الأقوام البائدة في القرآن الكريم بين السردين الزمني والموضوعي

الأقوام البائدة في القرآن الكريم بين السردين الزمني والموضوعي
الأقوام البائدة في القرآن الكريم بين السردين الزمني والموضوعي


بسم الله الرحمن الرحيم
الأقوام البائدة في القرآن الكريم بين السردين الزمني والموضوعي
الأستاذ الدكتور/ يحيى بن محمد شيخ أبوالخير
عضو المجلس الاستشارى العالمى الاعلى لجامعة الملك سعود المستشار بمعهد الامير سلطان لأبحاث المياه والبيئة والصحراء وأستاذ الجيومورفولوجيا والأساليب الكمية فى الجغرافيا سابقا
محاضرة القيت فى ندوة الوفاء بالرياض
مساء الأربعاء 21-4-1441 الموافق 18-12-2019
يمتاز سرد القرآن الكريم للأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها بنمطين فريدين من نوعهما تضمهما سبعة عشرة سورة ونحو أربعمئة آية. وأول هذين النمطين هو السرد القرآني الزمني الذي تتسلسل فيه أخبار الأقوام وأحوالهم تاريخيا وفقا لطبيعة حدوث الوقائع ومجرياتها فى الزمان والمكان. أما الثاني فهو السرد الموضوعى الذى يعاد فيه قرآنيا ترتيب الأقوام وأحوالهم ترتيبا غير زمني وفقا لقضايا أو موضوعات متنوعة تقتضيها البنية المعلوماتية الزمكانية، وأغراض الخطاب القرآني في السورة أوفي الآيات المعنية بأولئك الأقوام وأحوالهم . وبناء على ماتقدم تعنى هذ المحاضرة إذن بتحديد مواضع هذين السردين في القرآن الكريم وإبراز طبيعتهما، وسبر أسباب تشكلهما، وتحليل أبعادهما الأسلوبية والمنهجية دون الخوض في ببلوجرافيا الأقوام أوفي تاريخهم. وعليه يمكن تتبع السرد الزمني للاقوام البائدة الجزيرة العربية وما جاورها في سبع سور قرآنية كلها مكية ما عدا الحج هى: الأعراف "الآيات 59-103"،وهود"الآية25-100"،وابراهيم"الآية8-9"،والحج"الآيات42-43"،والفرقان"الآيات35-38"،وغافر"الآية5 والآية31"،والقمر"الآيات9-42". أما السرد الموضوعي لهذه لأقوام فتبرزه عشر سور قرآنية أخرى جميعها مكية هى: الشعراء"الآيات 10-189"، والعنكبوت "الآيات 29-40"، والصافات "ألآيات 37-148"، وسورة ص "الآيات 12-13"، وفصلت "الآيات 13-18 والآية 45 "، وسورة ق "الآيات" 12-14"، والذاريات "الآيات 24-46"، والنجم "الآيات 36-37"، والحاقة "الآيات 4-10"، والبروج "الآيات17-18". أما الأقوام البائدة اللذين يشملهم كل من السرد الزمني والموضوعي في القرآن حديث هذه المحاضرة فهم: قوم نوح، وقوم هود"عاد"، وقوم صالح "ثمود "، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب "مدين "، وقوم فرعون. ويلحق بهؤلاء الأقوام أحيانا في بعض الآيات أصحاب الرس الذين هم فرع من ثمود ، وأصحاب الأيكة الذين هم فرع من قوم مدين، وقوم تبع كما هو الحال على سبيل المثال في سورة ق تحديدا التى قال الله تعالى فيها (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾). وقد تخلو بعض السياقات القرآنية في بعض الأحايين عن ذكر بعض الأقوام كما هو الحال مثلا عندما لم يذكر الله في سورة الأعراف ضمن السرد الزمني للأقوام البائدة قوم إبراهيم ، وكذلك لم يذكر ضمن السرد الموضوعي قومي عاد وثمود في سورة الشعراء، أو قوم ابراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة فصلت.
ولعله من المهم التنويه هنا إلى أن هذه المحاضرة تمثل نسخة منقحة ومزيدة ومحدثة لبحث بعنوان "نحو فهم السرد التاريخي في القرآن الكريم" نشرته في مجلة أدوماتو النصف سنوية المحكمة المتخصصة التى تعنى بتاريخ وآثار الوطن العربى في عددها التاسع والعشرين الصادر في صفر عام 1435الموافق ينايرللعام 2014م، ص ص 113- 122 بالشراكة مع أستاذي القدير أ. د. عبدالرحمن الطيب الأنصاري الإنسان، والعالم الأكاديمي البارز، والباحث المرموق، والمعلم الحاني القدير شافاه الله.

- طبيعة السرد الزمني
يعد السرد القرآني الزمني للأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها بكل تأكيد مصدرا هاما يمكن أن يستمد منه بدقة إطارهم التاريخي الذى يتعذر تتبعه في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل، وخاصة سرديات القرآن عن قومي عاد وثمود اللذين تفرد هذا الكتاب العظيم بذكرهما دونما سواه من تلك الكتب. وبوساطة فهم الطبيعة السردية للأقوام تتم أركان الاحتجاج بالقرآن مصدرا تاريخيا لأحداث عديدة يتسق إطارها الزمني مع ما وصل إليه علماء التاريخ والآثار من أخبار عن الأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها عن غير سبيل القرآن. ويعود السبب فى ذلك إلى أن القرآن يتحدث عن الحدث بكل تفصيل وعن الزمن بأدوات التاريخ القبلية والبعدية المعتادة مما يلقي ظلالا على منهجية لسرد قرآني تاريخي ذي أهمية خاصة. فعلى سبيل المثال(ملحق 1) أورد الله سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم آية على لسان موسى عليه السلام قال فيها: " أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۛ﴿٩﴾. وعلى الرغم من أن هذه الآية وردت في سورة ابراهيم، لكن لم يدرج فيها قومه ولا قوم لوط المتزامنان اللذان يرد ثبتهما تاريخيا بين قومي ثمود ومدين فى مواضع عدة أخرى من أطياف الأقوام البائدة المذكورة في القرآن. و مع ذلك تجمع هذه الآية بين الأداتين التاريخيتين القبلية والبعدية من ناحية والترتيب الزمني للأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها من ناحية أخرى. وفي المقابل، أدرج الله في آيتين من سورة الحج مالم يدرجه في سورة ابراهيم، ليؤكد مرة أخرى في هاتين الآيتين الطبيعة التاريخية التى أبرزتها سورة ابراهيم، ولكن هذه المرة عبر توظيف كامل أطياف الأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها حيث قال الله تعالى "وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ﴿٤٢﴾ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ﴿٤٣واصحاب مدين وكذب موسى...الآية". و تعد هاتان الآيتان بلا شك ثبتًا تاريخيا وتسلسلاً واضحًا بالقبلية والترتيب الزمني منذ نوح إلى موسى عليهما السلام. ولعل كل الأقوام البائدة بما في ذلك الفراعنة تحديدا كانوا على علم أو بعض علم بما جرى قبلهم من أحداث لها صلة بالكفر والإيمان ونتائجهما وهو ما تؤكده سورة غافر التى تعد حكاية عن حوار ونصيحة أسداها المؤمنون من آل فرعون إلى أتباعهم إذ يقول أحدهم: "وقال الذي آمن يا قومى إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب(30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلمًا للعباد(31). وفي سورة الفرقان يبين لنا القرآن الكريم حقيقة أخرى تفيد في تصورنا للإطار الزمني لتاريخ هذه الأمم ومن ثم تاريخ الجزيرة العربية وهي قوله تعالى: " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا ﴿٣٨﴾. ويفهم من هذه الآية أن التسلسل الزمني ليس مترابطًا أمة تلو أخرى لكن هناك قرونا بين ذلك. وباستعراض بعض آيات من كتاب الله من سور مختلفة نجد سردا زمنيا تفصيليا مدهشا للأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها يتسق مع ماورد في السور والآيات الآنفة الذكر. فعلى سبيل المثال يبدأ القرآن الكريم من الآية التاسعة والخمسين وحتى الآية الثالثة بعد المائة من سورة الاعراف بسرد تسلسل تاريخي عن أقدم الأمم التي كفرت برسالات الله وآذت أنبياءه ورسله، كقوم نوح وقوم هود"عاد" الذين جعلهم عزوجل خلفاء من بعد قوم نوح. ثم عرج هذا السرد بعد ذلك على قوم ثمود وأخيهم صالح حيث منٌ الله عليهم بأن جعلهم أيضا خلفاء من بعد عاد. ولعل القرآن الكريم هنا يمن عليهم بأنه أنزلهم منازل هي منازل عاد نفسها مما لم يشر إليه عند ذكر ما منٌ به على قوم عاد من أنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح. ثم ينتقل القرآن الكريم إلى الحديث في هذه السورة عن قوم لوط. ونتيجة لمقتضيات مسار القصص، لم تتضمن هذه السورة الحديث عن ما جرى لأبراهيم عليه السلام مع قومه كما تضمنته مثلا سورة هود لاحقا. ثم تحدث القرآن بعدئذ عن مدين وأخيهم شعيب فنعرف هنا أن مدين اسم لأمة بداية ثم لعله أصبح اسمًا للمكان الذي كانوا فيه. ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم لم يكرر ما سبق أن ذكره بالنسبة لقوم عاد من أنه منٌ عليهم بأن جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح وكذلك ما ذكره بالنسبة لقوم ثمود بأنه من عليهم بأن جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد، عندما أخبرنا عن قوم لوط وعن مدين وعن شعيب، ولكننا لكي لا نفقد التسلسل التاريخي للزمان بدأ الله عز وجل حديثه عن موسى بقوله تعالى: "ثم بعثنا من بعدهم موسى…" أي من بعد كل هؤلاء قوم عاد وثمود ولوط ومدين فتحققت بذلك البعدية الزمنية فأصبح لدينا تسلسلاً تاريخيًا زمنيًا يبدأ بنوح وينتهي بموسى عليهما أفضل السلام. أما في سورة هود ، وضمن سرد زمني فريد ، بسط الله قصص هؤلاء الأنبياء والرسل مع أقوامهم من الآية 25 وحتى الآية 100 أي في 75 آية. فبدأ بنوح وحواره مع قومه ونجاة من آمن معه من الطوفان إلا ابنه، ثم أردف الحديث بعد نوح عن عاد وأخيهم هود وختم حديثه عنهم بقوله تعالى: " أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ". بعد ذلك تحدث القرآن عن ثمود وأخيهم صالح وختم حديثه عنهم بقوله تعالى: " كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۗ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ۗ أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ ". وأعقب الله عز وجل الحديث عن قوم نوح وعاد وثمود بالحديث عن سيدنا إبراهيم وما جرى له مع قومه حيث قرن الله عز وجل الحديث عن إبراهيم وقومه في هذا السرد بالحديث عن قوم لوط لأنهما متعاصران. وكما مر سابقا، تحدث القرآن الكريم في السرد التاريخي للأقوام الذي ورد في سورة الأعراف عن مدين وأخيهم شعيب ولكن الله عز وجل هنا وضح الترادف التاريخي في آية واحدةهى رقم (89) من سورة هود في قوله تعالى: " وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ۚ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴿٨٩﴾ " فهل كان المدينيون معاصرين لقوم لوط في الزمان أو مجاورين لهم في المكان؟!! يبدو ذلك والله أعلم. وختم القرآن الكريم حديثه عن مدين بقوله تعالى: "كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود". ثم تلي ذلك قصة موسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون ثم ختم حديثه عن كل ذلك بقوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ﴿١٠٠﴾" فبعض هذه القرى لا يزال قائمًا وبعضها قد حصدته الأيام فلم يبق منها شيء.
ويسجل السرد القرآني الزمني اتساقا ملفتا للنظر بينه وبين ما وصل إليه المؤرخون والآثاريون من معلومات عن تاريخ الأمم البائدة. فسيدنا إبراهيم عليه السلام كان في بداية الألف الثانية قبل الميلاد 1800ق.م بينما عاش سيدنا موسى عليه السلام في نهاية الألف الأولى قبل الميلاد 1200ق.م أى أن بينهما قرابة 600 سنة. أما قوم صالح (ثمود) فكانوا في الألف الثالثة قبل الميلاد. وبناءا على هذا الثبت التاريخي والآثاري رتب أ. د. عبدالرحمن الطيب الأنصاري في العدد 29 من مجلة أودوماتو الصادرة في يناير 2014م الأقوام البائدة في الجزيرة العربية وما جاورها زمنيا على النحو التالي:
-قوم نوح 6000 ق.م
-قوم هود (عاد) 4000 ق.م
-قوم صالح (ثمود) 3500 ق. م
-قوم إبراهيم ولوط 1800 ق.م
-قوم شعيب (مدين) 1500 ق.م
-قوم فرعون (موسى) 1200 ق.م


-طبيعة السرد الموضوعي
تتفاوت سياقات السرد الموضوعي في القرآن الكريم للأقوام البائدة في الجزيرة العربية وماجاورها بناءا على تنوع القضايا وأنماط الموضوعات التي توظف في ترتيبهم قرآنيا ترتيبا موضوعيا غير زمني. ومن أهم تلك القضايا مايلي:
-الشرك والالحاد كما في سورة الشعراء.
-التصريح بنجاة الرسل من العذاب الذى حل بأقوامهم من عدمه كما فى سورة العنكبوت.
-شمولية العذاب أو محليته كما في سورتي العنكبوت وص.
-تكذيب الاقوام لأنبيائهم ورسلهم وشدة هذا التكذيب كما فى سورة ص.
-التجانس الفكري والعقدي بين الأقوام كما في سورتي فصلت و ق.
-مسار السياق القرآني واتجاهه كما في سورتي فصلت والذاريات.
-الاسناد في الخبر الى اقرب جار من النبأ والسير بالخبر في خط زمني تتابعى من الاحدث إلى الأقدم كما في سورة النجم.
-شدة العذاب وسرعته كما في سورة الحاقه.
قوة القوم ونوع عتاده كما في سورة البروج.
وقد وظفت للكشف عن أسباب الترتيب الموضوعي للأقوام البائدة فى الجزيرة العربية ترتيبا موضوعيا عدة طرق وأساليب منهجية هي كما يلي:
-التبويب المنهجي للأحداث قياسا على منطق مسلك القوم قيد النظر كما هو الحال في سورة الشعراء.
-العنقده النوعيه المعتمده على اصل استقرائي تعميمي محض قوامه التبويب والتصنيف والقياس لتحويل الحقائق غير المبوبه إلى حقائق مبوبه تيسيرا للتعميم الاستقرائي والاستدلالي القياسي التحليلي الديناميكي المحض كما هو الحال في سورة العنكبوت.
-المفارقه والمقاربه بين اجناس التصنيف او نوع الفئة وهو اسلوب اقتراني حضوري السجل كما هو الحال في سورة ق.
-محاور الارتكاز المرجعيه والتدوير الاستقرائي للاحداث وفق هذه الركائز كما هو الحال في سورتي الذاريات و فصلت.
-الطبيعة الفيزيائية لقوانين الحدث (قوانين الصوت شدة وسرعة) كما في سورة الحاقه.
ومن الجدير ذكره هنا أن تشكل السرد الموضوعي للأقوام يقتضي دائما بروز خطاب قرآني يتقدم فيه أقوام ويتأخر آخرون كتقديم الله تعالى في سورة البروج مثلا فرعون الخروج على ثمود التي يأتي ذكرها عادة فى السرد القرآني الزمني قبل فرعون بقرون كثيرة، حيث قال عزوجل في هذا الصدد "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴿١٧﴾ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ﴿١٨﴾".وهناك أمثلة أخرى في القرآن الكريم على هذا التقديم والتأخير كما في الشعراء،والعنكبوت،والصافات،وص،وفصلت،وق،والذاريات، والنجم،والحاقة،والبروج. ونظرا لمحدودية وقت المحاضرة نكتفي بتتبع نماذج مختارة من أنماط السرد القرآني الموضوعي هي: ق، والذاريات، والنجم، والحاقة، والبروج،و ص وذلك على النحو الآتي: ( ملحق 2 ).
الأنموذج الأول: ق (50) الآيات (12-14) مكية
قال تعالى" كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴿١٢﴾ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ﴿١٣﴾ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴿١٤﴾
الترتيب: قوم نوح،اصحاب الرس،ثمود،عاد،فرعون،إخوان لوط،اصحاب الأيكة،قوم تبع.
بدأت الآيات في هذه السورة بذكر قوم نوح ثم قدم أصحاب الرس على قوم عاد وقوم ثمود وتقدمت ثمود على عاد وعطفت على أصحاب الرس كما سبق ذكر قوم فرعون ذكر أخوان لوط ثم اتبع هذا الترتيب بذكر أصحاب الأيكة وقوم تبع. ويبدو لي أن دراسات مستفيضة مستقبلية لهذه السورة قد تكشف ترتيبا ربما قد يتأسس بناءاً على وجود تجانس غير ظاهر بين أصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وأخوان لوط من ناحية وبين أصحاب الأيكة وقوم تبع الذين أجل ذكرهم لآخر الآية من ناحية أخرى. وقد تكشف هذه الدراسات أن هذا التجانس قد يكون فكريا أو سلوكيا أو عقديا أو تحزبيا، وهو بلا شك أسلوب جدير بالبحث والاستقصاء من باب الفضول المعرفى الذى يمكن بوساطته رصد أوجه المفارقة والمقاربه في هذا الترتيب.



الأنموذج الثاني: الذاريات (51) الآيات (24-46) مكية
قال تعالى" هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴿٢٥﴾ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٢٧﴾ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ +قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴿٢٩﴾ قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿٣٠﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ﴿٣١﴾ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ﴿٣٢﴾ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ﴿٣٣﴾ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿٣٤﴾ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٣٥﴾ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٦﴾ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴿٣٧﴾ وَفِي مُوسَىٰ إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٣٨﴾ فَتَوَلَّىٰ بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴿٣٩﴾ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴿٤٠﴾ وَفِي عَادٍ إِذْأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴿٤١﴾ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴿٤٢﴾ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٤٣﴾ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴿٤٤﴾ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ ﴿٤٥﴾ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٤٦﴾
الترتيب: قوم لوط،قوم فرعون،قوم عاد،قوم ثمود،قوم نوح
جاء ترتيب الاقوام في هذه السورة مستندا على ما أسميه منهجيا بمحاور الارتكاز المرجعيه والتدوير الاستقرائي للاحداث. فالذاريات سورة أقسم الله سبحانه وتعالى فيها بمخلوقات كونية كالقسم بالسماء ذات الحبك ثم أعقب ذلك بقوله تعالى (وفي الارض آيات للموقنين) ليعود الخطاب القرآنى معرجا تارة أخرى على السماء حيث قال تعالى (وفي السماء رزقكم وما توعدون) ثم ختم هذه المحاورالارتكازية بقوله تعالى (فورب السماء والارض). فترتيب الاقوام في هذه السورة جاء وفقا لتبويب استقرائي تقدمت فيه السماء ثم تلاها ذكر الارض ثم السماء ثانية ثم الجمع بين السماء الارض فى آخر المطاف. ولذلك رتبت اقوام الجزيرة العربية هنا بحسب مصدر العذاب الذى أصابهم بشكل يتسق تماما مع محاور الارتكاز المرجعيه الآنفة الذكر (سماء، أرض، سماء، سماء أرض) فجاءت الاقوام مرتبة موضوعيا على النحو الآتي: قوم لوط وعذبو بحجارة من طين ومصدرها السماء، بينما عذب قوم فرعون بالغرق في اليم ومصدره ألأرض، أما عاد فعذبوا بالريح العقيم التي مصدرها سماوي أرضى، أما الصاعقة التي عذب بها قوم ثمود فذات مصدر سمائي بينما يجمع الطوفان الذي قضى على قوم نوح بين مصدرى السماء والارض. ولهذا نجد أن ترتيب الاقوام في هذه السورة قد جاء على النحو التالي: قوم لوط وقوم فرعون وقوم عاد وقوم ثمود وقوم نوح الذين أشارت إليهم آية جاءت متأخرة السياق عن ما هو مألوف فى الخطاب ا لقرآنى السابق السرد لقوم نوح فى غير هذه السورة. وخلاصة القول أن ترتيب الأقوام في هذه السورة قد بني على مصدر العذاب ونوعه، فالحجارة والريح والصواعق من السماء واليم في الارض والطوفان من السماء وعذابه في الارض ولهذا جاء الترتيب في هذه السورة مبتدءا بقوم لوط الذين رجموا بحجارة من السماء وانتهى بذكر قوم نوح الذين عذبوا بالطوفان.
الأنموذج الثالث: النجم (53) الآيات (36-37) مكية
قال تعالى: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ﴿٣٦﴾ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ﴿٣٧﴾
الترتيب: موسى، إبراهيم
هذه سورة إستند ترتيب الصحف التي نزلت على كل من موسى وابراهيم عليهما السلام بلاغا لقومهما على الحدث الاقرب ثم الذهاب في السند إلى الحدث الابعد. أي بمعنى آخر أن هذه السورة أسست منهجيا على سلسلة تربط الحدث بأقرب جارثم الذهاب به في السند من الأحدث وقوعا إلى الأبعد عهدا فى الوقوع أو الجوار. فتقدمت نتيجة لذلك صحف موسى في هذه السورة على صحف ابراهيم، خلافا لما ورد في سورة الأعلى التي تقدمت فيها صحف إبراهيم على صحف موسى. والسبب أن موسى أقرب حديثا وحدثا من صحف ابراهيم للمخاطب بالأيات في هذه السورة وهو الوليد ابن المغيرة عند بعض المفسرين الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى (أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى) الآيات(33-35) إلى أن قال عز وجل في السورة نفسها (أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى). فصحف موسى حتما أقرب عهدا إلى المغيره من صحف إبراهيم والنبأ بالشىء منهجيا يبدأ بالاقرب عهدا ثم يوغل فى الأقدم منه. ولذلك إذا نظرنا إلى لفظة النبأ في الآيه فإن في ذلك ما يفيد بسير الحدث في خط زمني لاحق من الحديث الى القديم في سلسلة تراتبية منطقيه توغل من خلال احدث الانباء نحو اقدمها.
الأنموذج الرابع: الحاقه (69) الآيات (4-10) مكية
قال تعال: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴿٤﴾ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ﴿٥﴾ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴿٦﴾

التصنيفات