الأسرة وأثرها في التكوين الأدبي

الأسرة وأثرها في التكوين الأدبي
الأسرة وأثرها في التكوين الأدبي
بسم الله الرحمن الرحيم

في ندوة (الوفاء) الثقافية :
الأديب الدكتور خالد بن سعود الحليبي يحاضر عن :
( الأسرة وأثرها في التكوين الأدبي )
الرياض :محمد شلال الحناحنة

أقامت ندوة (الوفاء ) الثقافية الأسبوعية في الرياض محاضرة بعنوان :
(الأسرة وأثرها في التكوين الأدبي ) ألقاها الأديب السعودي الدكتور خالد بن سعود الحليبي وذلك مساء الأربعاء 10/7/1436هـ وأدار اللقاء الروائي الدكتور عبدالله العريني ,وحضرها ثلّة من الأدباء والمفكرين والمثقفين من روّاد الندوة وجمهورها .
أبرز المؤثرين في التكوين الأدبي في الأسرة
بداية حمد الأديب المضيف الدكتور خالد الحليبي الله ,وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم ,شاكراَ عميد الندوة وأبناءه على إتاحة هذا اللقاء ,كما شكر الجمهور لحضورهم ثمّ ضاف :بدايتي الأسرة كانت منذ القدم ,ومنذ دراستي الجامعية الأولى فقد أصبحت بين يدي شاعر الأسرة ,الشاعر الكبير في الأمة الإسلامية عمر بهاء الدين الأميري ,وتأملت كثيرا كيف استطاع هذا الشاعر أن يحلل تصرفات وسلوك الأطفال من ناحية نفسية واجتماعية ,لذا اقتربت أكثر من الأسرة , فانا من أسرة وعائلة أدبية ومثقفة تكتب الأدب والشعر (إخوتي وأخواتي )وفي الإحساء مجموعة من الآسر الأدبية والشعرية مثل (ألـ المبارك ) و(ألـ عبدالقادر ) كل هذا كان له اثر كبير على توجهي الأدبي , والأسرة الأدبية وجدت في العصر الأموي ,والعصر العباسي , والعصر الحديث , الذي نجد فيه الأسرة اليازجية ,والبستانية , والتيمورية بل وقيل أن الخنساء لم تلد إلا شاعرا , والتأثير قد يكون جنينيا أو وراثيا , أو اكتسابا ,

وأظن أن التأثير يكون جنينيا وراثيا , أو اكتسابا , ولعله من هذا وذاك!
ولعل من أبرز المؤثرين في التكوين الأدبي في الأسرة :

أ‌-الأب ,فله تأثير كبير على أبنائه في اتجاههم الأدبي والشعري.
ب‌-الأم , فالأم المثقفة أو المشجعة لأبنائها حتى وإن لم تكن أديبة أو حتى متعلمة قد تقوم بدور عظيم في تشجيع أبنائها والإصغاء إليهم , والأخذ بأيديهم إلى الأدب.
ج-الإخوة والأخوات , فتجد أن تأثيرهم واضح على اتجاه إخوتهم الصغار للجوانب الأدبية في البيت , وتظل البيئة الأدبية بيئة فطرية غير متكلفة لأن التصنّع والتكلّف لا يصنع أدباً أو فناَ أدبياً .




مؤثرات أخرى في التكوين الأدبي


وتحدث الدكتور خالد الحليبي عن نظريات ومؤثرات أخرى في التكوين الأدبي منها : النظرية الاجتماعية التي يقولون فيها أن الفن إنتاج جماعي وليس فرديا والفنان كائن اجتماعي يستجيب للبيئة التي يعيش فيها , ويرتفع الحس الجمالي أو يهبط لديه حسب البيئة الإجتماعية وقد يؤثر غير الأسرة على الطفل ليكون أديبا, لكن الأسرة دورها ثابت في التأثير وتؤكد الدراسات الحديثة الجادة أن الإبداع يمكن تحطيمه وتخفيضه أو الارتفاع به في الموهبة المتوسطة ويمكن توجيه الطفل إلى ما نريد في كثير من الأحيان فالأدب جمال يمكن تنميته لدى الفرد وهو ألفاظ ومشاعر تتشكل تلقائيا ودون اختيار,

ويمكن تطور الحس الأدبي الجمالي ونموه من خلال عدة نقاط :

أ-الحاضنة الأولى هي العائلة التي يمكن أن تنمي الأحاسيس الجمالية لدى الأطفال وترعى ظهورها وتصقل المواهب الوليدة .

ب-المدرسة ومعلموها الذين يستطيعون رعاية المواهب الأدبية لدى الصغار من خلال المسابقات الأدبية والإذاعية وغرس الجرأة الأدبية .

ج-الطبيعة المحيطة بالأطفال وأبرزها المنزل في بنائه وجماله وترتيبه وتنظيمه بما يساعد على اكتشاف المواهب الأدبية ونموها .

د-وجود المكتبة في البيت مما يفسح المجال للأطفال للاطلاع والقراءة والتأثر بما يزيدهم انفتاحا على التجارب الأدبية والشعرية فالأديب يكون في الغالب قارئاً نهماً .

هـ- حضور مجالس العلم والأدب والأمسيات والندوات مما ينعكس على المواهب الشّابة ويزيدها نضجا وتحليقا في عالم الأدب والشعر .




نماذج أدبية جمالية

وأورد المحاضر الدكتور خالد الحليبي أسماء كثيرة لنماذج أدبية جمالية كان لحياتها وسيرتها التأثير العظيم في أدبها منهم : عمر بن أبي ربيعة الشاعر الغزلي المعروف ,فقد كانت جدته عطارة ,وكان مدللا ومرفّهاَ ورقيقاّ ,وعنده المتع, فكان يسكب روحه المرحة المدللة في شعره ,وكان غزله من الغزل المقلوب وفي شعره هو المطلوب للنساء ,وليس الطالب دائماّ . أما نزار قباني فهو شاعر حديث شبيه بعمر بن أبي ربيعة فهو المطلوب دائما كذلك , وكان منعماّ ويركز على الجزئيات ليصنع شعرا عذباّ,ويقول عن داره وبيته في دمشق (إنني اسكن في قارورة عطر ,لأن بيتا كقارورة العطر ,وان قلت ذلك فأنا لا اظلم قارورة العطر ولكن اظلم دارنا , ويصف النوافير التي تتعب بينما ماء دمشق لا ينضب ,ويعبر شعريا بكل دقّة وشفافية عن بيته ,ليصبح هذا البيت شيئاّ عظيماّ في حياته وشعره . ويحدثنا الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الاميري عن أمّه التي ساندته ووقفت معه في حياته وأدبه وصدق الأستاذ الدكتور صالح العايد في كتابه حين قال : يظل الرجل طفلا حتى تموت أمه, ويعد كتابه هذا من أروع ما كتب عن الأم ودورها في حياة أبنائها .
أما الشاعر السعودي الكبير عبدالرحمن العشماوي فقد ربته أمّه ولم تكن شاعرة أو أديبة ,ولكنه كان يقرأ قصائده أمام أمّه فإذا أجازت قصيدته نشرها , فقد كانت متذوقة للجمال الأدبي مبدعة في نظرتها ورؤيتها وقناعتها, وكان دعاؤها له يمنحه إحساسا عظيما ليكون مبدعا .
أما أنا في شعري وأدبي فكانت أختي تشجعني مما جعلها تهبني الكثير من مشاعرها لأكتب بكل ثقة وإبداع .وهكذا كان تأثير أم الكاتبة والأديبة الروائية الانجليزية أجاثا كريستي على رواياتها كما قالت في أكثر من لقاء أدبي .
ويقول ابن حجر االعسقلاني : أختي كانت حافظة كاتبة وهي أمي بعد أمي, أما الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان فقد كانت تحنو عاطفيا وأدبيا على أخيها الشاعر الكبير إبراهيم طوقان, وهذا الشاعر الفارس الأمير أسامة بن المنقذ كان فارسا وقائداً وكان لأسرته تأثير كبير في تربيته وفروسيته وشاعريته ,فأبوه ظل يحضر له المربيين والشيوخ الكبار بل إنّ أمراء بني المنقذ كانوا شعراء وأدباء أيضاً , وكان أسامه يحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من الشعر الجاهلي .
وتؤكد الدراسات وجود علاقة كبيرة بين الأدباء والمبدعين وبين إبداع أبنائهم بل بين الابتكار والثقافة في الأسرة ومن الأدباء الكبار الذين كان لآبائهم التأثير في اتجاههم الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري ,فأبوه حدد له منهجا في الشعر والخطابة, ووجهه لحفظ الشعر وحفظ الخطب من كتاب نهج البلاغة .
أما الشاعر يحيى السماوي فكانت زوجته ملهمته في الشعر كما أشار في لقاءاته وكذلك كان لزوجة أخي الشاعر محمود الحليبي تأثير كبير عليه في شعره .



خطوات في توجيه الأبناء للأدب

وذكر المحاضر عدة خطوات لتوجيه الأسرة لأبنائها أدبيا منها :

1- تحفيز الأبناء وتشجيعهم وعقد المسابقات لهم ورصد الجوائز للمبدعين منهم لرعاية مواهبهم .

2-أن نوجه أبناءنا للكتابة فنستمع إليهم , ونعودهم على إلقاء ما يكتبون بكل جرأة وإقدام .

3-أن ندربهم على سماع النقد بشجاعة , وأن يتقبلوه دون ضيق للإفادة منهم .

4- تشجيعهم ومساعدتهم على نشر الإنتاج المميز مما له الأثر الكبير على تطورإبداعهم.



نبض الحوار

وفي الختام فتح المجال للحوارات والأسئلة والمداخلات التي أجاب عنها الدكتور خالد الحليبي,فجاءت كلمة عميد الندوة الشيخ احمد محمد باجنيد , وقـــــدّمها ابنه المهندس محمد باجنيد الذي قال : باسم الوالد أتقدم بجزيل الشكر لضيفنا الــــدكتور خالد الحليبي على إثرائه لهذه الندوة , كما أشكركم جميعاً لحضوركم وتواصــلكم واشكر المقدم الدكتور الأديب عبدالله العريني , كما اخـــصّ بالـــــــشكر للدكتور عبدالرحمن النفيسة الذي شرفنا هذه الليلة , أما ما سمعناه في هذه الأمسية فهو إضافة كبيرة , وقد أتحفنا المحاضر بموضوعه واهتمامه بالأدب والأسرة أما سؤالي : هل يمكن أن يكون الأدب وسيلة لإصلاح ما تعانيه الأسر من مشكلات؟ وما مدى تأثيره في استقرار الأسر ؟!

أما مدير اللقاء الأديب الدكتور عبدالله العريني فقد أشار إلى أن هناك الليلة مؤتمر دولي عن اللغة العربية وتأثيرها في العلوم الأخرى في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ,فكان يمكن مشاركة الدكتور خالد الحليبي في هذا المؤتمر, وشكر الدكتور عبدالرحمن النفيسة عميد الندوة وأبناءه على دعوتهم له ثم قال : أتشرف في حضور هذه الندوات الرائعة ولقد عشنا جواّ رائعاّ مع الأديب الدكتور خالد الحليبي , وقد أبدع في حديثه عن التأثير الكبير للأم على أبنائها .
وتحدث الأديب شمس الدين درمش عن سعادته بالمحاضر الذي يعرفه منذ أكثر من عشرين عاما في رابطة الأدب الإسلامي العالمية , ونحن نعتز به وبأمثاله لأنه يمثل القمّة الإبداعية الملتزمة بمبادئ الإسلام والأخلاق الفاضلة , وأخي الدكتور خالد الحيليبي هو مبدع وهو مثال على الإبداع في الأدب الإسلامي الملتزم, ويسرني أن أبلغه تحيّات وسلام الدكتور عبدالقدوس أبو صالح الذي يحبه ويقدره كثيرا .

وقدّم الدكتور عبدالكريم سمك شكره لعميد الندوة ومقدمها ومحاضرها الدكتور خالد الحليبي , وقال:إن الأمة تحتاج إلى توجيهاته هذه الليلة , وبالمناسبة فإني أذكّركم بالأسر العلمية المعروفة في مدينة حماة في سوريا وهي أسر كثيرة كما أذكّر برسالة الإمام الغزالي التي بعنوان :(أيها الولد) كما أبشركم بأن لدينا نماذج راقية من الجيل الجديد : فقد جاءنا قبل مدّة في قناة المجد طفلان توأمان من مدينة الجبيل في المنطقة الشرقية يحفظان القران الكريم, ويحفظان عشرة آلاف بيت من الشعر وهما لم يتجاوزا العاشرة من عمرهما فانظروا إلى تأثير التربية والأسرة وقبل كل شيء إبداع الله وعظمته فيهما !!
وقال الأستاذ الأديب أيمن أبو الغنى : إن المحاضر قد أمتعنا وأفادنا , وأشار إلى كتاب ( البيوتات العلمية بدمشق ) والى أنه سيصدر كتاب(الإخوة المبدعون الثلاثة) وهناك أسر عظيمة في بلادنا العربية والإسلامية , وأذكّركم بأسرة الشيخ على الطنطاوي رحمه الله .
ونصح الدكتور عبدالله العريني الحضور بقراءة كتاب (علماء ومفكرون ) للأستاذ محمد المجدوب , وقد لفت انتباهه كما قال أن أكثر هؤلاء العلماء قد ربتّهم جدّاتهم كما قرأنا في سيرتهم , وهذا يدل على أن الجدّة حاضنة للإبداع وليست تنّوم الأطفال بقصصها الأسطورية فقط .
أما الإعلامي هيثم الأشقر: فتساءل عن دور إعلامنا في رعاية المواهب والإبداع مقابل الإعلام الغربي الذي له دور كبير في ذلك ,لاسيما وأن وسائل التواصل الاجتماعي قد تطورت كثيرا .
وأخيرا , أصغى الجميع لقصيدة وجدانية عائلية عن علاقة الوالد بالولد شداها المحاضر الدكتور خالد الحليبي , وقد وجدت صدى وإعجاباّ من جمهور الحضور .


التصنيفات