إستئناف الحضارة ... من أين نبدأ ؟

إستئناف الحضارة ... من أين نبدأ ؟
إستئناف الحضارة ... من أين نبدأ ؟

المحاضر الكريم الدكتور زياد بن عبدالله الدريس المندوب الدائم للملكة في منظمة اليونسكو:

ركز المحاضر الكريم في طرحه، على كثير من القضايا و المفاهيم و المناظير إن صح التعبير،
فبدأ بالاطار المرجعي، الذي تمثل فيما كتبه شكيب أرسلان في كتابه، لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ و مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة، وقال بأن هذه الشرارة قد خمدت بعدهما فترة طويلة، و لم يثرها أحد مثل ما أثاروها، بل إن ما أثير ليس بنفس الزخم.

هل كان لنا حضارة اصلاً؟
هذا سؤال يرفعه بعض الناس الذي قال عنهم المحاضر بأنهم وجهوا توجيهاً بسبب ظروف تعيسة، منها الإحباط أو الظروف السياسية أو الاقتصادية، بالإضافة إلى قضايا الربيع العربي التي كانوا يظنون بأنها ستكون منقذاً لأوضاعنا.
ذكر الدكتور زياد بأنه كيف يمكن لنا ان نطرح سؤالاً كهذا و ننسى الجحيم الذي عانته الدول الغربية حضارة الغرب قريبا في الحرب العالمية الثانية التي هي قبل سبعين سنة فقط، متناسين الحقبة المديدة للحضاره العربية و الإسلامية من بغداد في الشرق إلى قرطبة و غرناطة في الغرب، وكيف يمكن لهذا الاحباط ان يصرفنا عن ثمان قرون في حضارة المسلمين.
كما أنه لا ينبغي ابداً ان نؤمل قيام حضارتنا على ما يقال عن سقوط حضارة الغرب، وكأننا جاهزون لخلافتها، فهناك في الطابور الحضارة الصينية والهندية، وغيرها، ونحن للأسف لم نقف في الطابور أصلاً.
فاستئناف الحضارة، بهذا اللفظ أثارة حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد بن مكتوم، هو لفظ مناسب لأن فيه اعتراف بوجود سابق، وانطلاق إلى مستقبل حضاري لاحق. فمن الخطأ الإتكاء على الماضي وحده، كما أن من الخطأ تغييبه.
الذين ينظرون من اصحاب التخصصات الإنسانية هم الذين يقودون حوكمة المجتمعات، ويبلورون الحضارات وتوجهاتها، لا اولئك الذين يعملون في المختبرات. ونحن لدينا منظور جاهز وناجز دوماً بأن في رؤينا المجتمعية بأن النوابغ يذهبون للكليات العلميةن والحضارات كلها لم تقم على الذين يعملون في المعامل، نعم هم يهيئون للحضارة، ولكن أصحاب التخصصات الإنسانية هم من يحسنون إدارة ما يتم داخل المعامل.
كما ذكر المحاضر أن لكل حضارة عصور مظلمة، ولكن للحضارات عصور أنوار أيضاً.
وأخيراً ختم بذكره لقضايا مهمة، إذا نحن اليوم نظرتنا للحضارات يجب أن ننظر إليها في ضوء حسابات اختلفت عما كان عليه الماضي، وعوامل استجدت ينبغي أن تكون هي الركيزة التي تبنى عليها فهمنا للحضارات، وخاصة في ظروف الحدود السياسية التي قد قلصت من أواصر التواصل. فلذلك ينبغي الانطلاق من مبادرات وطنية، وينبغي بأن نسلم بأننا لن نستطيع أن ننهض جميعاً كدول في آن واحد وبالزخم نفسه، وعلينا أن لا نتعلق على منطلقات قومية لنحقق نهضة عربية أو اممية لنحقق نهضة إسلامية دفعة واحدة.



أظن أن النهضة لا تنطلق من مكان مهم في الدولة، إن البداية تكون من انطلاق كل واحد منا من بيته ومنزله، ليكون مرتكزا في الحضارة، ثم بعد ذلك تتوسع و تتمدد حتى يتحقق ما نأمله.
وختم بمقولة جميله لكاتب روسي:
(أمضيت حياتي في الشباب وأنا أريد أن أحقق نهض على مستوى العالم كله، فلما بلغت الأربعين، قلت أعمل على مستوى بلدي ثم في الخمسين أو الستين على مستوى عائلتي، و لو أني بدأت بالعكس، أسرتي ثم الحي الذي أنا فيه ثم مدينتي ثم دولتي لكان هذا هو الأرجح).



المعقب الرئيس الدكتور عبدالله بن حمد العويسي أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد
يقول حفظه الله: سؤال إشكالية النهضة شغل العالم الإسلامي منذ أن بدأ اللقاء مع الغرب بين المماليك والحملات الغربية، حيث اصطدموا مع عدو بأسلحة جديدة وابتكارات متنوعة، فبدأ التساؤل والدهشة العملية من المسلمين، وتحول إلى محاولة لطرح فكر جديد، وإعادة قراءة ما كان من ماض واكتشاف للأدواء. وقد كان رائد هذه المرحلة جمال الدين الأفغاني وتبعه محمد عبده، وشكيب أرسلان ينتمي لهذه المدرسة، فصاغ السؤال في كتابه المعروف: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟
وهو كان مهموما بالأمة الإسلامية، كيف تخلفت عن الحضارة؟ ولماذا؟ وهناك سؤال الحضارة عموما الذي يعنى بها عن أي أمة من الأمم، هل يمكن أن تنهض بعد سقوط؟ وهل الاستئناف ممكناً؟
حتمية السقوط هو رأى ابن خلدون، ولكنه كان يفكر على مستوى الدولة.
مالك بن نبي استفاد من النظريات العلمية قبله، وقال: أن الحضارة ممكن أن تعود من جديد، فهذا قانون الجاذبية مستمراً ومطرداً، ولكن الإنسان عندا اكتشف قوانين الطيران، استطاع أن يطير. ونظر للحضارة مما تتكون، اكد مالك أن استئناف الحضارة ممكناً بعد سقوطها. وقدم في ذلك نظرية تنفع الإنسانية، ويمكن أن يستفيد منها أي مجتمع، وهو كان مهموما بالجزائر، وحاول أن يقدم للجزائريين كيف ممكن أن ينهضوا في كتابه شروط النهضة، فتعدى ذلك بحديثه للأمة العربية والإسلامية بل للعالم الثالث، من محور جاكرتا شرقاً إلى طنجة غرباً.



ثم جاء منعطف بعد ذلك قلل من قيمة هذا السؤال، وهو السؤال عن الهوية. والذي ربط قيام الحضارة ربطاً كليا بقيام الدين وتلازمهما، فإذا لم يقم الإسلام الحق لم تقم الحضارة، وهنا خلط بين الفعل الإنساني والدين الإلهي، لأن من ربطها رأى أن من لا يستند إلى شرع الله لا يمكن أن يحقق الحضارة، وإن كان هذا رأي مطروح، إلا أن التاريخ يخالفه، والذي يظهر قيام حضارات رغم بعدها عن الدين. والقران الكريم ذكر عن أمم ذات حضارات، وآثار في الارض وعمروها أكثر مما عمروها، رغم بعدها عن الايمان، فالإيمان شيء وقضية الحضارة شيء أخر.
وهناك من يفرق بين المادي والثقافي، فنخذ الجانب المادي ونترك الجاني الثقافي، ولكن كما قال مالك بن نبي أن الحضارة كلا ، فلابد من قيامها ان يقترن الإبداع الثقافي بالإبداع المادي.
وعلق الدكتور العويسي عن الرأي الذي ينفي وجود حضارة اسلامية اصلاً، بأنه وليد دوائر استشراقية، والذي يجعل دور المسلمين لا يتجاوز النقل لمنجزات الحضارات الاخرى، ولم يضف شيئاً عليها. ولاشك ان في ذلك تجاهلاً لكثير من النظريات العلمية التي نشأت في عهد المسلمين. والمنصفون من الغربيين نفسهم يعتبرون الحضارة الاسلامية هي احد الحضارات التي كانت فاعلة في التاريخ ، بل ان تونبي عدها من الحضارات التي مازالت حية.
وأما دور اصحاب العلوم الانسانية والفلسفية في قيادة الحضارة، لا شك بأن لهم اليد الطولى في هذا الجاني، وهم يخلقون الجو الذي يدفع الإبداع والابتكار. ومالك بن نبي عندما طرح نظريته أسند إمكانية القيام بالنهضة للنخبة المثقفة، بشرط أن تكون فاعلة، كأن يكون لها دور في سياسة البلاد. وهذا ما وجدنا مصداقه في الواقع، فمالم تتبنى دولة من الدول برنامج الحضارة، فلا يمكن أن ينجح برنامج استئناف الحضارة، وعلى سبيل المثال ماليزيا، تبنت كيف ممكن أن تستفيد من النموذج الغربي دون ان تقع أسيرة له، ونجحت في ذلك ومثل ذلك في كوريا واليابان والصين. وللأسف الدول العربية أخذت بالنموذج التبعي الرأس مالي أو الاشتراكي، فام تنجح، ولم تبدع أمة إلا في ضوء أصالتها وروحها.

الشيخ ابراهيم التركي ابو قصي
علق على أن الحضارة تبدأ من الفرد، فقال: للأسف أن الافراد في العالم العربي محطمون فاقدون للحرية، وطالما الانسان يفقد الحرية فيعني ذلك أنه فاقد لشخصيته. فكيف يمكن لهذا أن يبدع؟
صحيح أن العلماء العرب كان لهم انجازات، ولكن كان كثير منهم محاربين في وقتهم، ومن فضل الغرب أنه نشر ما توصلوا إليه علماؤنا الأوائل.
الأستاذ صالح بطيش:
مثال ما ذكره الاستاذ زياد الدريس من أن الدور يبدأ من الاسرة، ذلك الطفل الذي عاد إلى أمه من المدرسة بورقة، فعندما سأل عن ما فيها، أخبرته بأن المدرسة تقول أنه عبقري والمدرسة لا تستطيع أن تدرسه، فليجلس في البيت. فدرسته أمه وعلمته، وعندما كبر وقرأ الورقة بنفسه وإذا به يكتشف أنه قد كتب فيها: أنه طفل بليد غبي، فليجلس في ولا فائدة من حضروه للمدرسة. إنه اديسون مخترع المصباح الكهربائي.

الشيخ محمد أحمد بافضل
العودة للحضارة يكون بالعودة للإسلام، والله سبحانه وتعالى يؤكد ان "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً" .وهو ظنك واقع في هذه الحياة الدنيا، والحضارة هي الحياة الطيبة التي ربطها الله سبحانه وتعالى بالإيمان والعمل الصالح فقال تعالى "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " .

الدكتور علي بن عمر بادحدح
ذكر في مداخلته أن الكثيرين الذين كتبوا عن الحضارة الإسلامية عالجوا الجانب الفكري والمعنوي والاجتماعي فيها، مثل ما تكملوا عن الجانب المادي، سواء في قصة الحضارة وغيره. وأحب ان اذكر مثلين ماذا نعني بالحضارة من الناحية المادية، وهما:
سنغافورة وفلّندا بلدان صغيران، ليس لهما موارد طبيعية وعدد السكان قليل، وكلتيهما من الدول الأعلى في مستوى الرفاهية والدخل والابتكار. فالمعادلة هي في صناعة الانسان. كل ما نحتاج إليه من الناحية المعنوية موجود لدينا في ديننا، ولكننا للأسف ولكننا لم نطبق الجانب المادي، والمقصود به حاضنته:
- اغتنام الاوقات واستثمارها.
- الجودة والاتقان والجدي في الاداء.
- المعيارية التي تنموا بالنماذج لمراتب عالية وإلى تصنيفات تجعل التنافس حقيقا.
- المنظومة المتكاملة فالصحة تخدم التعليم والتعليم يخدم الصحة وهكذا.
لدينا طاقات متميزة، ولكن يهاجر كثير منها، لأن لدينا خلل في المنظومة التي تنشئ القوة الفاعلة.
حضارة الغرب فيها قوة من الناحية المادية ، ولكنها ضعيفة من الناحية الأخلاقيةز


الدكتور عائض الردادي
الدكتور زياد طرح كلمة استئناف، لتوقظ ذلك السبات الطويل الذي يعيشه العرب .
العرب مشكلتهم العنتريات، فالعالم يعمل ويقترح وينظم، وهم يجتمعون في جامعة الدول العربية، ونحن نعلم ما وصلت اليه الآن من سكون.
ثم جاءت مرحلة التضامن الاسلامي، وظن الناس أن فيها نوع من الاستئناف، وما لبثت ان خبت، ولم تعد المنظمات هي الاطار الصالح لاستئناف الحضارة.
يجب ان نعترف انه هناك هزيمة نفسية داخل كل فرد منا، وأن هناك خلل في التخصصات على مستوى التطبيق.
هناك ومضات على مستوى دول، في ماليزيا وأيضاً اندونيسيا والتي يتوقع في عام ٢٠٣٠ ان تصبح الدولة الرابعة في الاقتصاد على مستوى العالم.
لقد فشل التلاقي على مستوى المنظمات، حتى الاتحاد الاوروبي التي بدء يتفكك، ولكني اعتقد ان الاوربيون سيجدون الاطار الذي يحافظون به على حضارتهم.
ان من مشكلاتنا هو السوء البالغ في توظيف الموارد المالية والبشرية، والتي تملك منها الدول العربية والاسلامية الكثير.
واما النخب المثقفة فللأسف نجد أنها تتصارع فكّريا،ً ولو عملوا على الالتقاء، وفكروا في المصلحة العامة لكان هناك استئناف للحضارة.
إذاً هناك حاجة للتفكير في خارج اطار المنظمات، ربما من خلال الاقتصاد والتقنية والتربية، ونحن بحاجة الى ازالة الكابوس النفسي من الفرد في كافة مراحل التعليم.



الدكتور عبدالله بن زامل الدريس وكيل وزارة الصحة سابقاً
ماهي الاسباب الحقيقية لانحسار الحضارة الاسلامية التي استمرت لقرون عديدة؟ هل هو بسبب الصراعات المحلية ، أو هل هناك ما يسمى المؤامرة.
كيف نستأنف ؟ اجيب بأنه نبدأ بذاتنا وانفسنا ولكن هل هذا كافي؟ فالأسئلة ما زالت مفتوحة.
العثمانيون للإنصاف كان لهم حضارة وقد امتدت في أوربا الشرقية، وما زالت شواهدها قائمة حتى الآن، وفي البوسنة التي كنت في زيارة لها، ما زالت المساجد والمتاحف التي بناها العثمانيون قائمة وشاهدة على حضارتهم.

الدكتور يحيى ابو الخير
موضوع أن علماء المختبرات لا يقودون الحضارة سببه اننا ننظر للعلم بحيازية، شرعي وعلمي وادبي، وهذا من أسباب وجودنا في مؤخرة الحضارات، وجد في بعض الدول مثل بريطانيا وامريكا واستراليا محاولات لدمج مختلف العلوم في علم واحد، مثل كلية العلوم والآداب، بحيث يأخذ الطالب في نفس الكلية ما يغذي فكره وينمي بعده الانساني.

الحضارة الاسلامية لاشك انها نجحت وقدمت للإنسانية الشيء الكثير، ومازالت تقدم من خلال الذين هاجروا منها للدول الغربية وهم يسهمون في مضمار الحضارة.
ولكن نحن في سباق مرثوني، ونحن نعيش في عالم تقني في عالم انفجار المعلومات ونعيش مشكلات بيئية وسكانية وغيرها ولا يمكن حل تلك المشكلات بمنظر واحد ليضع الحلول، بل لابد من وجود اصحاب المختبرات ليصبح لهم الكلمة الحاسمة في حل تلك المشكلات.
اصبحت الحضارة لا تفهم بالطريقة غلتي نفهمها فلسفياً ونظرياً، فإذا كنا لا ندخل مرثون الحضارات الرقية سنعود للوراء، ومع كل التقدم الولايات المتحدة تعتبر نفسها في حضارة الصفر.
المرجو أن ننهض في نقل الشباب بتعريفهم بالنقلات النوعية الكبيرة التي تقودنا للحضارة.

المهندس أحمد محمد باجنيد
شكر الحضور الكرام على حضورهم، وكما كان عميد الندوة والدي رحمه الله يردد أن هذه الندوة زادها من روادها.
ثم شكر المحاضر الكريم الذي حرص على الحضور رغم الوعكة الصحية التي يمر بها وايضاً كثرة ارتباطاته خاصه وأنه وصل الى الوطن قريباً ولاشك أن وقته مزحوم بكثير من الأعمال ولكنه آثر الندوة بهذا الوقت.
ثم علق على موضوع الاطروحات لتي تبشر بزوال الحضارة الغربية، فأورد حديث المستورد القرشي الذي رواه الامام مسلم حيث قال (( تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو بن العاص الذي كان حاضراً ابصر ما تقول : فقال: اقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمروا أما وقد قلت ذلك، فإن فيهم لخصالا أربعاً، أنهم لأحلم الناس عند فتنه، وأسرعهم أفاقه بعد مصيبه، و أوشكهم كره بعد فرة، وأرحمهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميله، وأمنعهم من ظلم الملوك)
وهذا يدل على معرفة سلفنا الصالح بخصمهم، وانطلاقهم من هذه المعرفة في التعامل معه. وما ذكره الصحابي عمروا بن العاص ينم عن دقة في فهم الروم الذين يعتبر الغرب هم امتدادهم، وهناك كثير من الشواهد الحاضرة التي تؤكد وجود تلك الصفات فيهم.
وما يسمع عن انحدار الحضارة الغربية من مفكري الغرب خاصة، يمكن أن ينظر إليه من زاوية النقد الذاتي الذي يمارسه مفكروا الغرب، والذي هو من اسباب حيوية تلك الحضارة وسبب في تماسكها رغم هذه المخاطر.
والسؤال: هل يمكن اخذ النافع وترك الضار من الحضارة الغربية، وذلك في الأمور الثقافية، أما الأمور المادية فلا إشكال في هذا على الغالب، أم انها جزء لا يتجزأ.

هيثم الاشقر
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما في النفس لا يتغير إلا اذا تغير الفكر، ونحن لدينا ازمة فكر و أزمة إدارة، ونحن بحاجة الا ورشات عمل للعلماء من مختلف التخصصات
لإصدار توصيات للمدارس وخطاب المساجد بشكل يومي للعمل بموجبها. ومن تجربتي في بعض المجلات، كان العلماء أحيانا غير واضح لهم ماذا يريدون عمله.
وقد سأل الاستاذ عبدالرحمن باسلم، هل ترتبط الحضارة الإسلامية بالقوة العسكرية؟

مداخلة الأستاذ عبدالرحمن أيمن باجودة
ينطلق شكيب أرسلان ومالك بن نبي من مقدمة تأخر المسلمين وتقدّم غيرهم، هذا السؤال عن أسباب الحضارة لم يخفت، بل استمر ضمنياً في الحركة الفكرية التي تبِعتهم، حيث كان السؤال المبني على هذه المقدمة هو: ما سبب تأخّر المسلمين؟ بينما اتّهم البعض التراث والموروث الفكري، اتّهم آخرون الاستعمار وقيم حداثته؛ لكن المفكرين العرب من أمثال محمد عابد الجابري و محمد أركون وعبدالله العروي وطه عبدالرحمن كانت لهم رؤية أكثر عمقاً وتعقيداً.

كما أن سؤال الحضارة كان ناتج دهشة المسلمين عند التقائهم بالغرب كما ذكر المحاضر، فهو أيضاً سؤال لا ينفصل عن تاريخ الاستعمار ومنطقة الذي ينطلق من ادعاء مركزية الغرب فيما يدعى بـ "عبء الرجل الأبيض"، لذا نجد أن القاموس الذي نتحدث به عن مشكل الحضارة يستعير الكثير من القاموس الغربي:
- فنجد أن التحقيب للتّاريخ يستعير تحقيبهم من حيث تطور حضاري من قرون الظلام إلى الإصلاح إلى التنوير.
- نجد أن كون لكل عصر أنوار كما ذكر المحاضر فكرة متجذرة في فلسفة هيجل الذي رأى أن آخر هذه العصور المستنيرة هو عصر الأمة الجرمانية التي ينتمي إليها.
-نجد أنّ فكرة حركة التاريخ نحو التقدّم الذي يتجلى في الغرب فكرة أيضاً هيجلية، قرأها فوكوياما قراءة يمينية رأسمالية في مسألة صراع الحضارات التي أثارها.

الحضارة في معناها هو مشروع كوني يسعى لتجاوز الثقافة المحليّة إلى ما يهم البشريّة جمعاء، لكن هذا التّصور لم يكن محط الإجماع في الغرب، بل فلاسفة العقد الاجتماعي، وعلى رأسهم جان جاك روسو كما ذكر المحاضر كان يرى رفعة الإنسان البدائي على الإنسان المتحضر؛ بالنسبة له الإنسان متوحش بالطبع وليس مدني، والعقد الاجتماعي هو ضرورة ناتجة عن هذا التوحش الطبيعي في رأيه، لذا بنى نظريته السياسية على ما يسمى بالحقوق الطبيعية. على العكس من ذلك، نجد أن الفلاسفة اليونان والفلاسفة المسلمين انطلقوا من مدنية الإنسان وسعيه دوماً نحو كمال ما، وعادة ما يطرح هذا السؤال في سياق العمران والحضارة والمدينة فتفكّروا: ما هي الحياة الطيّبة؟ وما هو أفضل تنظيم إجتماعي يمثل ويجعل من الحياة الطيبة أمراً ممكناً؟

تعليقات الدكتور زياد الدريس
أود أن أعلق على قضية الرأسمالية في الغرب، والبعض يقول أن حضارة الغرب ليس لها اديولوجية، وإنما هي قائمة على الرأسمالية كأمر اقتصادي فقط، ولذا لا يمكن وضعها أمام الحضارة الإسلامية.
كان بداية الرأسمالية له تأثير إيجابي، حيث استطاعت تحويل المنجزات إلى سلع يستفيد منها جميع الناس. ولكن الرأسمالية قد تغولت، حتى انها أوجدت اشكالية في انتقال الحضارة منها إلى حضارة أخرى. وقد حاولت الاشتراكية أن تنافسها، ولكنها فشلت، وإذا بالاشتراكية تتحول إلى رأسمالية. وكل حضارة لها أجندة، حتى الحضارة الإسلامية وغير صحيح أنها كانت حضارة روحية وتهتم بالإنسان فقط، ولكن كل حضارة لها منافع ومضار ولا تخلو أي حضارة قامت من وجود العاملين معاً، سواء كانت غربية أو إسلامية.



أيضاً أود التعليق على موضوع الهوية: سؤال الهوية لم يكن حاضراً بذلك الزخم في عهد مالك بن نبي، مثل ما هو بعده، وهذا السؤال ليس في العالم العربي وحده، بل حتى في فرنسا، فقبل سنين أقيمت ندوة وطنية كبرى، كان الهدف منها الجواب عن من هو الفرنسي؟ وكانوا يتناقشون بالذات عن قضية المهاجرين من المغرب العربي وشمال أفريقيا. فهل الفرنسي هو من يتحدث الفرنسية، أو من ولد في فرنسا أو هو من تمتد أصوله لفرنسيين. وسؤال الهوية قد أثارته العولمة، وهي التي أذابت الحدود الثقافية بين الناس، فلم تعد هناك أمكانية منع الدولة للأشخاص أو الكتب للدخول للبلد، وكان الناس فرحين بها، وبالذات بعض الفلاسفة، الذين كانوا يتمنون وجود المجتمع الواحد.

ولكن الممل سرعان ما دب عند البشرية، حيث انهم أصبحوا يأكلون أكلاً متشابه، ويلبسون لبس متشابه، حتى الأغاني والفنون، فأصبح لديهم تمنع عن هذا التشابه، لأنه يخالف طبيعة الإنسان وتركيبته. وولد عندهم هذا التشابه ردة فعل، فنحن نرى عندنا انتشار الفرق الشعبية والأكلات الشعبية في الفترة الأخيرة وأقبال الشباب عليها، وهذا ما لحضناه في اليونسكو أيضاً، حيث بدأت الدول تحرص على تسجيلات أكلاتها وفنونها والفلكور لديها.
 
وأما سؤال الاستاذ الأستاذ النهدي عن الإحباط، فيؤسفني أن أقول أن يكون المثقفون أحد هذه الأسباب عندما يكرسوه في اطروحاتهم.

علق الدكتور زياد بأني لا استطيع أن اتجاوز سؤال مضيفنا ، حتى يعشينا.
لا يمكن ان تأخذ من اي حضارة الشيء النافع منها، إلا مع شوائب كما تسمى، ولكن لا أرى أن هناك مشكلة كبيرة، فهناك مشترك أنساني كبير جدا، ونحن نبالغ كثيراً في المفاصلة، فالمشترك بين الثقافات البشرية أكبر بكثير من المختلف فيه، وعندها سيتضاءل مستوى الفرز.

زياد بن عبد الله الدريس "سيرة ذاتية "
من 2006 إلى 2016 المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو (باريس)
من 2013 إلى 2016 رئيس الخطة الدولية لتنمية الثقافة العربية /اليونسكو.
حاصل على دكتوراه في سوسيولوجيا الثقافة عن (مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة) من جامعة • موسكو الحكومية التربوية.
أعمال كتابية وصحفية:
2000 م عام ،" مذكرات بيروقراطي بالنيابة ، كتاب "محيط العطلنطي •
2004 عام ،" كتاب "حكايات رجال •
2009م كتاب "مكانة السلطات الأبوية في عصر العولمة"عام •
2011م كتاب "قل لي من أنا ..أقل لك من أنت "عام •
2013 م كتاب "لا إكراه في ..الوطنية "عام •
2014 م كتاب "حروب الهويات الصغرى "عام •
2016 +كتاب "من هو عدونا في إيران "عام
كاتب مقال أسبوعي في صفحة الرأي في صحيفة الحياة •
لـقـب "سفير السلام "من الاتحاد من أجل السلام الـعـالمي 2010 منح في العام تثمينا لإسهاماته فـي ترسيخ ثقافـة الـسـلام والـتسـامح والتعددية، من خـلال مشاركاته المنبرية والكـتابية، وتعزيز التنوع الثقافـي واللغوي داخل منظمة اليونسكو.
حصل على ميدالية (فلسطين) من يد رئيس دولة فلسطين، ميدالية فلسطين التقديرية 2013 م تثمينا لجهوده التي قدمها لدعم التصويت لفلسطين في سبيل حصولها على العضوية الكاملة في منظمة اليونسكو .
تسلم درع الإستحقاق 2012 منحته جمهورية لبنان في العام تقديرا لمبادرته في تأسيس احتفالية اليوم العالمي للغة العربية بالتنسيق مع برنامج الأمير سلطان بن عبدالعزيز لدعم اللغة العربية في اليونسكو، والإشراف على تنفيذ الاحتفالية داخل اليونسكو وخارجها منذ تأسيسها.
المعلومات الشخصية:
من مواليد مدينة الرياض، عام 1382هـ - 1962م.
متزوج، وأب لأربع بنات و ابن واحد.

التصنيفات