استراتيجية التفكير باللغة العربية وأثرها في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية

استراتيجية التفكير باللغة العربية وأثرها في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية
استراتيجية التفكير باللغة العربية وأثرها في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية


أقامت ندوة الوفاء الثقافية في الرّياض ضمن لقاءاتها الأسبوعية الدورية لهذا الفصل محاضرة بعنوان : (استراتيجية التفكير باللغة العربية وأثرها في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية ) .
قدّمها الدكتور محمود علي شرابي الأستاذ المشارك في المناهج وطرق التدريس في كلية اللعة العربية للناطقين بغيرها بجامعة الإمام بالرياض ، وذلك مساء الأربعاء 23 -3-1441هـ ، وقد أدار اللقاء الدكتور إبراهيم الغنيم وحضرها ثلة من التربويّين واللغويين والأدباء وعدد من رواد الندوة ومتابعيها(.

الشكر والترحيب من الأستاذ حسين باجنيد


بدأ اللقاء الأستاذ حسين باجنيد الابن الأكبر لعميد الندوة الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله وعليه وسلم ، أهلا بكم في هذا اللقاء المبارك ونرجو لكم المتعة والفائدة مع محاضرنا سعادة الدكتور محمود علي شرابي في محاضرة بعنوان : ( استراتيجية التفكير باللغة العربية وأثرها في اكتساب اللغة العربية لغة ثانية ) ونشكر كذلك الدكتور إبراهيم الغنيم على إدارته لهذا اللقاء فأهلاً وسهلاً بكم وعلى بركة الله نبدأ .

السيرة الحافلة للدكتور المحاضر محمود شرابي !
أمّا المقدّم لهذا اللقاء الدكتور إبراهيم الغنيم فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله ونشكر الرعاة لهذه الندوة المباركة فجزاهم الله خيراً ، في كثير من الليالي لهذه الندوة الطيبة تجدون التنوع الكبير من الموضوعات وهذا ما يحفز التفكير ويوسع التجارب ، فيما يظهر أن اللغة الانجليزية كمثال لم يسلم من المساس بها أحد فكل مجتهد أخذ منها نصيب إمّا مَن تربّع عليها وإمّا من تعلّمها في بلدها العربي ، ومنهم من تعلمها في الخارج ، ومنهم من تعلمها طفلاً أو كبيراً ، ومنهم من تعلمها بنفسه ومنهم من تعلمها بمنهجية وهكذا فهل هؤلاء كلهم تساووا في درجة تعلمهم للغة ؟ طبعاً لا ..
أما الدكتور محمود شرابي فنذكر لكم شيئاً من سيرته .. فهو أستاذ مساعد لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بكلية العلوم الإسلامية للطلاب الوافدين بجامعة الأزهر ، وهو أمين عام الجمعية الدولية لمعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها وهي من الجمعيات الحديثة نسبياً في جامعة القاهرة ، هو أيضاً أستاذ المناهج وطرق التدريس للغة العربية للناطقين بغيرها ، أستاذ مشارك وعضو الهيئة الأكاديمية بالمعهد العالي لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في الجامعة الإسلامية في الولايات المتحدة ، مستشار لغوي تربوي في المركز الإسلامي في لندن ، وهو أيضاً مستشار اللغويات التطبيقية في جامعة الإمام ، له تجارب كثيرة ومشاركات ممتازة كمدرب ومتحدث وملقي محاضرات في هذا المجال وعلى وجه الخصوص في مصر والسعودية وألبانيا وبريطانيا ، نريد أن نستمع لهذا الموضوع لأنه يمس الجميع ويسهل عليهم وعلى أبنائهم طريق التعلم ، طبعاً الحديث سيكون فيما يبدو لي أنه للأجانب الذين يريدون تعلم العربية ، لكن في الواقع الجميع سيستفيدون ، لأننا نريد أن نكتسب طرقاً في عقولنا وسلوكيات حتى تساعدنا على تسريع تعلم اللغة .. نستمع إلى أستاذنا الكريم ..


أيها الناس أنتم الأمراءُ

ورحّب الدكتورالمحاضر محمود علي شرابي بجمهور الندوة بادئا: ببسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد ..
كم أحيي هذه القلوب النيرة فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أولاً أقدم أسمى آيات الشكر والعرفان للمهندس محمد أحمد باجنيد وأخيه الكريم الأستاذ حسين على دعوتهما الكريمة ، والشكر موصول لأخي الكريم سعادة الدكتور إبراهيم الغنيم ، اسمحوا لي أن أربط هذا اللقاء باللقاءات السابقة فبعد ( سياحة الفكر ) للدكتور إبراهيم الغنيم ، و (جغرافية الوقت ) لسعادة الدكتور الأستاذ أسعد عبده ، و ( أغبى الطيور لا يحلم بقفص ) للأديب الكبير الأستاذ يحيى باجنيد أقول أغبى الطلاب كما يُعتقد يتعلم بالفكر والمنطق وإدارة الوقت المنظم من خلال استراتيجية التفكير باللغة العربية لذا كان هذا اللقاء ، ولأن الموضوع يرتبط بالبحث العلمي ويغلب عليه الأسلوب العلمي فاسمحوا لي أن أجمع في طريقة العرض بين الأسلوب العلمي واللغوي والأدبي والقصصي حتى يكون اللقاء ماتعاً إن شاء الله تعالى وأسأل الله العون والتوفيق والسداد ، أردت أن أستهل اللقاء فدفعتني أبيات من قصيدة الشاعر تميم البرغوثي :
أيها الناس أنتم الأمراءُ
بكم الأرضُ والسماء سواءُ
يا نجوماً تمشي على قدميها
كلما أظلم الزمان أضاؤوا
قد علا في قلب الجزيرة صوتي
ما بي المال ولا الأسماءُ
ثم إني أحكي حكاية قومٍ
لغة الله خبزهم والماءُ
وخطاهم في الأرض ترسم علماً
سطرته السراء والضرّاءُ



استراتيجية التفكير باللغة العربية ..

الإطار العام للموضوع :
تتســم اللُّغة العربــيّة بأنها نظامٌ للفِــكر ومنهجٌ للتفــكير، والتفكيرُ نعمةٌ عظيمةٌ من نعم اللهِ سُبحانه وتعالى التي وهبها للإنسان وأنعم بها عليه؛ ليتعــرَّف عليه ويعبـده وليعمـّــر الأرض ويُقيم البناء الحضاري فيها، وقد امتاز الإنســانُ بالتفكير المنظــّم وتفرّد به عن بقية المخلــوقات، لذا فهــو نعمـةٌ عُظمى لا ينفك عنها إنسان عاقل ولا يتصور خلو الحياة الإنسانية منها لحظة من الزمن. " والتفكيرُ مهارةٌ من المهارات الأساسية المهمة في المجالات التعليمية لعلاقتها بتطوير قدرات الطلاب وتنمية تفكيرهم. فمع التقدُّم والتطور المعـرفي في وقتــنا الحالي، أصبـحت المعــرفة لا تقتصر على ما يتلقاه الطالب في المحاضــرة الدراسـيّة ولم تعـد غاية في حــد ذاتها بل وســيلة للتعلُّم والتدريب على مهــارات التفكير العُليا حتى يصـبح الطلاب قادرين على فَهـم الحياة ومواجـهة مشكلاتها ومصـاعبها، ويصبــحون قادرين على اتخاذ القرارات المناسبة في حياتهم وحياة من يُعلّمون." (الخليفة ومطاوع، 2015، ص109).
وتناول الباحث إستراتيجية التفكير باللغة العربية موضّحًا لماهيتها، وخطواتها، وإجراءاتها العملية، وأثرها في اكتساب مهارات اللغة العربية لغة ثانية؛ للتصدي لمشكلة البحث التي انبثقت من الدراسة الاستطلاعية التي قام بها الباحث على تسعة من دارسي اللغة العربية الناطقين بغيرها بالمستوى المتقدم وكذلك من نتائج البحوث والدراسات السابقة التي عرضها الباحث في ثنايا البحث، واعتمد الباحث لإتمام هذا البحث على المنهجين الوصفي وشبه التجريبي، وبناء قائمة مهارات فهم المقروء المناسبة للمستوى المتقدم وصمّم اختبار تحصيلي لقياس هذه المهارات والتأكد من فعالية الإستراتيجية المقترحة، وتم تطبيق تجربة البحث على 32 طالبًا من طلاب المستوى المتقدم (الرابع) .
لذا فالبحث الحالي سعــى لتقــديم إستراتيجية حــديثة لمعلمــي اللغة العربيــة لغةً ثانيةً إلى تيسير تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، ويلفت انتباههم إلى أهمية إستراتيجية التفكير باللغة ومنطقية عرض المعلومات والأفكار في عملية تعلم وتعليم اللغة العربية لغة ثانية، وقد استفاد الباحث مما أثبتته بعض الدراسات والبحوث؛ ( انظر: مدكور،2013م، والقطراوي، 2010م، والكبيسي، 2007م ، وM. Mather 2015) أن الاستخدام الواعى لإستراتيجيات التفكير ذو صِلة وثيقة بالتقدّم اللُّغوي والبراعة فيه، وأن دارس اللُّغة الثانية؛ لديه القدرة على التخمين الذكيّ. ولديه القدرة على التواصل مع الآخرين، وغالبًا لا يتخوّف من الخطأ اللُّغوي. ويركز على النماذج والأمثلة والتحليل. ولديه الاستعداد للانخراط في أية فرصة من فُرص التدريب التى تتاح له، ونسبة لما يصاحب تعلم اللغة من قلق واضطراب، فإن الدارس الذي لديه رغبة في التعلم يتغلب على القلق والاضطراب بالتدريب الذاتي، وتعريض نفسه لمواقف اتصالية متنوعة تتيح له ممارسة اللغة والتواصل بها مع الآخريين.
وتكمن أهداف البحث في الأهداف التالية:
تعرف مهارات فَهم المقروء المناسبة لدى دارسي اللغة العربية لغة ثانية في المستوى الرابع.
تحديد أسس ومكونات إستراتيجية التفكير باللغة العربية (إستراتيجية شرابي) التي ينبغي أن تُوظف في تعليم وتعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
تعرف أثر إستراتيجية التفكير باللغة في اكتساب طلاب اللغة العربية لغة ثانية مهارات فهم المقروء والمهارات اللغوية ومدى تمكنهم من هذه المهارات.
مراحل اكتساب اللغة الثانية
وتحدّث المحاضر د. محمود شرابي عن مراحل اكتساب اللغة الثانية قائلَا:
oاختلف علماء اللغة النفسي في تحديد مراحل اكتساب اللغة الثانية أو اللغة الأجنبية كما اختلفوا في تفسير الاكتساب ومراحله، ومن أبرز أسباب هذا الاختلاف تداخل مراحل اكتساب اللغة الثانية في بيئتها بشكل طبيعي مع مراحل تعلمها لغة أجنبية في غير بيئتها اعتمادًا على مواد تعليمية مصنوعة، وتداخل مراحل اكتسابها في مرحلة الطفولة مع مراحل تعلمها في مراحل متأخرة. وقد أدّى هذا التداخل إلى الخلط بين مراحل اكتساب اللغة اكتسابًا متدرجًا في جميع المهارات ومراحل تعلم مهارات لغوية محددة، وبخاصة المهارات التحريرية التي تهتم بها برامج تعليم اللغة الأجنبية كالقراءة والكتابة، بل إن عددًا من الباحثين يدخلون مراحل التعليم وهي مراحل تربوية، ضمن مراحل الاكتساب والتعلم التي تعد مراحل لغوية نفسية، وهذه المراحل هي: المرحلة الصامتة، والإنتاج المبكر، وظهور الكلام، والطلاقة الأولية، والنمو اللغوي المتصل " (العصيلي، 2006، ص ص 269 :272)
فالمرحلة الأولى: المرحلة الصامتة وهي المرحلة التي لايصدر فيها المتعلم كلامًا لغوياً حقيقيًا، إلا ما يردده من مفردات أو عبارات أو تراكيب إثر سمعه إياها. لكنه يفهم ما يسمعه من كلام موجه إليه فهمًا محدودًا، خاصة إذا كانت مفردات الكلام وعباراته وتراكيبه مناسبة لمرحلته الراهنة. وتشير بعض الدراسات في اكتساب اللغة الإنجليزية لغة ثانية إلى أن هذه المرحلة تستغرق مابين عشر ساعات إلى ستة أشهر، ويكتسب فيها المتعلم خمسمئة كلمة فهم فقط" (المرجع السابق، ص269).
أما المرحلة الثانية: مرحلة الإنتاج المبكر وتبدأ هذه المرحلة حيث تنتهي المرحلة الصامتة، وتتطلب ستة أشهر أخرى. وفيها يكتسب متعلم اللغة الإنجليزية مثلاً ألف كلمة يستعملها في الفهم والإنتاج. ويجيب فيها عن الأسئلة بإجابات تتطلب (نعم) أو (لا) كما يجيب إجابات تتطلب كلمة واحدة، وفي نهاية هذه المرحلة يفهم المتعلم المواد التعليمية المقدمة إليه في نصوص وفقرات، ويصدر جملاً قصيرًة ذات معان حقيقية، ويجيب إجابات كاملة عن الأسئلة التي يجاب عنها بنعم أو لا"(المرجع السابق نفسه، ص270).
وفي القراءة يستطيع المتعلم قراءة النصوص وفهم معانيها وفق مستواه الحالي إذا كانت المفردات ضمن معجمه أو كان الموضوع مألوفًا لديه بحيث يفهم معاني الكلمات الجديدة من السياق، أما الكتابة فيمكنه كتابة جمل قصيرة بسيطة، خاصة الجمل الاسمية المكونة من كلمتين، لكنه لايكتب جملاً بطريقة عفوية، وإنما يتأمل ويتأكد من سلامتها مبنى.
المرحلة الثالثة: مرحلة ظهور الكلام وتبدأ هذه المرحلة حيث تنتهي المرحلة السابقة، وتستغرق سنة كاملة، يكتسب فيها المتعلم ثلاثة آلاف كلمة يستعملها في الفهم والكلام. وفي هذه المرحلة يبدأ المتعلم فهم مايسمعه باللغة الهدف في محيطه الاجتماعي. فيستعمل اللغة لأغراض تواصلية حقيقية، باستعمال عبارات تحوي ثلاث كلمات، أو جمل تامة تبدأ من ثلاث كلمات، أو جمل تامة تبدأ من ثلاث كلمات أو أربع،كأن يطلب طعامًا من مطعم، أو يشتري أغراضاً من محل تجارية، أو نحو ذلك. ولايقتصر كلام المتعلم على الرد بل ينشىء كلاماً؛كأن يسأل سؤالاً، أو يطلب طلباً، ويشارك في نقاشات وحوارات حقيقية مع أشخاص خارج محيطه. ويستعمل في حواراته جملاً وعبارات قصيرة سهلة، تحوي أدوات وظيفية أساسية؛ كأدوات الربط، والإسناد وحروف الجر، وبعض الضمائر، وأسماء الإشارة. وفي القراءة يرتفع مستوى المتعلم فيستقل عن غيره، ويعتمد على نفسه في فهم النصوص المقروءة واستنباط معاني الكلمات وتراكيبها، وفي فهم المعنى العام للنص، والمعلومات الخاصة، لكنه يحتاج إلى مساعدة في فهم الدلالات والمصطلحات الجديدة.
والمرحلة الرابعة: الطلاقة المتوسطة تبدأ هذه المرحلة حيث تنتهي المرحلة السابقة، وتستغرق سنة كاملة، ويكتسب فيها المتعلم ستة آلاف كلمة يستعملها في الفهم والكلام والكتابة، بيد أن كلمات الفهم في هذه المرحلة غير محدودة بعدد معين؛ حيث يستعين المتعلم بمهارات جديدة في فهم المعنى العام واستنباط المعلومات الخاصة، لكنه يفهم معظم ما يسمعه باللغة الهدف بالسرعة العادية، وخاصة ما تبثه وسائل الإعلام، ما لم يحو الحديث معلومات معقدة أو بعيدة عن مجال فكره. ويستطيع المتعلم التواصل مع غيره مستعملاً جملاً اسمية وفعلية مركبة ومعقدة أحياناً، سواء أكانت مثبتة أم منفية أم استفهامية، وتحوي ضمائر وأسماء إشارة وأسماء موصولة، كأن يقول: أريد أن أسافر إلى بلدي، وفلان سافر إلى بلده، وهذا صديقي الذي وصل أمس، وهل تساعدني من فضلك؟ ولم أذهب إلى السوق في الأسبوع الماضي، ونحو ذلك" ( المرجع السابق نفسه، ص 271).
ويستطيع المتعلم أيضاً إبداء آرائه والتعبير عن أفكاره ومشاعره بلغة سليمة كأن يقول: أعتقد أن هذا الكلام غير صحيح، كما يمكنه أن يسأل عن الأماكن والأشخاص والأزمنة والمواعيد، ويستفسر عن الأسباب، ويفهم ما يقرأه من نصوص مقررة عليه، ومناسبة لمستواه".
أما المرحلة الخامسة: النمو المتصل ( المستمر) وهي المرحلة التي يعتمد فيها المتعلم على نفسه اعتمادًا كلياً في الجوانب اللغوية غير الأكاديمية، وتبدأ حيث تنتهي مرحلة الطلاقة المتوسطة، لكن نهايتها غير محددة تحديدًا زمنيًا، قد تصل إلى خمس سنوات أو أكثر من ذلك. أما الكلمات التي يكتسبها المتعلم فيها غير محددة؛ لأن معظمها محتوى للمواد التعليمية في مدرسته أو معهده. وهذه تعتمد على كمية المواد التعليمية التي يتلقاها المتعلم في هذه المرحلة. ويفهم المتعلم فيها جلّ مايسمعه خاصة في حجرة الدرس ويتحدث مع غيره داخل المدرسة وخارجها، ويعتمد على نفسه في القراءة الأكاديمية أو الحرة، وفي هذه المرحلة يبدأ المتعلم في التحول من متعلم للغة الثانية إلى طالب في التعليم العام لا يجد صعوبة في فهم محتوى مقررات نصوصه، حيث يدخل حالة شبيهة بحالة الناطق باللغة الذي لايعاني من صعوبات لغوية تحول بينه وبين فهم المحتوى العلمي للمواد التي يدرسها، فهذه المرحلة قد تنتهي بالمتعلم إلى مرحلة الناطق باللغة، وقد تتوقف في مرحلة معينة حينما يشعر المتعلم بعدم الحاجة إلى ممارسة اللغة الهدف والسعي إلى اكتساب المزيد منها.
ويتم ذلك في إطار ما يلي:
•الاطلاع على الأدبيات والدراسات والبحوث المتعلقة بموضوع البحث؛ للوقوف على آخر ما أسفر عنه مجال إستراتيجيات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها.
• عرض رؤية عملية موضوعية؛ من خلال خطوات إستراتيجية التفكير باللغة العربية ودورها في عملية تعلم وتعليم اللغة العربية للدارسين الناطقين بغيرها.
•عرض مجموعة من التوصيات والمقترحات التربوية في ضوء خبرات بعض الدول المتقدمة والتي تعمل على نشر لغتها وتوسيع نطاق المتحدثين بها والرائدة في المجال تعليم اللغات الأجنبية كلغة ثانية.
أسس ومكونات إستراتيجية التفكير باللغة العربية (إستراتيجية شرابي) :
هذه الأسس والمكونات ترتبط بالإجابة عن السؤال الثاني من أسئلة البحث؛ ونصه: ما أسس إستراتيجية التفكير باللغة وما مكوناتها؟ ارتكزت إستراتيجية التفكير باللغة العربية على مجموعة من الأسس والمكونات التي اعتمد عليها الباحث في بناء الإستراتيجية المقترحة ومن أهمها ما يلي:
قراءة النص وتأمله واستيعابه وتمثل معانيه .
تحديد منطقية وترتيب الأفكار الأساسية .
تحديد المفاهيم والكلمات المفتاحية للنص.
صياغة محتوى النص ومضمونه في جملة خبرية .
إبقاء الجملة الخبرية على شاشة الذهن ( أنا أفكر بـ . . . ) .
اعتبار مجموعة الأفكار المتضمنة في النص .
تنظيم المعلومات بطريقة متسلسلة ومنطقية .
تقويم المعلومات المنظمة والمتسلسلة المنطقية .
والشكل التالي يوضح أسس ومكونات إستراتيجية التفكير باللغة العربية
 
الشكل رقم (1)
نؤكد على ضرورة التنويع في خطوات الإستراتيجية، حتى يكون في هذا التنوع فرصة يجد خلالها كل دارس ما يناسب قدراته وخبراته، وعلى المعلم أن يدرك عدم وجود إستراتيجية صالحة لكل موقف تعليمي، فمراعاة الفروق الفردية تتطلب من المعلم استخدام أكثر من إستراتيجية أثناء موضوع واحد، وقد أثبتت بعض الدراسات أن الطلاب يتعلمون بشكل أفضل عندما يُقلل المعلم من تلقينه وتعليماته وأوامره " (الناشف، 1993م، ص 244).
ما قبل عمليات التفكير باللغة العربية:
إن تدريب الطلاب على ممارسة التفكير في الخبرات التي يواجهونها سواء كانت تعليمية أو حياتية، تستدعي أن يتدرب الطلاب على ممارسة مهارات بسيطة تمهيدية حتى يتحقق لديهم الاستعداد لممارسة التفكير أو التدرب عليه. ويتم تعلم دارسي اللغة العربية لغة ثانية مهارات التفكير اللغوي وفق المواد الدراسية الصفية التي يتفاعل معها الطلاب وفق منهاج مقرر فهم المقروء. إن تدريب دارسي اللغة العربية لغة ثانية على ممارسة التفكير اللغوي وفق وسط محدد ومنظم ومسلسل له عدد من المزايا :
oيزيد من استعداد دارسي اللغة العربية لغة ثانية على ممارسة التفكير الواعي .
oيزيد من فاعلية أدوار المعلمين في الموقف الصفي .
oيتيح أمام المعلم الفرصة لممارسة دور أكثر فاعلية وأكثر أهمية من دور العارف والخبير. ويتفق مع (Shatz، 2014م، ص 106).
oيزيد من إقبال الطلاب على التعلم الصفي والمواقف والخبرات الصفية المختلفة .
oيحبب دارسي اللغة العربية لغة ثانية بالجو الصفي الذي سيسوده جو من الأمن والديمقراطية والتسامح والتقبل.
oيزيد من حيوية دارسي اللغة العربية لغة ثانية في تنظيم الخبرات التي يواجهونها، ويتيح أمامهم فرص اختبارها والتفاعل بطريقة آمنة تحت إشراف المعلم وتوجيهه .
oيدرب دارسي اللغة العربية لغة ثانية على ممارسة مواقف قيمة يمكن نقلها إلى مواقف الحياة المختلفة.
oيسهم في إعداد دارسي اللغة العربية لغة ثانية للحياة ، ويتيح أمامهم فرصة ممارسة الحياة بأقل قدر من الأخطاء. بل إنها تستطيع أيضًا- من خلال الدراسة اللغوية – الفكرية المقارنة– أن تطلعنا على أوجه الفروق بين الشعوب، وبيان ما وصلت إليه من تقدم، أو ما زالت تتعثر فيه من تخلف وجمود" (طاهر، 2018، ص17).
ويمكن تنفيذ هذه الإجراءات بعد تدريب الطالب على إنجاز الخطوات الممهدة لممارسة عمليات التفكير يمكن إعداد خطة منظمة للتدريب على التفكير، وقد كان مبرر ذلك أن مهارات التفكير تتطلب جهداً ذهنياً فاعلاً، بالإضافة إلى توفر بنية معرفية لذلك، ويمكن تحديد الخطوات كالآتي :
oصياغة الفكرة التي طورها المتعلم بعد مروره في الخطوات التمهيدية .
oملاحظة العناصر المختلفة المتضمنة في النص المقروء.
oتحديد العناصر اللازمة وغير اللازمة وفق معايير مصاغة .
oربط العناصر بروابط وعلاقات منطقية وعقلية.
oوضع الأفكار المتضمنة على صورة تعميمات في جمل خبرية .
oوضع الأفكار المتضمنة في النص في وحدات .
o إعداد قائمة بإستراتيجيات عقلية مختلفة حتى يستطيع تلبية الاتجاهات المختلفة لدى دارسيه، وبعض الطلاب يميلون إلى اكتساب اللغة عن طريق الملاحظة وجمع المعلومات، وآخر يفضل الذاكرة والتخيل، ووقفنا على أن بعضهم اتكالي، وآخر استقلالي" (2005,p.21, Felder) فمثل هذا التنوع يحتاج إلى جهد عظيم من المعلم، وقد أشار أحد الباحثين إلى أن الاختلاف بين إستراتيجيات الدارس والمعلم قد يقود إلى إخفاقات كبيرة قد تقود الطالب إلى الزهد في تعلم اللغة، وتقود المعلم إلى الإحساس بأنه فاشلفمن هنا يتضح ضرورة معرفة إستراتيجيات عقلية تتناسب مع الطالب حتى ُتنمَّى، أو تُضاف إليها إستراتيجيات جديدة تتماشى ونفسية الطالب"Ghamat ,1999, p.38) )
وإذا سلمنا بأن اللغة هى نظام للفكر ونظم للتفكير وجسده، فإنها على هذا الأساس تصبح المدخل الذى يضع أيدينا على مستوى الفكر الموجود لدى الشعوب التى تتحدث بها، ومدى رقى هذا الفكر أو انحطاطه، بل إنها تستطيع أيضًا – من خلال الدراسة اللغوية – الفكرية المقارنة– أن تطلعنا على أوجه الفروق بين الشعوب، وبيان ما وصلت إليه من تقدم، أو ما زالت تتعثر فيه من تخلف وجمود " (طاهر، 2018، ص17).
وخلص البحث إلى مجموعة من النتائج من أهمها؛
وأشارت نتائج البحث إلى أن (90%) من أفراد عينة البحث لديهم قدرة على توظيف خبراتهم القديمة في استخلاص المعني الضمني من النص المقروء ، وكذلك تحديد الهدف العام للكاتب من النص، وأن إستراتيجية التفكير باللغة العربية وما تتضمنه من تأمل النص والتفكر في معاني الكلمات والجمل وصولًا للأفكار الرئيسة والفرعية بالنص وربطه بالخط الفكري العام للنص،
ويمكن أن تعزى هذه النتيجة إلى أن طلاب المجموعة التجريبية التي خضعت للتعلم بإستراتيجية التفكير باللغة العربية (إستراتيجية محمود شرابي) كانوا مشاركين فاعلين في العملية التعليمية مما دعا الباحث لقبول الفرض البديل ورفض الفرض الصفري للبحث، ويرجع ذلك أن المجموعة التجريبية أتيحت لهم الفرصة في ظـل هـذه الإستراتيجية لتطوير اتجاهات إيجابية نحو التعلم وتشجيعهم على استكشاف اتجاهـاتهم وقيمهم التعليمية،
وتنمية مهارات التفكير العليا لديهم، وتطوير دافعيتهم الداخلية لحفزهم على التعلم، وتسهيل تعلمهم من خلال مـرورهم بخبرات عملية مرتبطة بمشكلات حقيقية في حياتهم، وزيادة انتباههم، وزيادة التفاعل داخل قاعة الدرس، وكل هذا يقود في المحصلة إلـى زيـادة تحصيل دارسي اللغة العربية لغة ثانية لما يتعلمون ويدركون أهدافهم ويشاركون في مجريات المحاضرة بشكل فاعل...

وأشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

وفي الختام تحدث مدير اللقاء الدكتور إبراهيم الغنيم فقال : في الواقع أن الكلام مركز ويطرح تساؤلات كثيرة دقيقة وأنا شخصيا صارت لدي تساؤلات كثيرة جداً ونترك الفرصة للمداخلات ..
التساؤلات والمداخلات

وأخيرا أثار اللقاء عدة نساؤلات ومداخلات أجاب عنها المحاضر د. محمود شرابي.
-وبدأها فضيلة الشيخ محمد بافضل قائلاَ: جزى الله المحاضر خيراً وجزاكم الله جميعًا ، اللغة العربية كما تعلمون هي لغة كتاب الله جل شأنه وبحق لا يقدر على فهم كتاب الله وسنة رسول الله إلا من درس اللغة العربية ، قال بعضهم :
تعلم فليس المرءُ يولد عالماً
وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ
فحرّضوا أنفسكم وأبناءكم على التعلم وساعدوهم وناقشوهم .. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وصلى الله عليه وسلم ..

-أما الأديب شمس الدين درمش فأشار إلى أنّ الموضوع مهم جداً وهو يمس طائفة كبيرة من غير العرب الذين يعيشون بيننا وبالخصوص في منطقة الخليج ، فكم فكرت في أنه لو كانت هناك استراتيجية لاستقبال هؤلاء الوافدين فلا يأتون إلا بعد تعلم اللغة العربية لكُنّا حولنا شعوباً كاملة إلى اللغة العربية ، ولكن من خلال ممارستي لمهنة التعليم نحن هنا نعاني في مشكلة الكتابة الإملائية وطبعًا استراتيجية التفكير باللغة العربية تعتمد على أن تسمع اللغة أو تقرأ اللغة ، فهناك استراتيجية منهجية في الكتابة الإملائية ، لكن مع هذا هناك شذوذات تزعج الطلاب الذين أصلهم عرب ، فالمذيع في الإذاعة والتلفزيون يخطئ في قراءة الكلمة نتيجة زيادة حرف أو نقصان حرف ، ، فلذلك طلاب الصف الأول يعانون أشد المعاناة في هذا الأمر ، ولذلك حصل عندي سؤال لفضيلة الدكتور .. ألا توجد هناك استراتيجية لدى مجامع اللغة العربية في توحيد الكتابة الإملائية على مستوى الوطن العربي وخصوصاً أن هناك اختلافات في كتابات المغاربة والمشارقة في بعض هذه الأشياء ؟

- وقال الأستاذ باسم الضبيعي : لديّ سؤال ، إن مجموعة الطلاب لا شك أنها مختلفة فمنهم الكوري والياباني والإفريقي وهؤلاء كانوا يجدون صعوبة حتى في اللغة الإنجليزية ، وهؤلاء حقيقة لغتهم لا ترتقي إلى تعلم لغة أخرى فالسؤال كيف يتم قبولهم ؟ وما الشروط المطلوبة ؟ وكيف يتم التفاهم معهم ؟ وكم هي المدة المطلوبة لإنهاء مدة التعلم ؟
- أما الأستاذ محمد العنزي فقال : اسمحوا لي أن أعطي وجهة أخرى .. المحاضرة كانت مركزة وقوية ودسمة وهي تصلح لصالات الجامعة ، والحضور هنا منهم الجامعي والثانوي ومنهم دون ذلك وكنت أرغب أن ينزل في عطائه لنا في حديث مباشر ، وليس من خلال قراءة عن المدونة وقد جرت العادة في الأمسيات أن يتطرق المحاضر إلى مختلف المشارب الموجودة ، وأن يكون في مستوى الحضور .. وشكرًا جزيلاً للدكتور محمود والحضور الكرام .

- الأستاذ حمد النهدي : قبل مدة طويلة حوالي 40 أو 50 سنة كان هناك شاعر لبناني اسمه سعيد عقل كان ينادي باللهجة اللبنانية لتكون هي لغة لبنان ، وكان العرب جميعهم يعارضونه ، أما اليوم فللأسف نرى الجميع في وسائل الإعلام حديثهم باللغة العامية فقد أصبحنا سعيد عقل الآن ! والمفروض قبل أن نعلّم الأجانب لغتنا أن نعلم أنفسنا اللغة العربية ، فقد أصبح العرب غرباء عن لغتهم ، فهل هنالك حل لهذه الإشكالية ؟!

-وأشار الأستاذ صالح بطيش إلى أنّ مدير الجلسة في البداية قال جملة حركت شجونه فقد تباكى على اللغة العربية ، لأنها لم تحظ بما حظيت به باقي اللغات فما السبب ؟ نحن نعيق اللغة العربية ، ونحن النخبة نستدرج ونستورد مصطلحات أجنبية نحن في غنى عنها ، أحصيت حوالي 15 مرة كرر كلمة استراتيجية ولو بحثنا في المحتوى لوجدنا لها بديل في اللغة العربية ، أوليس هذا عقوقا للغة العربية ؟ فهل الغواص غير ماهر أم أن اللغة ليست بحرًا ؟ وشكراً ..

- واستفسر الأستاذ عمر باحليوة عن موضوع الممارسة للطلبة غير الناطقين باللغة فمثلاً الطالب المبتعث يستفيد من اللغة في الشارع وفي الممارسة فيتعلم في الجامعة ، ثم يمارس في الخارج فيجد ما يتعلمه في المعهد موجوداً في الشارع خصوصا دول أوروبا وانجلترا ، هنا الطالب يدرس في المعهد اللغة العربية ، ثم إذا ذهب للشارع يجد اللغة العامية ، فما مدى الصعوبة التي يجدها الطالب هنا في عملية الممارسة للغة ؟
- وقال المهندس محمد باجنيد : أثارت المحاضرة لدي بعض الأسئلة فنرى أن هناك إقبالا كبيرا على تعلم اللغة العربية من غير الناطقين بها ، فما الدوافع إن كان مثلاً من الدبلوماسيين ؟ أيضاً ما تأثير القرآن الكريم خاصة للمسلمين ؟ فهل هذه الاستراتيجيات تستفيد من ذلك ؟
- وأوضح الأستاذ خالد المرداسي أنّ حقل اللغويات التطبيقية من الحقول التي لم تُعطَ اهتماماً كبيرًا في الوطن العربي ، وهي من الحقول المهمة جداً حتى أن الدول الكبرى كانت أثناء الاستعمار تبثّ لغتها في الدول التي استعمرتها قبل مغادرتها ، فيعززون لغتهم في الجامعات والمدارس ، فليت أهل اللغة العربية يقومون بتعزيز لغتهم وتقويتها هكذا ونشر ثقافتها في العالم .. ثمّ سأل ما الاستراتيجيات الأخرى غير التفكير التي يمكن أن تُبحث في غير الحقل ؟ وهل يوجد هناك فرق بين المسلمين وغير المسلمين في تطبيق هذه الاستراتيجية والاستفادة منها ؟



التصنيفات