أحمد باجنيد... مسيرة إنسان

أحمد باجنيد... مسيرة إنسان
أحمد باجنيد... مسيرة إنسان
في ليلة من ليالي الوفاء والتي جاءت اسماً وافق مسماه ولفظاً طابق معناه، فالشيخ أحمد باجنيد رحمه الله لم يمت، وقد ترك هؤلاء الكرام من الابناء والشيخ أحمد لم يمت وقد ترك هذا الصحب الكرام من الأخوة الأوفياء والشيخ أحمد لم يمت وله كل هذي الايدي البيضاء. إننا في هذه الليلة وفي واحدة من أماسي الوفاء لا نجتمع لنجدد الحزن على راحلنا الشيخ أحمد وإنما لنستروح شيئاً من سيرته العطرة الطيبة.
بهذه الكلمات قدم الدكتور عبدالله بن صالح العريني أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام بن محمد بن سعود بالرياض، للأمسية الحافلة والتي كانت بعنوان (أحمد باجنيد : مسيرة إنسان ) وذلك في ندوة الوفاء يوم الأربعاء 25 \ 5 \ 1438هـ الموافق 22/2/2017م.

حضور كثيف
وقد حظيت الأمسية بحضور كبير من محبي الشيخ أحمد، رحمه الله رحمه واسعة، وتضمنت كلمات معبرة وبمشاركات ثرية لعدد من العلماء والأدباء والمفكرين والمثقفين ومن أحباب الشيخ وأصدقائه وأقاربه. فتناولت تلك الكلمات جوانب مختلفة وإضاءات متعددة لمسيرة حياته ومواقفه الإنسانية إسهاماته الخيرية. وقد ابتدئت الأمسية بكلمات الرئيسية لكل من:



بيئة تغرس المثل
العلامة السيد عمر بن حامد الجيلاني، عضو مجلس أمناء جامعة الأحقاف وأبرز فقهاء المذهب الشافعي في العصر الحاضر ، وألصق الشخصيات بالفقيد الراحل، حيث أبرز في كلمته سمات البيئة التي نشأة فيها الشيخ أحمد وسمو مجتمعها وعمق التربية الدينية والأخلاقية لذلك الجيل الذي ترعرع بينهم فقيدنا الراحل وكيف انعكست تلك السمات على صفات الشيخ أحمد وأخلاقه رحمه الله ، وقد أكد السيد عمر معرفته بأخلاق الشيخ من احتكاكه الطويل ومصاحبته له في عدد من الرحلات التي كشفت أصالة وعمق تلك الأخلاق الفاضلة.



هموم واهتمامات
ثم تحدث الأستاذ محمد سالم بن علي جابر المدير التنفيذي لموقع الألوكة وصاحب دار الوفاق للدراسات التاريخية والنشر والتي توثقت صلته بالفقيد الشيخ أحمد باجنيد من خلال تسجيله عدد من اللقاءات له عن ذكرياته وسيرة حياته، وتحدث الأستاذ محمد سالم في كلمته عن عدد من هموم واهتمامات الفقيد رحمه الله كحرصة على جمع الكلمة وتشجيع العمل الجماعي واستثارة حب الخير لدى الأخرين ، بالإضافة إلى سعيه في الإصلاح ومساعدة الناس ، ثم ختم بالحديث عن حب الشيخ أحمد لحضرموت وهو الأمر الذي ملك عليه كل جوانحه.




نشر السعادة

ثم تحدث الدكتور يحيى محمد أبو الخير، أستاذ الجغرافيا في جامعة الملك سعود والعالمة الموسوعي حفظه الله ، فجلى في كلمته ملامح شخصية الشيخ أحمد الإنسانية من خلال مشاهداته ومعرفته به في ندوة الوفاء وكيف أنه كان رحمه الله يمنح السعادة لجميع من يحضر ندوته ويحرص على إتاحة الفرصة لمشاركة جميع من يطلب ذلك وكيف انه يسأل عن رواد ندوة إذا غابوا.
 

مقاعد في القلوب
ثم تحدث الدكتور محمد أبو بكر حميد الكاتب والأديب المعروف عن كلمة جميلة شاعرية رقيقة عن الحب الذي زرعه الشيخ أحمد في القلوب ، وكيف أنه احتل مكانة في القلوب وابتسامته العذبة الجميلة .

ثم تحدث الدكتور محمد محمد باجنيد الأخ الأصغر للشيخ أحمد ومدير عام معهد الإدارة العامة بالمنطقة الشرقية بكلمات عبر فيها بشيء مما يتسع له المقام عن صفات الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله ومنها الحرص على اجتماع أسرته وكرمه وحبه لمساعدة الآخرين ودعم الثقافة.
ثم تحدث الدكتور عائض الردادي حفظه الله عن رحلة نادرة له إلى حضرموت بصحبة الشيخ أحمد باجنيد وذلك عام ١٤٢١ هـ واستعرض بعض من المعلومات التي دونها في تلك الرحلة وشيء من ذكرياتها الجميلة ، وختم بما تأكد له من أصالة أخلاق الشيخ أحمد باجنيد وصفاته.


مواقف من حياة الشيخ أحمد باجنيد

 أخذت المداخلات طابعاً آخر بذكر بعض المواقف التي عاشها أصحابها مع الشيخ أحمد باجنيد
الدكتور رائد الريمي ذكر كيف أن الشيخ أحمد ساعده كثيراً في دراسته الجامعية وكيف أنه تعامل معه كأبيه تماماً حين أتاح له الفرصة بعد الأخرى مع تعثره لأسباب مختلفة، ورغم اعتذار الجهة المانحة عن مواصلة منحتها له.
وذلك أثر كثيراً في نفسه ، وعمق معاني البذل من أجل العلم ، مما دعاه بسحب كتابه من أحد دور النشر ويجعله متاحاً لكل من أراد الاستفادة منه.
ثم تحدث الأستاذ شمس الدين درمش عن مواقف للشيخ أحمد مع رابطة الأدب الإسلامي في منحها مقراً لها لسنوات عده ودعمه لمؤتمراتها.
ثم تحدث الدكتور أحمد أبوبكر، بذكر عدد من المواقف التي كان الشيخ أحمد يعمل لنشر كتب العلم والمحافظة على كتب التراث، بالاضافة الى سعيه في كفالة طلاب العلم رغم ظروفه الصحية. 

ثم تحدث الاستاذ أحمد عبدالرحمن مصطفى أقدم موظفي الشيخ أحمد باجنيد الحاليين عن التعامل الإنساني والراقي للشيخ أحمد مع موظفيه وعماله، وحرصه على عمل الخير، وكيف انه قال له : يا أحمد يا ولدي عمك أحمد سيكون زعلان منك إذا احد من جماعتك حصلت له ظروف ومحتاج مساعدة ولم تخبرني.
الدكتور عبدالرحمن باذيب :
اشار إلى اهتمام الشيخ أحمد ببعض الحالات المرضىة الصعبة ومتابعته لمساعدتهم في الحصول على
العلاج اللازم. 







وتواصلت المداخلات لكل من الدكتور سعيد باسماعيل والسيد علوي الكاف والشيخ إبراهيم الفايز والسيد علوي باهارون والدكتور عبدالكريم ابوالسمك والشيخ ابراهيم بن عبداللطيف المبارك بالإضافة إلى قصيدة شعرية من الشاعر الكبير أحمد البهكلي، ودعاء من الشيخ عبدالله أحمد بافضل للفقيد يرحمه الله.
 
وقد كانت كلمة الاستاذ حسين أحمد باجنيد ابن الفقيد هي مسك ختام كلمات تلك الأمسية، وذلك بكلمة مؤثرة عاطفيه عن والدته شفاء أحمد باجنيد رفيقة درب والده وكيف بذلت وأعطت وقدمت لزوجها ما تستطيع فكانت له نعم العون والسند.

وهكذا اختتمت ندوة مليئة بالمعاني الإنسانية والقيم النبيلة، تجلت في فقيدنا الراحل الشيخ أحمد محمد باجنيد عميد ندوة الوفاء والذي فارق هذه الحياة في ١٤٣٨/٤/٢٢هـ رحمه الله رحمة واسعة.




كلمة السيد عمر بن حامد الجيلاني

الحمد لله على كل حال، ماضٍ وحال، مرٍ وحال ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد و آله وأصحابه الكمل الرجال. في هذه الليلة المباركة التي عنوانها أحمد محمد باجنيد مسيرة إنسان ، دلالتها عظيمة وهي هذه المسيرة، والمسيرة هي الفترة الزمنية التي يقطعها الإنسان في سفره، وسفر الإنسان في هذه الدنيا إلى الدار الاخرة أمر محقق:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته          يوماً على آلة حدباءِ محمولُ.
إذاً هذه عبرة وادكار لمن أراد ان يدكر وما أكثر العبر، لكن أُناس جعلهم الله سبحانه وتعالى متأسى وقدوة، يقتدي بأفعالهم ترمق أقوالهم ويكون بها انتفاع للناس في حياتهم وفيما يكون بعد انتقالهم إلى الدار الأخرة.
 الشيخ أحمد باجنيد في مسيرته التي هي عمره، و عمر الانسان مقدس ولذا الله سبحانه وتعالى أقسم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه وتعالى: } لعمرك إنهم في سكرتهم يعمهون{ . والعمر يبدأ من الولادة وينتهي بالانتقال إلى الدار الأخرة.
الشيخ أحمد باجنيد ابن بيئته ، نشأ في بيئة صالحة تزكوية تربت على تلك المعالم التي رسمها أولئك الذين كان لهم القدح المعلى في مجال تزكية النفوس ، وقعدوا لها القواعد ورتبوا لها الترتيبات التي سار عليها أبناء ذلك المجتمع ، فكانت تلك المقدمات هي مقدمات لنتائج شهدناها في شخص الشيخ أحمد باجنيد وأضرابه وأمثاله. هذه التربية التي كانت الأمهات إذا أرضعن أولادهن يسمعن أولادهن لا إله إلا الله..  محمد رسول الله.. على النبي سلام الله.. يحي القلب ذكر الله..
 فيصل من أفواههم إلى مسامع قلوب أولئك الأطفال ، فتتعمق وتتجذر تلك العقيدة الإسلامية في نفوس أولئك الاطفال ، نشأ في مجتمع له صلة بالعلم لأنه فتح عينه على مكتبة أهله وأجداده ، تلك المكتبة التي حوت كثيراً من أمهات كتب العلم من مخطوطات ومطبوعات. وقد تكرم بها رحمه الله تعالى قبل فترة غير بعيدة لمعهد التراث الدوعني وهي مكتوبة بأسماء أجداده رحمهم الله تعالى.
كان الشيخ أحمد باجنيد عندما تفتح ذهنه ونظر إلى مجتمعه ذلك المجتمع الذي نشاهده ذكر الله سبحانه وتعالى ومراقبة الله في جميع أحوال الناس وفي جميع ما يكون لهم من حياة يعيشونها. كان قد فتح ذهنه وعينه عليها. كان يرى العمال يعملون وهم يذكرون الله سبحانه وتعالى. إذا حملوا شيئاً من الأثقال استعانوا بالله سبحانه وتعالى ورفعوا حقيرة أصواتهم يخاطبون الله سبحانه وتعالى أن يعينهم إذا كان من أعمال البناء أو شيء من الأثقال التي يحملوها يكون لها أثر كبير في نفوس أولئك الأطفال. شهد الشيخ أحمد باجنيد وأطفال حضرموت وأطفال دوعن وهم يعودون ويأبون إلى مساكنهم قبيل المغرب وينظفهم أهلهم من التراب الذي علق بأجسادهم ثم يتوجهون إلى القبلة يدعون الله عز وجل لمن كان قد اغترب ويدعون الله له بالسلامة ويدعون الله له بالرزق الحلال ، أولئك الأطفال الذين يجتمعون عند بيوت من كان قد توفي فيدعون الله بقلوب طاهرة لم يعصون الله بها فيكون لها الأثر الفعال في تربيتهم وسلوكهم وارتباطهم بالله عز وجل.
 التحق بهذا المعهد العلمي الذي يحفظ القران ويدرس القرآن وأنا بفضل الله من الجيل الذي أعقب الشيخ أحمد قد قرأت في هذا الكتّاب الذي يسمى ( المعلامة ) عندنا ،  وكان يدرس فيه شخص أخذ القراءة في مكة المكرمة ، وكان يقرئ الناس مجاناً لا يخذ أجرة ولا يفكر أحد أن يعطيه أجرة ، بل يحتسب ذلك عند الله سبحانه وتعالى ، ويتحدث الشيخ كيف كان يعاملهم وكيف كان يتلطف بهم وكيف كان يقرأهم ، الشيخ أحمد فتح عينه على أناس صالحين في تلك البيئة التي نشأ فيها يرى شخصاً من الأشخاص يسمى سالم الخنبشي. هذا الرجل من أفاضل الناس ومن الصلحاء الذين يعظمون كلمة الله تعظيماً عظيماً. وكان الأشقياء من الأطفال إذا رأوه قد صعد إلى بيته ، وكان بيته على شرف ، يقولون له: بالله عليك ارجع إلى دكانك الذي جئت منه ، فيرجع إليه ، ثم يصعد مرة ثانية فيأتيه الأشقياء من الأطفال فيقولون: بالله عليك ارجع ، فيرجع.. حتى يردعهم من كان قد سمع ذلك الكلام من الكبار .
أمر عظيم يجسد في نفوس الأطفال ذلك التعظيم لله سبحانه وتعالى ، هذا الرجل الذي حدثني والدي عنه قال: أن الرجل يحضر الدروس ولا يغيب عنها ، وكان طلاب العلم في تلك القرية التي يجتمع فيها عدد كبير من طلاب العلم ، كان رحمه الله تعالى يحضر الدروس مع سيدي الوالد ويأتي الطلبة فيوزعون على أهل القرية ليتبنوهم ويكفلونهم في مطعمهم ومشربهم وكسوتهم وإيوائهم ، فكان الناس قد توزعوا عدد كبير من الطلاب ، وجاء طالب ولم يكن عنده من يؤويه ويكفله ، فالوالد رحمه الله تعالى تحير فقال: أنا اكفله ، فقال له: أنت لست من أهل المال ، فقال: عندنا رغيف كل يوم أقسمه أنا وزوجتي زينة ، واليوم نقسمه ثلاثة ثلث لي ، وثلث للطالب ، وثلث لأمك زينة.
هذا المجتمع الراقي الذي نشأ على هذا الحال والذي انطبع سلوكه في حياة الشيخ أحمد باجنيد ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ). هذا التعليم الذي هو تعليم عملي نحتاج إليه.
 الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله تعالى قد تحدث الناس عنه كثيراً ، وإذا أردنا أن نتحدث فنتحير ، ولو كان حسناً واحداً لوصفته ولكنه حسن وثاني وثالث.
لا تنتهي أعماله الصالحة الكريمة ، صحبته في السفر مرات كثيرة وكان ذلك اختبار كامل للإنسان عندما يكون في السفر. والسفر كما يقولون يسفر عن أخلاق الرجال ، فما شهدت منه إلا مكارم الأخلاق والأدب الجم ، ولا يكون منه أي غضب ولا أي مضايقة بحمد الله شهدتها منه لأي موقف من المواقف التي قد تعرض للمسافر.
كان لطيفاً كان ودوداً كان كريماً رحمه الله تعالى ، كان بمكارم الأخلاق ويعشق مكارم الأخلاق رحمه الله. كان يبادر إلى مساعدة المحتاجين ولعلي قد ذكرت شيء من هذا فيما تقدم.
فرحم الله الشيخ أحمد باجنيد ، ومما يكون لنا فيه سلوى أن خلف أولاداً مباركين ، أبناء صالحين وبنات مباركات وأخواناً فضلاء ، ويحق أن نقول في حقهم والله ما كان من فضلٍ لسالفهم إلا ونحن نراه فيهم الآن. فبارك الله فيهم وزادهم خيراً وزادهم فضلاً ونفع بهم نفعاً جماً ،  وأدام هذه الندوة بأشخاصها بأشخاصهم ، وأعلامها وبرجالها وبمثقفيها وبعلمائها وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد رب العالمين.


كلمة الاستاذ محمد سالم بن علي جابر

الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعل آله وصحبه أجمعين، فإن الحديث عن الشيخ أحمد بن محمد باجنيد ذو جوانب متعددة بقدر تنوع صفاته وفضائله واهتمامته، فلا الحروف تفي حقه ولا الكلمات تستوعب فضله رحمه الله رحمة واسعة، وجعل الخير في عقبه إلى يوم الدين.
عرفته رحمه الله متأخراً فعرفت من أخلاقه وصفاته واهتمامته ما يمكن أن أقول أنه يمثل سماحة الإسلام بجميل تواضعه وحسن سمته وسمو تطلعاته وعظيم اهتمامته

جمع الكلمة:
كان رحمه الله حريصاً على جمع الكلمة، حيث أدرك الشيخ أحمد بعمق بصيرته وثاقب نظره الأثر السيئ للخلاف والتفرق في إيغار القلوب وتشتيت الجهود وذهاب القوة، ومن ثم كان حريصاً رحمه الله على جمع الكلمة في مستويات مختلفة ودوائر متعددة، سواء على مستوى العاملين في العمل الخيري في خدمة حضرموت وأهلها، أو على مستوى أبناء مجتمعه من الحضارم عموماً أو على مستوى أقاربه وأسرته.
وما حرصه رحمه الله على تنظيم العواد العام للحضارم، إلا مظهراً من مظاهر حرصه على إبراز صورة من صور التآلف والتواد بين أفراد هذا المجتمع، و كم كان سروره عظيماً عندما تبنت مجموعة البلاد الفكرة فاستمر في دعمها متمثلاً قول الإمام الشافعي "وددت لو أن الناس تعلموا العلم ولم ينسب لي منه كلمة".
ومن اهتماماته العظيمة أيضاً حرصه على تشجيع العمل الجماعي وتوسيع دائرة المشاركة مع الآخرين، فهو يؤكد دوماً على أهمية  الجهود الجماعية وعظم ثمرتها مقارنة بالجهد الفردي, وهو يحتفي بأي جهد ولو بسيط ويفتح المجال لمشاركة الجميع مهما كانت إمكاناتهم وقدراتهم، يستثير بذلك الخير الكامن في نفوسهم.
  لقد لاحت فرصة في فترة من الفترات لتنظيم عمل الجالية اليمنية في المملكة، وتنادى بعض الغيورين على مجتمعهم لذلك، من باب الاستفادة من النظام الذي وضعته وزارة المغتربين اليمنية آنذاك. وعندما أراد هؤلاء الفضلاء شخصية تتصدر لقيادة هذا المشروع وتدفع به للظهور، أجمع رأيهم على شخصية الشيخ أحمد باجنيد رحمه الله، لما يعلمون من حفاوته بمثل هذه الأعمال ومن استعداده للبذل من أجلها ومن قدراته ومؤهلاته لذلك.
كنت أحد المنظمين لعمل الجالية حينها مع بعض الخيرين، ففتح لنا الشيخ أحمد بيته لعقد الاجتماعات، وكان أن رحبت السفارة بمقترحات وتوصيات اللجنة التحضيرية، وعملت انتخابات حره بالسفارة اليمنية بالرياض. فأوكلنا إليه رحمه الله وقد أوكل للوالد إلقاء كلمة الافتتاح، فكان كلامه موجهاً إلى جمع الكلمة ورص الصفوف، مؤكداً أن نجاح الجالية باجتماع كلمتهم وتوحيد صفهم، وتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.
وعندما ترامى إلى سمعه جهود الصندوق الخيري للطلبة المتفوقين، والذي يرأسه الدكتور عمر بامحسون، اعجب الشيخ أحمد جداً بالفكرة، واصبح يشيد بها وبالدكتور بامحسون القائم عليها.
ونظر لإعجابه بمؤسسة حضرموت للتنمية البشرية وجهودها الطيبة في خدمة التعليم، وجهود مؤسسة حضرموت في مكافحة السرطان, فقد أشاد كثيراً برئيس مجلس أمنائها المهندس عبدالله بقشان، وقد قال له: (أرجو أن تكون كل حصاة توضع في حضرموت لك فيها اجر ). وكان مجمع الوادي الطبي في سيئون هو مثال من الأمثلة الواضحة لحرص الشيخ أحمد على توسيع دائرة المشاركة في عمل الخير، وجذب الكثيرين من المساهمين لذلك.

تشجيع حب الخير لدى الآخرين
كان رحمه الله شغوفاً بتشجيع حب الخير لدى الآخرين، وتنميته في قلوبهم، فهو قد جعل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، نبراسا في محبة الخير للناس، وبالرغم من كثرة إنفاقه في الخير، إلا أنه لا يتردد في الحديث لمن يثق فيهم من أحبابه الذين من الله عليهم بالمال ببعض مشاريعه الخيرية. قاصداً التحفيز لهم على المزيد من البذل.
وهناك الكثير من المشاريع والأعمال والتي تعرض عليه ويكون قادراً على أن يتبناها وحده، ولكنه يرى البركة في توسيع دائرة المشاركة للآخرين، هكذا هي فلسفته، ويسعى لذلك ولو على مستوى بسيط  مثل أحفاده الموظفين المبتدئين أو الطلاب، لاستثارة حب الخير في نفوسهم وتعويدهم عل البذل.
وهو يؤكد في أحاديثه على أن العطاء ليس بالمال وحده بل تتنوع صوره وأشكاله، وكلاً يعطى حسب قدرته، ومن لا يملك المال يستطيع أن يدل من يملك، والدال على الخير كفاعله.

الإصلاح والنصح
أن محبة الشيخ أحمد لأصدقائه وتمنيه الخير لأبناء مجتمعه تجعله لا يستطع السكوت عن ما يشاهده من أخطائهم، أو ما هم عليه من عادات غير حميدة، وربما كانت مذمومة في الشرع أو محل نقد من غيرهم أو مما يرهق البعض ويشق عليه. ولذا يسعى جاهدا في الإصلاح والتغيير وبذل النصيحة للآخرين من واقع محبته وشفقته للمنصوح، لا من باب الانتقاص أو الشماتة.
ومن الظواهر السلبية التي كانت تزعجه عند أبناء مجتمعه السهر والتأخر في الزواجات، فكان لا يفتأ من نقد ذلك وتوعية الناس بأضرارها، وليكون قدوة فيما يدعو إليه فقد حرص رحمه الله في جميع زواجات أبنائه وبناته، أن يحدد وقت العشاء في كرت الدعوة وموعد الزفة للعروس، بحيث يكون مناسباً ومعتدلاً، ويلتزم بذلك غاية الالتزام، وبحمد الله وجد من الناس كل الثناء والسرور.

قضاء حوائج الناس  والعمل عل خدمتهم
يمكن أن يقال بدون مبالغة بأن الشيخ أحمد قد جند نفسه وطاقته ووقته لخدمة الناس، و لا عجب أن يقصده أبناء مجتمعه لما يرون فيه من حب لمساعدتهم وسعة صدره لذلك، فهو بإذن الله يصدق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم خير الناس انفعهم لعباده.
وقد كان رحمه الله يحرص على استغلال علاقته بالوجهاء وبعض المسؤولين في الشفاعة للناس، فيوجه لهم الخطابات باسمه و يتابع ذلك ولما يعرفونه من صدقه يستجيبون له غالباً، و هو لا يتحرج من تكرار الاتصال بالوجهاء ما دام في ذلك مصلحة لضعيف او محتاج.

الأسلوب الحكيم في معالجة قضايا الناس

وله رحمه الله أسلوبا يتسم بالحكمة وعمق الرؤية في علاج قضايا الناس، وخاصة ما كان من خلافات أو مطالبات مالية. وهذا الأسلوب بحمد الله كان سببا في نجاحه في علاج عدد من القضايا وهو ما جعل الناس يأتون إليه ويوسطونه في حل مشكلاتهم.
ففي حال وجود نزاع وخلاف بين أطراف فيحرص الشيخ أحمد رحمه الله على التأكد من استعداد الطرفين على قبول وساطته، وربما طلب منهم توثيق ذلك، وإذا ارتضوا أسلوب التحكيم زاد بأن يؤكدوا استعدادهم لقبول نتيجته.
وفي بعض القضايا أيضاً يدعو بعض الوجهاء وأصحاب الرأي إلى المشاركة في معالجة الموضوع، وهو يريد بهذا الاستنارة برأيهم ودعمهم له، بل الإضافة إلى قوة الزام المتخاصمين بالحكم.

حب حضرموت
أما حب الشيخ أحمد رحمه الله لحضرموت فقد سارت به الركبان، وخالط شغاف قلبه وامتزج بلحمه ودمه، وهو أمر يعرفه كل من خالطه وجالسه، ومظاهر ذلك الحب كثيرة وشواهده وافرة, فهو لا ينفك عن الحديث عنها، والعمل لها والتعريف بمحاسنها، تسمعه يسرد ذكرياته الجميلة عنها بأسلوبه الذي يتدفق عذوبة إذا ذكرها، وينساب رقة إذا تحدث عن أهلها من الصالحين الأخيار.
وكم كان يغتبط كثيرا بجهود المخلصين والأوفياء لبلدهم، فقد دعا لتكريم ثلاثة من أبرزهم في بيته، وهم الشيخ عبدالله سالم باحمدان والشيخ محمد حسين العمودي والشيخ عبدالله أحمد بقشان. وكان حفل مشهودا أعد له الإعداد اللائق من كلمات وقصائد، يعبر فيه عن شي من الشكر والعرفان لخدمتهم حضرموت وأهلها.
 
لقد حرص من خلال ندوته ندوة الوفاء بتعريف الوسط الثقافي بمدينة الرياض بعدد من الشخصيات الحضرمية، فاستضافهم محاضرين يطرقون موضوعات عن جوانب من حضرموت وشيء من تاريخيها وإنجازات علمائها ومثقفيها، فكان لذلك أثرا طيبا وفي أحد زياراته لحضرموت حرص على دعوة الأديب المثقف الدكتور عائض الردادي لزيارتها، حتى وصل معه إلى بلدة الخربية بوادي دوعن، فكتب الدكتور عائض بعد عودته عن تلك الرحلة مبدئيا إعجابه بما شاهد.


كلمة الدكتور يحيى محمد أبو الخير
نشر السعادة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على حبيبنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه تسليماً كثيرا .
أما بعد :
أيها الإخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لأول مرة في تاريخ هذي الندوة العريقة المباركة الرائعة التي كان لعميدها حضور فيها مميز وحضور متآلق بشخصيته الفذة و روحه الرائعة البديعة دينًا و خلقًا وسلوكاً ، أقول مرة أخرى لأول مرة أجلس هذا المجلس وننظر إلى ذلك المكان وصاحب ذلك المكان تحت الثرى رحمه الله تعالى.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمه ويتغشاه بعظيم فضله وإحسانه وأن يسكنه فسيح جنانه وأن ينزله منزل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، وأن يجمعنا به في عليين إن شاء الله كما جمعنا به على خير وفي خير هذه الدنيا.
أخوتي الحقيقة من الصعب جدًا أن أجد الكلمات التي يمكن لي أن أعبر بها عن ما أعرفه وعن ما أكنه لأخي الشيخ الفاضل الجليل أحمد محمد باجنيد، فالفقد كما تعلمون لشخصية مثل شخصية الشيخ أحمد هو فقد عظيم والألم شديد بلا شك في ذلك والحزن مخيم ، و الدموع لا تجد من يكفكفها إلا الشيخ أحمد محمد باجنيد رحمه الله ، فهو في عبارة يكفكفها هي استعارة على ما كان يتمتع به رحمه الله من إزالة حالة الحزن من الناس ونقلهم إلى حالة الأفراح والسعادة.
هكذا كان الشيخ أحمد رحمه الله لطيفاً ودوداً خلوقاً محسناً غير غضوب كما ذكر ذلك الإخوان من قبلي ، لم أجده في يوم من الأيام مكفهراً بل مبتسماً حتى في أشد وأحلك الظروف، الشيخ أحمد في الواقع إذا عدنا إلى مسيرته التي هي عنوان هذا اللقاء مسيرة إنسان في الحقيقة تمثل ذلك العنوان حق التمثيل ، فأنا سأتحدث عنه من خلال لحظاتي معه في الندوة وكيف كان ينظر إلى هذه الندوة الكريمة العريقة.
أولاً هي ندوة الوفاء، وندوة الوفاء في الواقع هي ليس فحسب ندوة وفاء لصاحبها رحمه الله عبدالعزيز الرفاعي من سبقه فيها، بل هي أصلاً انطلاقاً لوفاء مبني في شخصية الشيخ، هو ليس فقط وفياً للشيخ عبدالعزيز فجعل هذه الندوة ، هذا رمز وشعار يمثل شخصية الشيخ الجليل رحمه الله الشيخ أحمد باجنيد، فذكرها بهذه السمة التي تكمن في مكامن نفسه وتحتل ضميره وتحتل عقله الواعي كما تحتل أيضاً عقله الباطن، فكان دائماً محط الوفاء في أي مسألة تخاطبه أو تناقشه فيه يتجلى هذا الوفاء.
الجانب الثاني في الواقع نحن بكينا الشيخ أحمد باجنيد بكاءً حاراً، وعندما نبكي على الشيخ أحمد باجنيد نحن نبكي ، وبإذن الله كما قال الدكتور عبدالله العريني لا نزكي على الله أحد إن شاء الله أننا نسأل له الرحمة وهو قد قدم في هذه الدنيا الكثير والله غفور رحيم، نحن نبكي على أن الأيام القادمة في غيابه لن تسلينا فهو كان سلوة لنا وكان سنداً للكثير منا، وكان أيضاً مضيافاً بما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فهذا الفقد هو الذي يجعلنا نبكي وإلا نحن نظن ونعتقد أن الله سبحانه وتعال سيتولاه برحمته وعظيم فضله، فالبكاء ليس عليه خوفاً وإنما البكاء على أنفسنا لأن سلوتنا قد فقدت.
الشيخ أحمد باجنيد عهدته في هذه الندوة منذ أن كنا في المسكن الأول، فكنت ألاحظ فيه سمة عجيبة جداً رحمه الله ألاحظ فيه أن كل من أتاه يجعله سعيداً بشكل فعلا تشعر فيه السعادة بقدومك عليه، حتى عندما كان في هذا المنزل ويجلس في ذلك المكان مطأطأ الرأس شديد المرض، فآتي أنا من هناك وأذهب لأقبل رأسه فمع كل ألمه وأنا متأكد أنه في وجع شديد إلا أنه يقابلني ويبحث يمنة ويسرة لعله يجد لي مكان أجلس فيه بجواره رحمة الله عليه.
أيضاً الشيخ أحمد لاحظته في الندوة كان يهتم بالحضور اهتمام شديد ،وكان في بعض الأحيان أذكر في المنزل الأول يأخذ الميكرفون ويذهب للناس شخصياً يطلب منهم شعراً ويطلب منهم كلمةً وهذا من وفائه لحضورهم للندوة.
الشيخ أحمد كان يقول الله يغفر له ويرحمه " أنا لم أحظى بمقاعد الجامعات لم أحظى بالتعلم النظامي لم أحظى كما حظيتم بدور العلم والفكر والثقافة، لكنني أكرمني الله بأن أتت إلي دور الثقافة والعلم وشرفت بصحبتهم" ولذلك أنا أقول العلم في الحقيقة والثقافة والفكر لها روافد متعددة كثيرة جداً وليس هناك مجال لتعدادها الآن ، لكني أجزم بأن الشيخ أحمد باجنيد بما وضعه من بصمات في هذه الندوة ،هذه الندوة ندوته كانت ندوة رئيسية في هذه البلاد من روافد الفكر والثقافة والعلم والعطاء بلا شك ، ولذلك كنا نحن في اللجنة الاستشارية د. عائض والدكتور عبدالله وبعض الإخوان نجلس في هذه الغرفة لكي نصمم البرنامج فلم أذكر في يوم من الأيام عقدت الهيئة الاستشارية إلا وكان الشيخ أحمد حاضراً فيها ليس حضوراً للحضور ، وإنما حضوراً متألقاً متميزاً ، يعطي الندوة دفعة كبيرة للأمام بابتساماته و بتوجيهاته الرقيقة الضافية الكريمة ، حتى أنا لا أخفيكم سراً أن بعضنا وأنا واحداً قد أكون من الناس الذين كنا نريد للندوة أن تضم بعض الموضوعات أو بعض الموضوعات ممكن أن تنحى أو تؤجل ، فكان هو حريص رحمه الله أن يعطى كل إنسان الفرصة وإذا أمكن في هذا الفصل ،شيء عجيب جداً. فكان حريص جداً عن كل من أتى إلى منزله أن يلقى هذه الحفاوة وهذه البشاشة وهذا الدفق الكبير العجيب من هذا الرجل الكريم الوفي صاحب الشيم المبادئ صاحب المثل صاحب المفاهيم.
أيضاً أود أن أقول أن الشيخ أحمد رحمه الله كنت في المنزل الأول أحياناً أتقاعس عن الحضور أو انشغل عن الحضور، فما أجد إلا مكالمة منه رحمه الله يعتب علي لماذا لم أحضر فكنت في الواقع لا أعرف ماذا أرد عليه سوى أقول له : أنا أعترف لك بأني مقصر فأعذرني وسآتي الندوة القادمة ، فعندما يقابلني يبش على وجهه بشاشة رائعة ، ويقول شكراً لك على الحضور.
هذا النوع من استقطاب وجذب الناس إلى منزله وهذا شيء نادر وشيء فريد جداً جداً ، شيء عجيب هذه الوفادة وهذه الضيافة الكريمة العجيبة ، ولذلك أود قبل أن أختم أن أقول : إن الحمد لله أن الشيخ أحمد باجنيد حتى وإن مات جسداً وانتقلت روحه إلى بارئها عز وجل إلا أنه فعلاً لم يمت ، هذا الجمع الكبير الذي نراه وما كتب عنه وما قيل عنه في دار الشيخ راشد المبارك رحمه الله تعالى والناس الذين عبروا عن حزنهم و آلامهم عن هذا الفقد شخص هكذا أعتقد أنه لم يمت أبداً، وسيضل الشيخ أحمد حياً بيننا في قلوبنا، حقيقة الشيخ أحمد هو في قلوبنا حياً وميتاً رحمه الله رحمة واسعة. لذلك أنا أقول في آخر كلامي أيضاً أن الشيخ أحمد لم يمت وهو قد أكرمه الله سبحانه وتعالى بهؤلاء الأبناء وبهذه الأسرة الكريمة النبيلة وبهؤلاء الإخوان الأعزاء الأحباء الفضلاء أصحاب الوفاء فعلاً ، رجلٌ لديه كل هذه الإمكانات في الدنيا هو في الحقيقة لم يمت ، وهذه الأسرة النبيلة ممثلة في بناته وفي أم حسين، وأنا قد أذرفت عيني دمعاً عندما أثنى على أم حسين الله يحفظها ويبقيها ويعطيها الصحة والعافية ويعوضها خيراً إن شاء الله ويكتب لها ولبناتها ولأولادها التوفيق والخير العميم.
وأنا بكيت عندما سمعت الشيخ أحمد , هذا الوفاء الذي أقوله فهو ليس وفياً فقط لندوته ولمجتمعه وللعلماء والمفكرين والمثقفين هو أيضاً وفيٌ لأسرته داخل بيته ولهذه الأم الحنونة التي ربت حسين ومحمد وأخواتهم والتي رعت الشيخ أحمد في شبابه وفي مرضه أن يذكرها بهذا الذكر، أنا اعتقد هذا قدوة هذه الكلمة أيها الأخوة في حد ذاتها تكفي لأن نتعز ونفتخر ونقول للشيخ أحمد ولأبنائه ولأسرته ولأم حسين فليفتخروا بهذا الأب وليعتزوا بهذا الرجل فليكرموا هذا الرجل ، ولا شك أنا أشكر أبنائه الأفاضل وإخوانه الذين قرروا أن يقيموا هذه الندوة ويستمروا عليها هذا أيضاً سليل الوفاء ،هم سليلوا وفاء الشيخ أحمد باجنيد.
الحديث يطول والمدة عشر دقائق وأظن أنا تجاوزت الوقت لكني لو اتحدث عن الشيخ أحمد لن أقف ، وأنا أترك المجال لغيري من الإخوان كي يتحدثوا، أنا أسف أن كلمتي لم تعبر عن ما أكنه في داخلي للشيخ أحمد ولأبنائه ولأسرته وأسرة باجنيد العريقة الفاضلة المبجلة أسرة العلم والفكر والثقافة والشعر والأدب والفن أسرة عريقة في الحقيقة ، أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يوفقهم ويرزقهم الخير العميم وأن يرحم أخونا الشيخ أحمد رحمه واسعة وأن يجمعنا به على خير فإننا في غاية الشوق إليه رحمة الله عليه والسلام عليكم ورحمة الله.



كلمة الدكتور أبوبكر حميد

ما زلت .... في الردى في السابقين الاولين
بعثت شبابك حضرموت وشاقك الحرم الامين
الفارس لا يترجل، والشمس لا تغيب إلا لكي تظهر في المساء عندما تحتضن القمر، والحب لا يموت، ولو مات الحب لما وجدنا شيئا يستحق أن نعيش من أجله.
أحمد محمد باجنيد كان حبا يمشي على قدمين ، لم أكن أتصور أن أرى الحب يمشي على قدمين إلا عندما رأيت هذا الرجل ، ولكن عندما يعجز الحب عن المشي على قدمين، يجلس الحب على كرسي متحرك ويمشي على عجلتين ويسعى لا إلى بيوت الناس وحدها ولكن إلى قلوبهم لإدخال السرور إليهم ، فمن قال أن الفرح يبكي والفرح يدخل السرور إلى قلوب الناس. كان أحمد محمد باجنيد فرحةً وكان حباً وكان خيراً وكان سماءً ممطرة في حياة كل الذين عرفوه والذين لم يعرفوه. الحب ليس الوفاء وحده وإنما الوفاء ملمح من ملامح هذا الحب ، الوفاء كان صفة من صفات أحمد محمد باجنيد ، ولكن أحمد محمد باجنيد كان كل الحب.
أذكر من هذا الرجل ابتسامته ، لا أقول الابتسامة الساحرة ولكنها الابتسامة المحيرة ، ابتسامته التي حيرتني كثيراً وطويلاً عندما يفرح يبتسم وعندما يغضب يبتسم ، وعندما لا يرضى عن شيء يبتسم وأعود فأتأمل كيف أميز بين هذه الابتسامات، عندما يسمع شيئاً لا يرضى عنه أو عندما يسمع رأياً لا يوافق صاحبه يبتسم ثم يخفض رأسه بحياء ثم ينظر إلى صاحبه ويبتسم مره أخرى ويغير الموضوع، والحياء من شعب الإيمان ، ابتسامته لو كتبت عن هذه الابتسامة لكتبت صفحات وصفحات ، هذه الابتسامة التي ربما الآن تستذكرونها جميعاً، وجميعكم تعرفون هذا الرجل وتعرفون متى يبتسم ولكنني اذا كان أحدٌ منكم يذكر أن هذا الرجل أسمع غيره كلمة نابية أو صدرت منه إغضاء غاضبة.
أنا شخصياً لا أذكر ذلك ، وأنا دائماً أتأمله وهو يتعامل مع الناس ذلك الحياء الرائع.. الحياء الجميل.. حياء المؤمن الذي يجعله مميزاً في حياتنا جميعاً .
أتذكره رحمه الله في حديثين للرسول صلى الله عليه وسلم الحديث الأول أراه يجمل سيرة حياته ، الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وملائكته حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير ). ومعلم الناس الخير ليس الذي يعلم الناس العلم في المجالس وليس الذي يعلم الناس العلم في قاعات المحاضرات والمدارس. إنما معلم الناس الخير ذلك أيضاً الذي يرسم لهم القدوة بالفعل لا بالكلمة ، وأحمد محمد باجنيد لم يحظى بالجلوس في قاعات المحاضرات في الجامعات ولا في المدارس العليا ، أحمد محمد باجنيد اكتفى بالجلوس على مقاعد وثيرة في قلوب الناس. وحسبه ذلك.
أختار أحمد محمد باجنيد أن يجلس على المقاعد الوثيرة في قلوب الناس ، دخلها طواعية ، ودخلها حباً ودخلها رضاً ودخلها خيراً.
أما الحديث الآخر للرسول صلى الله عليه وسلم الذي أذكره به فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده يوم القيامة ).
رحم الله أحمد محمد باجنيد
 
قف على الدرب زهواً وابتسامة.. ..إنه عرس شيخٍ يتسامى
يحطم القيد اذا القيد عتامة ..ويرد الموت مهزوما مضامَا
كريم قد عبر الأرض فلم.. ..يلقى فيها لجناحيه مراما
وانطوى..كيف انطوى عن عالمٍ لم يزل فيه صداه يتراما
لم يعد فيه ما يؤنسه بعد أن عاد يباباً وحطماً
ليس يحيى بين جدران الأسى زارع الحلم ومصباح اليتامى



كلمة د. محمد بن محمد باجنيد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين سيدنا ونبينا وقدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه..
أيها الأخوة الكرام،
لن يكون بمقدوري أن أرتجل كلمات تصف مشاعري برحيل أخي وأبي وسيدي الشيخ أحمد بن محمد باجنيد.. احتجت لكي أكتب ما سأقرأه عليكم إلى أن أخلو بنفسي وأستعيد شيئاً من سيرته العطرة لأقدمها لكم بإيجاز.. هذه كلماتي:
ذهب أخي أحمد.. ذهب المحسنٌ الكريم.. ذهب وترك أمةً تدعو له وتترحم عليه.. جموعٌ غفيرة شيعته وجاءت لعزائنا فيه وذكر خصاله الكريمة.. افتقدنا بالأمس في خيرِ الأيام يومُ الجمعة رجلاً نبيلاً.
ذهب عميد ندوة الوفاء التي احتضنها منزله قرابة الثلاثين عاماً تخليداً لذكرى مؤسسها الشيخ الأديب الراحل عبد العزيز الرفاعي رحمه الله.. ذهب راعي الوفاء وصلة الرحم من جمعنا وجعلنا نتقارب من بَعضنا حتى بات الأحفاد أصحابا.
رحل صاحبُ الابتسامة الحلوة.. تخرج من قلبه الجميل الذي يسعنا كلنا.. رحمك الله.. يا أميراً حفر في قلوبنا حبه.. فباتت تأنس بلقاه.
أقعدك الكرسي زمناً وسرت بك همتُك إلى معارج العزة.. فعشت سعيداً.
لست بالمكافئ يا واصلاً بالإحسان إلى أقاربه، منزلك العامر مشرعُ الأبواب؛ تستقبل فيه القريب والصديق والجار.. تتفقد أحوالهم وأوضاعهم فتعطي محتاجهم وتشاركهم أفراحهم، وأحزانهم، وتقف بجانبهم وتعلي شأنهم. وتزور مرضاهم وتمشي في جنازتهم. ها قدت أدركت أحبَ الأعمال إلى الله وامتثلت لأوامره بروح تنشد السعادة.. وأي سعادةٍ أكبر من سعادة العطاء.. وهل يوجد أحد لم تصبه عطاياك.. تستشعر حاجاته.. تغنيه عن السؤال؟
فطب نفساً بهذه الخصال الفريدة يا هذا النبيل المحسن.. ستظل نبراساً للخلق الجميل.. نتذكرك ونتعلم من مدرستك.
كم سنفتقدك.. لقد تركت فراغاً كبيراً ولكنه الموت.. الحقيقة التي لا تغيب أبداً.. نشهدها كل يوم.. ولكننا نبقى نتعامل معها بكثير من عدم التصديق..
ذهب أخي أحمد وترك إرثاً من الخصال الجليلة.. ذهب وحمل أولاده وإخوانه ومحبيه مسؤولية كبيرة في المحافظة عليه.. عاد أخي أحمد لرب رحيم وسعت رحمته كل شيء.. وبقيت أناجي ربي:
ما زلت تناديني
كي أرجع وأنيب
لكني لاه يا رب
أكتب عمري بعقود الوقت
والوقت يسير
العقد الخامس يلفظ أنفاسه
والأمل كبير
أن أحيا مثل (فلان)
ذاك الرجل المئوي
انظر يا صاح
ما زال يسير
يضرب في الأرض
يُمسكُ شاةً.. يحلبها
بل يقفز فوق بعير
نعم.. الموت بعيدٌ جداً
والأمل كبير
تأتي الأخبار
مات فلان
فيكون سؤالي دوماً
ترى هل كان كبيراً؟
هل لازمه المرضُ طويلاً؟
هل كان عليلاً؟
ويحي من هذا القلب المفتون
يقتات الوهنَ.. ويوردُني لـ(جنون)
ويحي من هذا القلب المفتون
الكبدُ يلازمني
مذ جئت إلى الدنيا فزِعاً
من طعن الشيطان
أشبع وأجوع
وأقاسي آلام ختانٍ وفطام
وأسير إلى التعليم
فأُنهر وألام
الكبد يلازمني
مذ جئت إلى الدنيا فزِعاً
من طعن الشيطان
أبحث عن لحظة أنس صافية
والفرحُ رفيق الأحزان
في الدنيا ما زلنا نسعى
كي نحظى بحطام
والجنة تفتح أبوابَ الفرحِ الخالد
فيها ما لا تدركه الأعين
أو تسمعه الآذان
في الجنة ما لا يخطرُ في الوجدان
يا رب تقبل منا وارحمنا
واجعلنا من أهل الجنة
واغفر لأخي أحمد
واعلي درجته يا منان
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



كلمة الدكتور عائض الردادي

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. لن أتحدث عن الذكريات عن الشيخ أحمد غفر الله له وقد قلت منها شيئاً يسيراً في ندوة الدكتور راشد المبارك، ولكن سأتحدث عن ذكرى واحدة وهي رحلتي معه إلى حضرموت، وما ستسمعونه من كلام، عمره ١٨ سنة وليس بجديد. هذه المعلومات التي سأتحدث عنها ما كنت لأطلع عليها حتى لو قرأت عدة كتب. كنت سأكتبها قبل ١٨ سنة بعنوان رحلة في وادي دوعن مشاهدات وانطباعات، لكن ظروفاً عملية وعائلية حالت دون ذلك، وأرجوا أن اتمكن من إكمالها. سأقرأ كما كتبتها في ذلك الوقت دون إضافات ما عدا ما سأضيفه في آخرها. كانت الرحلة في الساعة الثانية ظهر يوم الأربعاء العشرين من الشهر الثاني من عام ١٤٢١ هـ، الموافق للرابع والعشرين من مايو عام ٢٠٠٠ من مطار جدة إلى مطار الريان في المكلا عاصمة حضرموت. كان الدافع لها هو حضور حفل تخرج أول دفعة من جامعة الأحقاف الأهلية في حضرموت بدعوة كريمة من مجلس أمناء هذه الجامعة. سعدت في رحلتي الجوية بصحبة السيد عمر بن حامد الجيلاني والشيخ أحمد محمد باجنيد، الأخ عبدالله بن يوسف بامقدم نائباً عن والده، كلهم أعضاء في مجلس الأمناء ولقيت هناك من مجلس الأمناء الشيخين عبدالله المطوع
رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت، ويوسف الحجي رئيس هيئة الإغاثة الإسلامية في الكويت والسيد عبدالله باهارون والذي تفرغ لشؤون هذه الجامعة. كان في استقبالنا في المطار عمداء كليات هذه الجامعة وبقينا في مطار الريان حوالي ساعة، جميع اجراءاته يدوية وهو مطار ميسور الحال في كل شيء إذا قيس بالمطارات الأخرى. ومن المطار انتقلنا إلى فندق حضرموت وهو أفضل فندق في المكلا إلى حين وصولنا، حيث افتتح اثناء وجودنا هناك فندق هوليداي إن وكلاهما يطل على بحر العرب وبينهما في الإمكانيات ما بين التواضع والفخامة. في ذهني صورة كبيرة للمكلا بصفة خاصة، ولحضرموت بصفة عامة، لكني وجدت بوناً شاسعاً بين الصورة الخيالية سواءً بالنسبة للمكلا أو لحضرموت. المكلا مرفأ بحري صغير في حضن جبل، والمسافة بين الجبل والبحر لا تزيد عن نصف كيلو في تقديري، فهي مخنوقة حق عندما أريد فتح طريق للسيارات طمر البحر ليشق طريق ضيق. وفي المكلا تتجلى المأساة التي عاشها الشعب عن الحزب الشيوعي على مدى ربع قرن، سواء في الحياة الاجتماعية أو الاقتصادية، (وهذه الرحلة بعد عشر سنوات من سقوط الحكم الشيوعي)
للناس أم في العمران فهي شاهد حي على ما تعرض له الناس من ظلم وقهر وفقر وإذا تصورنا حالها قبل عشر سنوات أي قبل سقوط الحكم الشيوعي ، فإن صورتها لا يمكن أن توصف بأفضل من الصورة التعيسة البائسة ، في المكلأ حالياً - يعني وقت زيارتنا - جامعتان ، أحداهما حكومية وأخرى أهلية هي جامعة الأحقاف.
لم يسعف الوقت في الذهاب لما حول المكلأ إلا لموضعين أحدهما مجمع سكني بأبنية متواضعة أقامه أهل الخير من المتبرعين من خارج حضرموت يقع خلف ضاحية فوة، وهي ضاحية قريبة من المكلأ. ليكون سكناً للحضارم فيه الذين شردتهم الحرب الصومالية ، وقد انتهى منه خمسون شقة وبقي الباقي انتظار التبرعات ، والوصول إليه يتم عبر طريق ترابي وأوضاع السكان فيه كأوضاع لاجئي الحروب ، من فقر وعوز وحاجة لكل متطلبات الحياة تبدو في وجوه الناس رجلاً ونساءً ، وزرناه لأن الشيخ أحمد كان أحد المسهمين فيه.

أما الرحلة الثانية فكانت إلى مدينة صغيرة تسمى غيل باوزير، وهي مدينة علم وعلماء خرج منها في العهود السابقة كثيرٌ من العلماء، من أبرزهم أسرة بامخرمة التي توارثت القضاء طيلة ثلاثة قرون، وقد لقينا في أحد جوامعها بعد صلاة الجمعة الشيخ عبدالله بامخرمة، وعرفت أنه توفي رحمه الله، وهو شيخ كبير كان متولياً للقضاء. وعندما زرناه في منزله بعد صلاة العصر سألناه عن بعض الوثائق والمخطوطات فذكر أنه كان على معرفة بها لكنه لا يدري عن مصيرها بعدما عرف أثناء الحكم الشيوعي بالثورة الثقافية، وأردف قائلاً: ما كنا نتوقع أن يأتي من أبناء جلدتنا من يدمر ويحرق تراثنا.
عندما عدنا من غيل باوزير ليلاً وبعد صلاة الفجر، امتطينا سيارة جيب نحو وادي دوعن في اليوم التالي عبر جبال مع طريق ضيق، قيل أنه بناه الصينيون، ثم مع طريق ترابي وعر.
ويطول الكلام عن وصف وادي دوعن المشهور بعسله، الذي اتفقنا أثناء رحلتنا ألا نتعشى إلا من هذا العسل مع خبز فرنسي أحسن الخباز إنتاجه.
تنحدر سيول هذا الوادي إليه من أرض شبه مسطحة، حيث أنه هابط عن مستوى الأرض، ولا مدخل له غير مصبه وسوى عقبة صعبة تسمى شتنة. وفيه عبق التاريخ وتخلف الحاضر، وقت زيارتنا له، إلا أن الوضع قد تغير عندما زرت حضرموت مرة أخرى عام ٢٠٠