الأدب والقيم نماذج وشواهد

الأدب والقيم  نماذج وشواهد
الأدب والقيم نماذج وشواهد
بسم الله الرحمن الرحيم
في ندوة ( الوفاء ) الثقافية :
الأديب الدكتور عادل أحمد باناعمة يتحدث عن ( الأدب والقيم نماذج وشواهد )
الرياض : محمد شلال الحناحنة

أقامت ندوة ( الوفاء ) الثقافية في الرياض من خلال نشاطاتها الأسبوعية محاضرة بعنوان : ( الأدب والقيم .. نماذج وشواهد ) ألقاها الأديب عادل أحمد باناعمة الأستاذ في جامعة أم القرى مساء الأربعاء 9 / 3 / 1436هـ.
وأدار اللقاء الشاعر الدكتور حبيب بن معلا المطيري , وحضرها العشرات من الأدباء , والمفكرين , والإعلاميين , وجمهور من رواد الندوة ومتابعيها .
دور الأدب في تعزيز القيم
بعد حمد الله والصلاة على خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلـم , شكر الحاضر الأديب الدكتور عادل أحمد باناعمة عميد ندوة ( الوفاء ) الشيخ أحمد محمد باجنيد وأبناءه على دعوتهم له في هذا اللقاء , ثم قال : سأتحدث عن ثلاثة أمور هي :
أ‌-مفاهيم العنوان .
ب - العلاقة بين الأدب والقيم.
ج‌- نماذج وشواهد .





مفاهيم العنوان

تحدث المحاضر الدكتور عادل بن أحمد باناعمة عن (مفاهيم العنوان)وبدأها بما يأتي :
(1)الأدب :
ــ المدلول اللغوي :
ذهب ابن فارس إلى أن الجذر ( أدب ) يدور حول أصل واحد هو (اجتماع الناس ) , فالأدب أن تجمع الناس إلى طعامك , ومنه الأدب لأنه مجمع على استحسانه , ومنه الإدْبُ وهو العَجَبُ ؛ لتجمع الناس عليه .
-المدلول الاصلاحي :
كانت في الأولى منها معنى الاستواء النفسي الذي ينطوي فيه وزن الأخلاق وتقويم الطباع , كقوله صلى الله عليه وســلم : (( أدبني ربي فـأحسن تأديبي )) , وإنما اشتق هذا المعنى من المعنى الحسي الأصلي الذي هو الدعوة إلى الطعام , ومنه قولهم : أدب الرجل القوم يأدبهم أي أقام لهم مأدبة , وسر ذلك أن القرى كان عندهم أعظم المفاخر , وأشرف الطباع , فتوسعوا في الكلمة الدالة عليه حتى صارت تدل على استواء الأخلاق وكمالها .
ثم صارت الكلمة إلى دورها الثاني عبر المؤدبين , وهم معلمو أولاد الخلفاء , وقد كان هؤلاء يعلمون أولاد الخلفاء الأخلاق وحسن الطباع ( أي الأدب ) , ويعلمونهم كذلك سائر العلوم ؛ فاتسعت الكلمة لتدل على العلم , فصار الأدب معناه الأخذ من كل فن وعلم بطرف , وصارت كل العلوم داخلة في حده , ومعزوة إليه , حتى إذا تكاثرت العلوم وتشعبت اختص لفظ الأدب بعلوم العربية , فكان النحو أدباً , والصرف أدباً , وعلم الشعر أدباً وهكذا .
-ولما تغازرت علوم العربية وكثرت , واحتيج إلى الفصل فصارت الكلمة إلى دورها الثالث , فانفرد به الشعراء والكتاب , وصار الأدب علماً على الكلام البليغ رواية ودراسة , وهذا المعنى هو ما يتبادر إلى أذهاننا اليوم عند إطلاق كلمة الأدب , وفي ظل هذا الدور نجد تعريفات عدة :
الأدب : الأعمال المدونة المكتوبة التي لها قيمة فنية .
النص الأدبي : هو النص الذي يستطيع أن يثير فينا بفضل خصائص صياغته إحساسات جمالية أو انفعالات شعورية أو هما معاً.
(2)القيم :
-في اللغة :
جمع قيمة , وأصل القيمة الواو , ومنه قومت الشيء تقويماً , وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك .
ومنه : قيمة الشيء , أي ثمنه , لأن الثمن يقوم مقام المثمَّن .
وفي القاموس : القوام نظام الأمر وعماده وملاكه .
-أما في الاصطلاح :
فالقيمة هي خاصية الشيء التي اذا وجدت فيه جعلته مرغوبا فيه , او جديرا بان يكون كذلك .
ورغم هذه الكثرة إلا أنه يمكن اعتبار ( الطلب ) معنى مشتركا بين كل مصاديق القيمة .
ويمكننا تفسير ( القيم ) اصطلاحيا بأنها الأشياء المعنوية التي لها قيمة في حياة الإنسان , بعض هذه الأشياء يكون قدراً مشتركاً بين البشرية فتتحول إلى قيم مطلقة , وبعضها يكون مشتركا بين جماعات معينة فيكون قيماً مخصوصة , وبعضها يتخذ طابعاً فردياً.
مسائل في القيم :
-اختلف في القيم , أهي عينية ( وجود خارجي ) , أم عقلية ( وجود داخلي ) ؟ بمعنى هل هي ثابتة أم متغيرة ؟ مطلقة أم نسبية؟
-القيم الكبرى : الحق والخير والجمال , وبعضهم أضاف الدين .
بعد كل ما سبق , فإننا نصطلح في هذه الكلمة على أن المقصود بالقيم : " أصول المنظومة الفكرية والأخلاقية , من أمهات الفضائل ومكارم الأخلاق , التي يهتدي بها العقل إلى السداد النوراني , والقلب إلى الإخلاص الإيماني , والجوارح إلى الصلاح الرباني ".
العلاقة بين الأدب والقيمة / المنفعة / الأخلاق / المعرفة
وأشار الدكتور عادل باناعمة إلى أن هناك ثلاث مدارس في العلاقة بين الأدب والقيم هي :
(1)مدرسة الانفكاك :
ــ تعريفها وملامحها :
وهي المدرسة التي ترى أن الأدب مضاد للقيمة , وأن مجرد حضور القيمة في الأدب مضعف له .
ــ من نماذجها وأصحابها :
أرسطو : " إنه على الرغم من الأثر الكبير للأخلاق في الحياة , والفائدة الجليلة من الإرشاد والتوجيه في بناء المجتمعات , فإنه لا يجوز لهذين الأمرين أن يمدا يديهما إلى الشعر , وأن يمسا فنيته "
الأصمعي : " الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان " ( الموشح : 85 )
آلن تيت : " إنه لمن الخطأ الفاحش أن نطلب من الشاعر ألا يكون شاعراً ... وأن ينشغل بالدعوة إلى سياسة حتى ولو كان يعتقد أنها ثمينة " . ( شاعر وروائي وناقد أدبي أمريكي يعد أحد رواد حركة النقد الحديث 1979 )
(2)مدرسة الالتحام :
-تعريفها وملامحها :
هي المدرسة التي ترى أن الأدب أدباً حقيقيا إلا إذا أدى دوراً رسالياً قيمياً , وأن انفكاك القيمة عن النص الأدبي يفقده قيمته وجماليته .
تنظر هذه المدرسة الإبداع باعتباره ( وسيلة ) للوصول إلى غاية , بخلاف مدرسة الانفكاك التي تراه مجرد ( أداة ) أو ( آلة ) بغض النظر عما يوصل إليه .
وهي من أقدم المدارس عند العرب , منذ قال قائلهم : الشعر ديوان العرب , وقال الآخر :
وإن أشعر بيت أنت قائله .... بيت يقال إذا أنشدته صدقا
-من نماذجها وأصحابها :
ــ عمر بن الخطاب :
نقده لشعر زهير : " لا يمدح الرجل إلا بما فيه " .
قوله :" كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه " .
ـــ حازم القرطاجي :
قوله في تعريف الشعر : " في تعريف الشعر : " كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ويكره إليها ما قصد تكريهه لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه " ( منهاج البلغاء)
ــ ابن رشد :
" ليس يقصد من صناعة الشعر أي لذة اتفقت , لكن إنما يقصد بها حصول الالتذاذ بتخييل الفضائل "
ــ محمد بن علي الجرجاني :
في تعريف الشعر : " قياس مؤلف من المخيلات , والغرض منه انفعال النفس بالترغيب والتنفير " .
ــ سيد قطب :
ألقى محاضرة عنوانها : ( مهمة الشاعر في الحياة ) وهذا العنوان وحده يوحي بجانب نفعي في النص الأدبي .
قال في هذه المحاضرة : " أكبر مهمة لهذه الفنون جميعها أن تقوم واسطة بين ماهو كائن وما يجب أن يكون , وأن تقربنا إلى المثل الأعلى الذي نرنو إليه , كلما عز علينا بلوغه في عالم الحقيقة " .
ــ الفقه الإسلامي :
يمكن بشكل أو بآخر اعتبار موقف الفقهاء الحاد من رفض النصوص الأدبية غير القيمية انتصاراً لهذه المدرسة .
الشافعي في الأم : " الشعر كلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام "
ــ من حججها :
أن النص الإبداعي لا يخرج من فراغ , بل هو يخرج من ( قلب إنسان وعقله ) , وكل إنسان شاء أم أبى هو كتلة من المشاعر والأفكار والعقائد والقناعات والقيم والأحاسيس , ولابد للنص الصادق أن يكون معبراً عنها , وبالتالي فكل نص إبداعي هو نص يعبر عن قيمة , وإنما علينا البحث : هل هي قيمة حسنة فيحسن بها الشعر , أو قبيحة فيقبح بها الشعر .
البدايات الأولى للأدب كانت في أحضان العقيدة , والشعر نشأ في محاضن العقيدة في آداب الأمم كافة .
(3)مدرسة الإمكان
ــ تعريفها وملامحها :
هي نظرية لا ترى في القيم الأخلاقية النفعية والمعرفية شرطاً في براعة النص الأدبي كما تراه مدرسة الالتحام , كما أنها لا ترى أن القيم تحول دون الإبداع كما تراه مدرسة الانفكاك .
القيمة في هذه المدرسة لا تسلب الإبداع ولا تضيفه ؛ لأن الإبداع عندها هو اشتغال على اللغة أكثر منه بحثاً عن توطين القيمة في النصوص .
هي مدرسة متوسطة إذن بين المدرستين .
يترتب عليها ألا تكون القيم معياراً نقدياً لا سلبياً ولا إيجابياً , وإنما نتعامل مع النص كبنية لغوية فقط .
لا تنكر هذه المدرسة الاحتكام إلى القيمة في باب التلقي , بمعنى القبول والرفض أخلاقيا ومجتعياً , ولكنها تأبى الاحتكام إليها
في تقويم الإبداع من حيث هو إبداع .
تشترط أن يكون حضور القيمة في النص حضوراً فيناً , بحيث ينفث الشاعر في القيمة روح الشعر فتنشأ خلقا آخر ليس هو القيمة المعرفية الأولى , ولكنه يفضي إليها في التأويل الشعري لا التأويل اللغوي المجرد .
حين يجتمع في النص الأدبي الفني والقيمة العالية فإن أبناء هذه المدرسة على فريقين :
أ‌- فريق يرى أن حضور القيمة العالية في النص الفني ممكن ولكنه لا يضيف له شيئاً , ولا يجعله ذا قيمة أعلى .
ب‌-وفريق يرى أن هذا النوع هو المقدم الفرد الذي لا يضاهيه كلام.
ــ من نماذجها وأصحابها :
موقف ابن عباس رضي الله عنهما من عمر بن أبي ربيعة .
قدامة بن جعفر :
-" وليست فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه , كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلاً رداءته في ذاته " (66)
ـــ من حججها :
أقوى حجج هذه المدرسة وأظهرها , هو القرآن الكريم , فهو النص الإبداعي المتفق على إعجازه لفصحاء العرب قديماً ودحديثاً , ومع ذلك هو مكنز القيم والمعاني والأخلاق والمعارف .
-ومع ذلك فإن القرآن لم يتحد العرب بأن يأتوا بمثله في اشتماله على تلك القيم , بل يتحداهم أن يأتوا بمثله في البلاغة والبيان , أي في أسلوبه الإعجازي في الإبانة عن تلك القيم !
من حججها أيضا : الممارسة النبوية :
-النبي صلى الله عليه وسلـم وظف الأدب في خدمة الدعوة , أي أنه حمله رسالة قيمية .
-وظفه في الجهاد :
أ‌-عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلـم قال : (( جاهدوا المشركين بألسنتكم وأنفسكم وأموالكم وأيديكم )) (أحمد , الفتح الرباني 14/7 )
ب‌-وعن عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلـم : إن الله عز وجل قد أنزل في الشعر ما أنزل , فقال : (( إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه , والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نَضْحُ النَّبْل )) .(أحمد , الفتح الرباني 19/275 )
-وظفه في الوعظ والإرشاد :
عن المقدم بن شريح عن أبيه قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلـم يتمثل بشيء من الشعر ؟ فقالت : كان يتمثل بشيء من شعر عبد الهم بن رواحة : ويأتيك بالأخبار من لم تزود . ( الترمذي 2848 وقال حسن صحيح , ورواه البخاري في الأدب المفرد 867 )
ومن المعلوم أن هذا البيت لطرفة , ولكن هكذا جاءت رواية الترمذي , وفي رواية أحمد ( الفتح الرباني 19/278) تقول عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلـم إذا استراث الخبر ( أي : استبطأه ) تمثل فيه ببيت طرفة ( ويأتيك بالأخبار من لم تزود ) .
-وظفه في شد العزائم وتقوية الهمم :
عن أبي إسحاق السبيعي قال : قيل للبراء وأنا أسمع : أولَّيتم مع النبي صلى الله عليه وسلـم يوم حنين ؟ فقال : أما رسول الله صلى الله عليه وسلـم فلا , كانوا رماة , فقال النبي صلى الله عليه وسـلم : أنا النبي لا كذب ...... أنا ابن عبدالمطلب
-فكان صلى الله عليه وسلـم يرتجز بهذه الأبيات , ويدعو أصحابه حتى ثبت منهم معه نحو ثمانين رجلاً .
-وظفه في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه :
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلـم يتخذ من الخطابة والشعر وسيلتين للدعوة , ومخاطبة الوفود , وبيان سمو الدين وشرف الرسالة , ترغيباً للمخاطبين في الإسلام ونيل شرف اتباع الدين الحق .
ــ من حججها أيضا :
فنحن في الواقع نبصر نصوصاً كثيرة جميلة آسرة , ولكنها خالية من القيمة بل لعلها تدعو إلى نقيض قيم الخير .
ونبصر كذلك في الواقع نصوصاً قيمية في الذروة من الفن
ونبصر كذلك نصوصا تحمل قيما عالية , ولكنه من حين الفن جديرة بالاطراح .
ــ من حججها أيضاً السيرورة :
كثير مما يسمى أدب دعوة أو مقاومة سينقرض وينسى , التفرد والبقاء للجودة الشعرية أكثر مما هو للخطاب الوعظي المسمى أدباً .
بقاء شعر أبي تمام والمتنبي رغم كونه قيمياً , واندثار شعر كثير ممن يدعي الجمالية.




أمثلة ونماذج

(1)النموذج الشعري :
( أمل دنقل وقيمة المقاومة ) : ( لا تصالح )
في المقطع الأول أول في الوصية الأولى يأتي الشاعر بصورة منطقية يقبلها كل إنسان عاقل , هذه الصورة عبارة عن معادلة رياضية طرفها الأول يقول :
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما .....
وطرفها الثاني يقول : هل ترى ؟؟؟؟؟؟
وهو لا يذكر لنا النتيجة المترتبة على هذه المعادلة أو إجابة هذا السؤال ـــ ولكننا نعرفها من خلال خبرتنا بالحياة , ومن خلال تعاملنا مع البشر ومع الأحياء .
ثم يلجأ الشاعر إلى وسيلة أخرى للتأثير وهي الرجوع إلى الوراء ( فلاش باك ) حيث الذكريات , إنه يذكر الطرف الآخر بأيام الطفولة .
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك
حسُّكما ــ فجأة ــ بالرجولة ,
هذا الحياء الذي يكبت الشوق ... حين تعانقه
الصمت ... ــ مبتسمين ــ لتأنيب أمكما ....
وكأنكما
ما تزالان طفلين !
لعل هذا الطرف يتذكر أحلى أيام العمر , أيام الطفولة والنقاء والطهارة والصدق , لعله يتذكر ويتراجع عن قراره الذي اتخذه بشأن الصلح مع العدو .
وحينما يحس أيضاً أن ليست هناك استجابة من قبل هذا الطرف , يلجأ إلى استخدام طريقة أخرى للتأثير وهي طريقة ربما تكون أيضاً عقلانية , ولكنها تمس وتراً من نوع آخر وهي الاستهانة بهذا الطرف الذي يعتقد أنه وصي على الأبناء :
إنك إن مت :
للبيت رب
وللطفل أب
ثم ينهي الشاعر هذه الوصية الأولى بسطور أشبه ما تكون بالتحذير لهذا الطرف أو لهذا " الآخير " الذي لا يريد أن ينصت إليه رغم كل التوسلات , ورغم كل الأساليب التي لجأ إليها في السطور السابقة بهدف التأثير :
إنها الحرب !
قد تثقل القلب .....
ولكن خلفك عار العرب
لا تصالح ... ولا تتوخَّ الهرب !
(2)النموذج الروائي : لعلي أحمد باكثير
( الثائر الأحمر , وقيمة العدل )
ثورة " القرامطة " التي ترافقت ــ إلى حد ما ــ قياماً وسقوطاً , مع "ثورة الزنج " في دولة الخلافة العباسية على مدى عقود عديدة في القرنين الثالث والرابع الهجريين وتحكي قصة حمدان قرمط وابن عمه عبدان عندما تحولا من شخصين من عامة الناس الفقراء أو البسطاء إلى ثائرين يقودان الجموع ضد دولة الخلافة سعياً لما سمي " بالعدل الشامل " وانتهت ثورتهما بالفشل الذريع بعد الإخفاق في تحقيق أي نوع من العدل ! وانهيار دولتهما التي أقيمت في جنوب العراق .
( زمن الخيول البيضاء , وقيمة الانتماء )
رواية ملحمية كبيرة يذهب فيها الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله إلى منطقة لم يسبق ان ذهبت إليها الروايات التي تناولت القضية الفلسطينية بهذه الشمولية وهذا الاتساع , مقدماً بذلك رواية مضادة للرواية الصهيونية عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ! تبدأ احداث الرواية في الربع الاخير من القرن التاسع عشر وصولا لعام النكبة , محاورة المفاصل الكبرى لهذه الفترة الزمنية الصاخبة بالأحداث بالغة التعدد , والصراع المر بين الفلاحيين الفلسطنيين من جهة وزعامات الريف والمدينة والأتراك والانجليز والمهاجرين اليهود والقيادات العربية من جهة اخرى .





نوافذ الحوار

أخيراً , تدفقت كثيراً من المداخلات والأسئلة في نهاية اللقاء , وقد أجاب عنها الأديب الدكتور عادل أحمد باناعمة , فتحدث الدكتور يحيى أبو الخير معرباً عن شكره الجزيل لعميد الندوة وأبنائه على هذا الاختيار , وقال : أجمل ما سمعت عن الأدب في هذه المحاضرة , وتعلمت منها الشيء الكثير , ولو نظرنا حقاً لأدبنا العربي لوجدنا أنه أصبح أدباً غربياً وهذا محزن ومؤلم , والله في محكم كتابه يقول : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (قّ:18) ، كما قال تعالى : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) (سورة الشعراء)
أما الأديب شمس الدين درمش فقد ألقى أبيات قالها السلطان محمد الفاتح وهو على أسورا القسطنطينية كتبها الشاعر عادل باناعمة في مقدمة مسرحيته الشعرية ( على أسورا القسطنيطينية ) والأبيات للشاعر باناعمة , ثم أضاف إننا سعداء هذه الليلة بلقاء الشاعر عادل باناعمة , وهو عندما يؤرخ ويرسخ معارك الإسلام في أدبه فهذه من القيم السامية , وقد نشرنا له في العدد التاسع والثلاثين من مجلة الأدب الإسلامي مسرحيته على أسورا القسطنيطينية وأنا بدوري أشكره على هذا الحضور المميز , وعلى هذا الإنتاج الرائع , وسأل أحد الإخوة ما رؤية د.عادل للأدب الإسلامي ؟ وما مدى صلاحية الحكم على النص الأدبي بجماله بينما معناه رديء ؟ وهل يجوز دراسة القصة القرآنية دراسة أدبية ؟!





دوحة الشعر

وفي الختام , جاء للشعر مجده , وقد بدأ ذلك الشاعر سعود بن سليمان اليوسف بقصيدته ( نقش على شاهدة القبر )| يرثي فيها أباه , فقال :حزيناً متألماً بكل لوعة وحرقة:
في روضة المسجد الثـــــــــكــــــلى
وقد ندبـــــــــتك إني نادب صبري
وقفت : وما زالت الأصداء حولي من
ترتيلك الفخم في أرجائها تسري
ها هنا المصحف المشتاق يسألنـــــي
ولا يـــريد بهذا الفــــقد أن يدري
لله قلبك ما أسمى سكينــــــــــــــــتــه
كأنه صورة من ليلة القـــــــــــدر
هي الثمانون عاماً يا أبي ومضـــــــت
كأنما اختصرت في سورة العصر

ولم تغادر القصائد الملقاة هذا الحزن , فشدا شاعرنا اللواء محمد حسن العمري قصيدته ( ليلة العيد ) قائلاً :
حطّمتُ قيثارتي في ليلة العيـــــــد
وما طربتُ لترديد الأناشــــــــــــــيد
وبتُّ مستغرقاً في صمت أسئلتــي
لا شيء عندي سوى حزني وتسهيدي
إذا تأملت أحداثاً مروّعـــــــــــــة
لمن يعانون من قتل وتشــــــــــــريد
هربت من واقعي والنفس متعبتة
وتهت بالفكر من بيد إلى بــــــــــيد
وقلت أين أنا من جيش معتصــــم
ذاك الذي ضم به كل صــــنديد
شتان ما بين ماضينا وحاضرنا
شتان ما بين صنديد ورعــديد

وتألق الشاعر عادل أحمد باناعمة ضيف الندوة في عدّة قصائد أنشدها من ذاكرته المتقدة ومنها : ( خطاب جديد لسحابة هارون الرشيد ) :
لا تمطري لا تنــثري المننـــا
فجميع ما تسديـن ليس لــنا
أضحت بقـــاع الأرض تنكرنـا
من بعد ما أنســت بنا زمـــنـا
ما عادت الآفــاق تعرفـنـــــــا
كلا ولا صارت لنا سكــــــــنا
وقست علينا الحادثات فمـــتا
نلقى لنا في أرضـــنا وطــــنا

وفي قصيدته الموجعة في ذكرى الأخت المجاهدة الشهيدة ـ نحسبها كذلك ــ آيات الأخرس التي جعلت من دمها الطاهر آية فداء أخرست كل الأدعياء , فيقول في قصيدة ( أغنية الحب والحرب ) :
من سنا عينيك من روح مجيدة
يغتلي حرف وتنــــــــثال قصيدة
من شظايا جرحك النـــــازف في
أرضنا تعرف أسرار العــــــقيدة
من دم قد صافح الأرض هــوى
يشهد التاريخ ميلاد الشهيـدة
أنت يا آيات لحن مــــــــغــرد
في زمان أفسد الذلّ نشيـــده
وختم مدير الندوة الشاعر الدكتور حبيب المطيري متسائلاً ومندهشاً فقال : أتراني الليلة أثني على هذا التدفق الرائع أم أثني على حسن المنطق أم جودة الاختيار ؟! فشكراً لأديبنا عادل باناعمة , وأشكر لشيخنا عميد الندوة الشيخ أحمد باجنيد على وفائه في ندوة (الوفاء)!



التصنيفات