية كإثبات الزواج والطلاق والخلع وفسخ النكاح والرجعة والنفقة والحضانة والزيارة ، وإثبات الوقف والوصية والنسب والوفاة وحصر الورثة ، وحصة الوقف والقُصَّر ، وإثبات تعيين الوصي .
أما النوع الثالث فهو المحاكم العمالية ، وتختص بالنظر بكافة المنازعات العمالية الناشئة عن علاقة يحكمها نظام العمل ، مثل منازعة متعلقة بعقود العمل ، أو إيقاع صاحب العمل بجزاءات تأديبية ، أو الدعاوى المرفوعة بخصوص إصابات العمل والتعويض عنها ، أو الدعاوى المرفوعة لإيقاع العقوبات المنصوص عليها في نظام العمل ، أو المنازعات المترتبة على الفصل التعسفي من العمل .
أما النوع الرابع فهو المحاكم التجارية ، وتختص بجميع المنازعات التجارية الأصلية والتبعية ، والمنازعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات ، والدعاوى والمخالفات المتعلقة بالأنظمة التجارية ، ودعاوى الإفلاس والحجر على المفلسين ورفعها عنهم .
أما النوع الخامس فهو المحكمة الجزائية وتختص بالجرائم ، والقضاء الشرعي في السعودية يتبع الفقه الإسلامي ، والجرائم هنا على نوعين : جرائم القصاص والحدود ، والجرائم التعزيرية . 
وبعيدا عن الاختصاص النوعي فالاختصاص الرابع هو الاختصاص المكاني ، ويحدد النطاق الإقليمي للمحكمة من خلاله ، ويحدد هذا النطاق من خلال مكان إقامة المُدعّى عليه أو مكان وقوع الجريمة أو مكان القبض على المتهم ، إلا في بعض الحالات الاستثنائية .
حالات امتداد الاختصاص : وهي حالات استثنائية تتجاوز فيها المحكمة نطاق حدودها النوعي والمكاني لاعتبارات معينة موضوعية أو إرادية أو مكانية ، وتتلخص هذه الحالات في : 
1. حالة ارتباط الجرائم : فمثلا يجوز عرض جريمة تعزيرية أمام دائرة الحدود إذا ارتبطت الجريمتين ببعضهما .
2. الدعوى المدنية التبعية .
3. جرائم الجلسات : وهي الجرائم التي تحدث خلال جلسة الحكم .
4. امتداد المحكمة الجزائية المتخصصة . 
5. تنفيذ الأحكام الأجنبية . 


نبض الحوار

وفي الختام  شكرمدير اللقاء الدكتور يحيى أبو الخيرالمحاضر الشيخ الدكتور نجيب الصبي على هذه المحاضرة القيمة ساىلاّ الله له التوفيق .. وفتح الباب للحوار والمداخلات التي أجاب عنها المحاضر:
- بدأ الحوارات الأستاذ حمد الصغير فقال : سعيد هذه الليلة بحضور هذا العلم القضائي ، الحقيقة يشكو  بعض الناس في القضايا من التأخير أو التأجيل أو عدم البت ، ولذلك أتمنى من الدكتور نجيب أن يتحدث عن الحلول لهذه الأمور المنوطة به وبأمثاله من خلال علمه ومشورته ..
- أمّا الأستاذ أسعد رشيد فقال: أشكر أخي الدكتور نجيب ، وقد تفضل بذكر عدم الاختصاص حيث هنالك مشكلتان الأولى أن القاضي الذي يرد القضية بحكم عدم الاختصاص أتمنّى أن يردها في خلال جلسة أو جلستين وليس سنتين أو ثلاث ، الثانية : ذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كلف أحد الصحابة بالقضاء رغم أنه ردها للرسول بوجوده فألا تعتقد أن هذا يعد تحكيماً وليس قضاءً ؟
- واستفسرالأستاذ أحمد مشهور عن موضوع الشيكات المحجوزة ،فسأل من هي الجهة المختصة بالنظر في موضوع الشيكات المحجوزة بدون مبرر ثم صُرفت لصاحبها ؟؟ 
- أمّاالأستاذ حسين أحمد باجنيد فقد  استفسر عن المحاكم نفسها إذا كان على القضاة قضية فأين تُرفع ؟ كما سأل ما المقصود بتقنين القضاء ؟ وآخر سؤال هو : هل الملك باعتباره ولي الأمر له الحق في نقض الحكم ؟ 
- وأخيرا شكرالمهندس محمد أحمد باجنيد المحاضر الدكتور نجيب الصبي على هذه المحاضرة القيمة ... وشكر مدير هذا اللقاء والحضور والضيوف على متابعتهم وتشريفهم ندوة (الوفاء ) التي هي منهم وإليهم !!! 

        

التصنيفات