أهمية المصدرية التاريخية للوثائق الأهلية

أهمية المصدرية التاريخية للوثائق الأهلية
أهمية المصدرية التاريخية للوثائق الأهلية
( أقامت ندوة : " الوفاء " الثقاقية الأسبوعية لعميدها الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله في الرّياض ، ضمن لقاءاتها الدورية أول محاضراتها في هذا الفصل مساء الأربعاء بتاريخ 6/2/19 20 بعنوان :( أهمية المصدرية التاريخية للوثائق الأهلية ) ألقاها الدكتور عائض الردادي وأدارها الدكتور أحمد بن مشهورالحازمي ، وبدأها بالشكر والثناء على القائمين على الندوة ، أبناء الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله ، وأشاد بحسن استقبالهم وضيافتهم، وأدرج الدكتور الحازمي مقتطفات من السيرة الذاتية للدكتور عائض الردّادي ، وهو من المدينة المنورة ، وحاصل على درجة الدكتوراة في الأدب والنقد، عمل في الإعلام وتقلد عدة وظائف في وزارة الثقافة والإعلام  ، وعمل أستاذاً متعاوناً في الجامعة ، وله مؤلفات عدة في الأدب والتاريخ والسيرة مما يزيد على عشرين كتاباً. وحضراللقاء نخبة من المفكرين والأدباء والمثقفين ، وحشد من متابعي الندوة ومحبيها ) .


وقفات مع الوثائق الأهلية

بدأ الدكتور الردادي الندوة بالصلاة والسلام على رسول الله ، والترحم على الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله ، وبين أن القصد من الوثائق الأهلية هي الوثائق التي تناقلها الناس بين عوائلهم ، ومرت عليها قرون أو سنوات وحملت قيمة تاريخية ، وبيّن أنها من أهم المصادر لمن يسعى لتدوين تاريخ يقترب من الحقيقة ، وذلك أن هذه الوثائق لم تكتب من الأساس لغرض تاريخي ، وإنما كتبت لأغراض أخرى بعيداً عن التاريخ ، وإن صارت فيما بعد من أهم مصادره ، وبالأخص في النواحي الاجتماعية ، فقد كتبت هذه الوثائق لإثبات سبيل أي ( وقف ) أو لصلح بين متخاصمين ، أو تدوين قوانين قبلية للحماية الأمنية ، أو لإثبات انتماء لفصيلة في القبيلة ، أو أحلاف ومعاهدات من أجل حماية الأنفس والأموال ، أو مبايعات أو وصايا ، أو غيرها مما هو شأن اجتماعي ، لكنها صارت مصدراً تاريخياً مهمّاً الآن، لأن ما دوّن فيها من معلومات موثقة في إثبات الأنساب أو التملك أو القوانين أو غيرها ، كان هدفه الأول حل المشكلة التي من أجلها دونت المعلومات التي صارت تاريخاً للأجيال ، بما حوته من معلومات عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية  والدينية والمذهبية ، والأنساب واللهجات ومدلولات الألفاظ ، وما يؤخذ من التزامات قبيلة وما يترتب على من ينفذ الحكم ، وما يقبل فيه الحكم ، وما لا يقبل ، وغير ذلك مما لا يوجد إلا فيها ، وجعلها مصدراً مهماً للباحثين عن حقائق التاريخ، وهي مصادر بعيدة عن التزييف في الحقائق أو التحامل الذي نجده عند المؤرخين، ومن الأنصاف والصدع في الحقيقة التصريح بأن الوثائق الأهلية التي تم تناقلها بين الأفراد والأسر تغطي جانباً لا نكاد نجده في التاريخ . 

جمع الوثائق التاريخية الأهلية ودراستها

وأوضح المحاضر الدكتور عائض الردّادي بأن الباحثين في السنين الأخيرة قد اعتنوا بالوثائق التاريخية الأهلية ، ويسّروها للدارسين وهذه العناية أخذت مسارين ، المسار الأول : الجمع .والمسار الثاني : الدراسة ، من أمثلة جمع الوثائق وهو يتكلم عن منطقة المدينة ما أصدره الدكتور فائز الحربي  في عدة كتب منها : " بعض الأعيان والوثائق في المحكمة الشرعية في المدينة المنورة خلال العهد العثماني " ،  والكتاب الثاني " وثائق وادي الفرع " وقد صدر منه أربعة مجلدات ، وأيضاً " وثائق وادي الصفرة وما حولها " ، وكتاب " التنظيمات القانونية والقضائية لدى قبائل الحجاز " أما مسار الدراسات فقد ضرب المحاضر مثالا لكتاب أصدره بنفسه  وهو " دراسة للوثائق الأهلية خلال العهدين المملوكي والعثماني " ، وقد أوضح المحاضر بأنه درس خلال هذه الوثائق الأعراف والقوانين ، قوانين الحمى وقوانين حفظ الغطاء النباتي وحماية الآثار ومعجم لغوي تاريخي وأسماء المواضع وغير ذلك مما استنتجه الدكتور الردّادي من الوثائق ، وأوضح بأن هناك دراسة للدكتور فائز الحربي عنوانها " الأوضاع العامة في أودية ينبع والصفراء والفرع في النصف الثاني من القرن الثالث عشر" وهو دراسة وثائقية ، ويوجد دراسة أيضاً للأخوين سعدون وبندر الزبالي في كتابهم " وادي حجر العراقة والتاريخ " ، ودراسة أيضاً لعبد الخالق الرحيلي بعنوان " لمحات من لغة الوثائق الأهلية " ، وأوضح الدكتور عائض بأنه لابد من الإشارة إلى أن الذين اعتنوا بالوثائق صادفتهم صعوبات كثيرة ، منها  حجب الوثائق ممن ورثها ، وعدم تمكين الباحثين من الاطّلاع عليها ، واقتبس المحاضر من الباحثين سعدون وبندر الزبالي ما كتباه  في كتابهم " وادي حجر بين العراقة والتاريخ " فقد قالا " مشكلة حجب الحجج والوثائق عن القريب والبعيد في أي منطقة جعلت الكثير من التاريخ المبثوث داخل تلك الوثائق مجهولاً عند الباحثين والمهتمين ، فكثير من الأبناء الذين ورثوا تلك الوثائق من آبائهم خاصة ممن ليس لديهم اهتمام بالتاريخ قد لا يعيرون المعلومات التي تحويها تلك الوثائق بالاً ، وربما لا يدري بعضهم عن أهميتها ، أو قيمة ما فيها من معلومات للمهتمين بالتاريخ لأن المهتمين والحريصين يبنون التاريخ من خلال ربط النقاط المتفرقة في تلك الوثائق إضافة إلى التاريخ الشفوي المروي ، ثم يقولان : وثائق الأسر في الغالب لم يعد لها قيمة في المواريث وغيرها ، لكن قيمتها الحقيقية هي في قيمة ما فيها من معلومات تاريخية يستفيد منها الباحثون ودارسو التاريخ ، وليس الصعوبة صعوبة الحصول على الوثيقة سبباً وحيداً ، بل هناك أسباب أخرى أيضاً . وذكر طرفاً منها الباحث نايف الوسمي في كتابه " الوثائق المنيرة في المعاملات وحقوق الجيرة " منها صعوبة الحصول على الأسماء الكاملة للأعلام الواردة في الوثائق ، وتداخل الأسماء بسبب عدم تدوين الأسماء في لقب معين ، واشتراك أغلب الأسماء في لقب معين وتدوين الأسماء بهذا اللقب مما أدى إلى صعوبة الحصول على المعلومة الكافية عن بعض الأعلام الواردة في الوثائق ، كذلك ورود بعض الأسماء أحادية أو يذكر الاسم الأول ، ومن الصعوبات أيضاً صعوبة قراءة الوثائق بسبب قدمها أو رداءة الخط أو تلف أجزاء منها فضلاً عن ركاكة اللغة وغلبة اللحن والعامية فيها ، وقد أوضح الدكتور الردادي إلى أن أهم ما يحتاج إليه الباحث والمؤرخ في الوثائق ، القدرة على قراءتها والصبر على صعوبتها وقد يحتاج إلى قراءتها عدة مرات ، ويحتاج إلى مقارنتها مع مثيلاتها ، لأن المعلومة قد تكون مختزلة في وثيقة لكنها واضحة في وثيقة أخرى ، ولهذا توجد عبارة للمستشرق الفرنسي " آرنست لينان " يقول  : " الوثائق هي أداة خرساء في يد من لا يعرف كيف يحميها وينفخ روحه فيها " ، وقد بدأ المحاضر بذكر مقتطفات للتمثيل من بعض الوثائق ، ف من وثيقة مؤرخة من عام  1420هـ    وهي وثيقة تحرير رقيق  ، يقول  : " حررت الحرة فلانة بنت سلمان ، واسمها لم يكن واضحاً ، وهي في حال الصحة والعقل أنها قد أعتقت جاريتها مقبولة ، وأنها قد أعتقتها لوجه الله الكريم في الليل الطويل ، ملعون من اعترضها ، فإن خصمه الله ورسوله يوم العرض ، وجزاء عتقها نخلتان من حوض معين قد أسمته ، والوكيل على عتقها محمد بن سالم . 


 مختزلات من بعض الوثائق في تعامل قبائل الحجازمع طرق الحج

 وقد ذكر الدكتورعائض مختزلات من بعض الوثائق ، وقد كشف عن جانب معين تتجاهله كتب التاريخ ، وهو جانب تعامل قبائل الحجاز مع طرق الحج التي صورته كتب التاريخ والرحلات من جانب واحد وحملت هذه القبائل الخلل الأمني ، وقد وصفت بعضها بقطاع الطرق دون مناقشة مسؤولية دول زمانها عن أمن الطرق ، بل إنها تتجاهل ما تحققه القبائل من أمن للطرق ، ولا تذكر القبائل إلا إذا حصل خلل أمني ، وتحملها المسؤولية مع أن ما حدث من بعض القبائل من مواجهات كان في أغلبه مع ما كان يعرف بأمراء الحج الذي يقطعون عن هذه القبائل ما يصرف لها من عوائد من الدولة مقابل حراسة الطريق ، هذه العوائد كانت تأتي مع ركب الحج الشامي ومع ركب الحج المصري ، وأوضح بأنه هذا هو السبب الرئيسي في الاضطرابات ، وهو قطع الرواتب التي كانت تصرف من الدولة ، وبيّن المحاضر بأن هناك أسباب سياسية من أهمها أن أحد المتنازعين على الحكم قد يدفع أحد القبائل للاعتداء على ركب الحج طمعاً للوصول إلى أشياء معينة يريد الحاكم آنذاك الوصول إليها ، وقد ذكر طرفاً منها العصامي في كتاب مشهور اسمه " سمط النجوم العوالي " ، وصرف عوائد للقبائل مقابل تأمين طرق الحج  درج منذ العهد العباسي  ، وسار على هذا من بعد ذلك المماليك والعثمانيون مما هو مفصل في كتب التاريخ والرحلات إلى الحج ، وقد سبب هذا  مشكلات أمنية لأن أمراء المواكب كان أكثرهم غير عرب ، مما صعب تفاهمهم مع العرب ، إضافة إلى استيلاء كثير منهم على المخصصات المالية للقبائل التي تسبب إخلالا بالأمن ، وقد نسبه المؤرخون إلى القبائل متجاهلين الطرف الآخر الذي استولى على الأموال، لكن الشيخ حمد الجاسر رحمه الله جلّى هذا الجانب فيما كتبه في تقديمه لرسالة يطلق عليها " كشف الحجب والستور عما حصل لأهل المدينة من أمير مكة سرور " ويعرف بأن الشريف سرور خرج من مكة وقاتل بالذات قبيلة حرب ، ثم قاتل أهل القلعة في المدينة وهي قصة مشهورة ،  والبرزنجي كتب هذه الرسالة وهي لم تنشر إلا مؤخراً عن طريق الشيخ حمد الجاسر رحمه الله ، وقد أثبتت الوثائق التي نشرت مؤخراً براءة القبائل مما نسب إليها ، وأن ما كان يقع من المواجهات بين بعض القبائل وأمراء الحج هو صراع مالي ، سببه قطع العوائد المالية التي درجت الدول على صرفها مقابل حفظ القبائل لأمن الحج في الطريق ، وهذا لم يعرف المؤرخون وجوده لأنهم لم يطلعو على الوئاثق أو بعبارة أخرى " لم تكن الوثائق مصدراً لهم " ، وقد أورد الدكتور الردّادي وثيقة واحدة توضح هذا ، وهذه الوثيقة مؤرخة في الثالث عشر من الشهر الحادي عشر ، من عام 1077هـ ، تبيّن براءة القبائل من قطع طريق الحج ، وردت في كتاب فائزالحربي"  التنظيمات القانونية والقضائية  قبل العهد السعودي " وأوضح الدكتور جزءا من الوثيقة بما تحويه من تعاهدات وأحلاف .

حوارات ومداخلات


أخيرا ، أثارت المحاضرة مجموعة من الأسئلة والمداخلات  أجاب عنها المحاضر الدكتور عائض الردّادي منها :
تساءل أحد الحاضرين عن المكتبة الوطنية ويقصد بها مكتبة الملك فهد ؛ هل المكتبة معنية بتسجيل الوثائق وتدقيقها ، أم لتسجليها فقط ؟  وسأل المهندس صالح قطيش عن مصطلح وثيقة الذي تردد في المحاضرة ، فالوثيقة تحتاج إلى موثق ، والموثق يحتاج إلى محكم ، فكيف نتأكد من صحة الوثيقة ؟ ،  وكانت هناك مداخلة للدكتور محمد بن علي جابر من مركز حضرموت للدراسات التاريخية تحدث عن الوثائق في حضرموت تحديداً ، وأهميتها وأهمية حفظها ، ورفع الحس لدى الناس للعناية بهذه الوثائق بدل أن تتلف وتضيع ، بوصفها مرجع للتاريخ ، وأن التاريخ مرآة الشعوب , ومن ثم سأل أحد الحاضرين عن تاريخ وفاة المؤرخ التركي " أيوب صبري" ،؟  وهل الدكتور فائز الحربي هو أول من نشر وثائق عن المدينة المنورة في العهد السعودي ؟ 
وقد شكر الدكتور عائض الردادي الحضور على تساؤلاتهم ، وأجاب عنها الجواب الشافي ، وختمت المحاضرة بإنشاد عذب من أحد الحضور .


                               والله ولي التوفيق ،،،

التصنيفات