أثر الثقافة الإسلامية في أدب المهجر

أثر الثقافة الإسلامية في أدب المهجر
أثر الثقافة الإسلامية في أدب المهجر
بسم الله الرحمن الرحيم
في ندوة ( الوفاء ) الثقافية :
الأديب الدكتور حيدر مصطفى البدراني
يحاضر عن : ( أثر الثقافة الإسلامية في أدب المهجر )
الرياض  : محـــد شلّال الحنـــاحنة
أقامت ندوة : ( الوفاء ) الثقافية في الرياض ضمن لقاءاتها الدورية محاضرة بعنوان : ( أثر الثقافة الإسلاميّة في أدب المهجر ) ألقاها الأديب الدكتور حيدر مصطفى البدراني , وذلك مساء الأربعاء 18 / 12 / 1434 هــ , وقد أدار اللقاء الأديب شمس الدين  درمش , وحضرها ثلة من المفكرين والمثقفين والإعلاميين وعدد من جمهور الندوة وروّادها .
الهجرة : أسبابها وآثارها
بدأت الندوة  بترحيب رائع من عميدها الشيخ أحمد باجنيد بالضيف الأديب الدكتور حيدر البدراني , كما حيّا جميع الحضور , ودعاهم الى المزيد من التواصل , كما عبّر عن سعادته بلقائهم لقاء المحبّة والمودّة .
ثمّ تناول الحديث سعادة الدكتور المحاضر بعد حمد الله والصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم , فقال : تعتريني مشاعر سرور حيّة بهذا اللقاء إذْ يمرّ عليّ شريط من الذكريات ـــ أيّها الإخوة ـــ وأوّل ما يخطر على بَالنا هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة المنوّرة . وكُلّنا يذكر الهجرة والغربة فهي تلهم الانسان ذكريات ليعود بعقلة إلى وطنه وأهله ولعلّ للهجرة أو الغربة دوراً فاعلاً في تهييج القريحة الشعرية لدى الإنسان ففي الغربة يعاني الكثير من المواجع والآلام والأحزان , أمّا أسباب هجرة بعض أهل الشام ولبنان فهي متعدّدة متنوّعة ومنها :
1– العامل السياسي إذْ قد يضيّق على كثير من هؤلاء .
2 – السبب الاقتصادي , أي تحسين الوضع المادي للمهاجرين .
3 – السبب التاريخي وهو حبُ أهل بلاد الشام للهجرة خارج بلادهم .
4 – سهولة الهجرة فلا معوقات لها مما يشجعهم على الهجرة .
5 – الإغراءات الماديّة .
 

 

شعراء المهجر والغربة

ووقف المحاضر الدكتور حيدر البدراني متحدثاً عن تأثير الغربة في شعراء المهجر فأشار إلى أنَّ الغربة هي أبرز ملمح هيمن على النسيج الشعري لدى الشعراء المهجريين على اختلاف مواطنهم واتجاهاتهم , وقد غادروا أوطانهم تحدوهم الآمال الكبيرة في غد مشرق ومستقبل مفرح مستقر , ولكن ما لبثوا أنْ عانوا هناك وقاسوا مرارة البعد عن الأهل وواقع مؤلم لا يرحم الغرباء , ونصغي للشاعر القروي (سليم الخوري )حزيناً في غربته إذ يقول :
متى ترى يفرح قلبي الكئيب              و ينطفي بين ضلوعي اللهيب ؟!!
متى أرى ياعين وجد الحبيب              أهكذا أقضي حياتي غريب ؟!!
ولقد أحبّ شعراء المهجر العرب حبّاً عظيماً ومن شعراء المهجر الشمالي محبوب الشرتوني الذي امتاز شعره بالخيال الواسع , والعاطفة الجياشة , ففي قصيدته " قالوا تحب العرب " 
يقول : 
 قالوا تحبّ العرب قلت أحبهم                          يقضي الجوار عليّ والأحلام 
قالوا لقد بخلوا عليك أجبتهم                           أهلي وإنْ بخلوا عليّ كرام 
قالوا : التعصّب قلت : جيل زائلٌ                         وتزول معه حزازة وخصام 
ومحمد بطل البــــريّة كـــــُلهـــــا                      هو للأعارب أجمعين إمـام

ويفخر الشاعر رشيد أيوب بالعرب , وبصفاتهم ونبيّهم محمد صلّى الله عليه وسلَم فنصغي له مفتخراً :

فليسوا بقومي من تراهـــــــم أذلــــّة                      ولكنّ قومي من أذلّوا المصاعبـــا
لنا كُل قلب فيه كُلّ عــــزيمــــــــة                     تجرّد منها للدفـــــــاع كــــتائــــــــبا 
فنحن بنو الأعراب كنّا ولــــمْ نزل                     بما خصّنا المولى نفـــوق الأجانبا
فمنْ يا ترى أعلى الورى كمحمد                       وأرفعهم مجداً وأسمى منـــــاقبـــــــا
ومن مثل من قادوا الخلافة بعــده                         وكانوا لصرح العدل منــه جوانـــبا

وسبق الشاعر المهجري إلياس فرحات غيره في استشراف آفاق الإسلام وحبَه للإسلام والمسلمين مفتخراً وممجّداً هذا الدين فيقول :

ومن حسب الإسلام ثوبــــــاً وعمــرة                   فقد حسب الإســـلام ضرباً من العمى 
سلام على الإسلام أيــــــّام مجـــــــده                  طويل عريض يعـــمر الأرض والســـــما 
نما فنمتْ في ظلــــــــــــــّه خيــر أمّـــــة                  أعدّتْ لنصر الـحقّ سيفاْ ومرقـــمــــــا 
فكانت لها الدنيا وكان لها العلى                  وكان بنوها في الديـاجيـر أنجمــــــــا
فواهاً على الإسلام واها على الهدى                  وواهاً على نبــراسه كيف أظــــلــــما
وأضحت بلاد المسلمين وأهـــــــــــلهــا                   وخيراتها للنــــاس نهـــــــباً مقـــــسماً
مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم
وأشار المحاضر إلى مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم في شعر المهجر  , فهذا الشاعر جورج قنصل في قصيدته " رسول الله "  يشدو :
قف بالخشوع كزاهــد متــــعَبــد                في رحــــــــــب محـــراب النبيّ مــحمد
واركع لربّ العالمــين مهــــــابــــة                 وبحمد ربّ الـــــخلق سبح واســــجد
كم قاد للحق الصريح معاركاً                  ومشى على وحي الكتاب المرشـد

وهذا الشاعر السوري جاك شماس في قصيدته " أوراق اعتمادي "  يعبّر عن حبّه للإسلام ورسوله الكريم فنقرأ له :
إنّي مسيحي أجلّ محـــمــــــــــداً                        وأجلّ ضاداً مهدها الإســــــلام 
وأجلّ أصحاب الرسول وأهــــله                       حيث الصحابة موقف وإمــــــام 
كحلتُ شعري بالعروبة والهدى                        ولأجل طه تفخر الأقـــــــــــلام 
أودعت روحي في هيام محـــــــمد                     دانت له الأعراب والأعجـــــــام

وهذا جبران خليل جبران يحذّر المسلمين وينصحهم فيقول :

" خذوها يا مسلمون كلمة من مسيحي , أسكن يسوع في شطر من حشاشته ومحمّداً في الشطر الثاني "
أمّا الشاعر القروي فيذكّر المسلمين بحبّه للرسول صلّى الله عليه وسلم , ويبلّغه السلام فقال :
يا قوم هذا مسيحي يذكركم                لا يُنهض الشـــرق إلّا حبّنا الأخوي 
فإن ذكرتم رسول الله تكرمة                فــــبلــّغوه ســــــلامَ الشاعر القروي

ويقول أحد الشعراء المهجريين محبّا مادحاً رسول الله صلّى الله عليه وسلّم :

علم الدين في يديــــــك تـــعالى                    في الــــذرى وهــــــو قبلة الإسلام 
كــــلّ قرآنك الشريف عظاتُ                    طاب تجويــــــــــــــدها مع الأنغام 
قدْت شعباً إلى تقى وصلاح                          هذه ميّزة الرّجال العظام 
ويتألّق إلياس فرحات في هذه القصيدة إذْ غدا الرسول صلّى الله عليه وسلّم كوكباً لم تدرك الشمس علّوه فيقول :
غمر الكون بأنوار النبّــــوه                   كوكب لمْ تدرك الشمس علوّه 
لم يكد يلمع حتّى أضحت                    تــــرقــــــب الدنيا ومن فيها دنوّه

اقتباسات من القرآن الكريم

وأورد الأديب الدكتور حيدر البدراني المزيد من اقتباسات شعراء المهجر من القرآن الكريم , فهذا الشاعر رشيد أيَوب يقول :
قالوا : لماذا تشتــــــــكي                             فأجبتهم من قول : هاتِ 
ماذا أقول وقد حرصـــــت                            على يراعـــــــــــي والدواة 
 حرص البخيل على الدرا                            هم والجبان على الحـــياةِ

ويقول كذلك مؤكّداً مبدأ الزكاة , فنجده مقتبساً :

قُلْ لمن يؤتي زكاة                                    ليس يرضى الله بالدُّونْ 
 "لن تنالوا البرّ حتّى                                  تـنفقوا ممّا تحبـــــــــّون"

أمّا الشاعر إلياس فرحات فلم يكن أقلّ من أصحابه في حسّه الإسلامي , واستضاءاته بالهدى القرآني لفظاً ومعنى فيقول :

( أضلتكم الدنيا عن الفضل والعلا           من تضلل الدنيا فليس له هاد)

وهو بذلك يشير بكلّ جلاء إلى قوله تعالى : " ومن يضلل الله فما له من هاد " كما يشدو كذلك بكلّ صدق :

تبّت يداه فإنه لأحق من                  لهب ومن أبويه بالـــخذلانِ

وهذا إشارة واضحه لقوله تعالى :

" تبت يدا أبي لهب وتب "

وهذا الشاعر النصراني الذي أسلم فيما بعد إلياس طعمة , وتسمّى ( أبا الفضل الوليد ) يقول بعد إسلامه :

أعاهد ربّي أنْ أصلي مسلماً            على أحمد المختار من خير أمّة

المعاني السامية

وتحدّث المحاضر عن المعاني السامية التي سطرها الأدب المهجري , ومن هذه المعاني الإحسان , وهو هنا الإحسان للنفس الشقيّة كما في قصيدة إيليا أبي ماضي التي جاء فيها :

ذهبت مسائلاً عن خيـــــر شيء                لأعـــرف كنـــــه أخلاق البريّة 
فقالت لي الكنيسة خير شيء                 هو الزهد الذي يمحو الخــطيّة
وقالت لي الشريعة خير شـــيء                  شمــــــــــول العدل أبناء الرّعيّة

ولمّا خلا الشاعر بنفسه سألها فقالت :

فقالت لا أرى خيراً وأبقى                   من الإحسان للنفس الشقيّة

ومن المعاني السامية لدى شعراء المهجر معنى آخر هو نبذ التعصب , فيقول الشاعر رشيد أيوب :

دموع بعيني لــــــم تــــجمــــــــدْ                     ونار بقــلبي لم تخمـــــدْ
أبارك موسى وأذكر عيسى                      وألقي السلام على أحمد
 
 

 
 
نبض الحوار

وفي نهاية اللقاء أثارت المحاضرة الكثير من الأسئلة , وأضاءت لنا العديد من النوافذ التي جلّاها المحاضر الدكتور حيدر مصطفى البدراني ومنها تعليق الأديب شمس الدين درمش الذي أشار إلى أنَّ هذا الموضوع واسع ,  وهو أدب ممتع , ويحتاج إلى وقفات ودراسات لا يتسع لها المجال في هذه الندوة
أمّا الأخ معتصم فقال : إنَّ الثقافة الإسلامية تهيمن على المجتمع العربي بما فيه من مسيحيين أو مسلمين , وأعظم قيمة في هذا الدين العظيم هي قيمة التوحيد , وكنت أتمنّى المزيد من الحديث عن حركة المهجر العربي في الغرب , وبيان الأسباب المتنوعة للهجرة ولعلّ أبرزها البحث عن الكرامة الإنسانية في ظلّ بعض الضغوط في البلاد العربية .
وسأل المحاضر المحامي محمد العنزي : هل هناك من اهتدى من نصارى المهجر , وهل نشروا الإسلام في البلاد التي هاجروا اليها ؟! وأثنى الدكتور يحيى أبو الخير على أسلوب المحاضر , وأضفى في مداخلاته الحسّ الفلسفي على شعر المهجر قائلاً : إن في الشعر المهجري صورة للجغرافيا , وصورة جديدة للواقع , صورة عميقة للوطن بكل قيمه وآماله وآلامه .......أمّا الشاب محمد إقبال حيدر البدراني ابن المحاضر فقد أنشد قصيدة نالت إعجاب الحضور بإيقاعها العذب وبصوته الندي , وسأل أحد الإخوة , ترى لِمَ لَمْ يُسْلم الكثيرون من أدباء المهجر مع إعجابهم العظيم بالإسلام ومبادئه وقيمه ؟
كما سأل الأستاذ مساعد : كيف  عدّ المحاضر شعراء الأندلس من شعراء المهجر ؟
وفي واقع الأمر أنَّ ندوة الوفاء استضافت شاعر المهجر الكبير زكي قنصل في زيارته للرياض بتاريخ
7 / 7 / 1412 هــ , وقد القى الشاعر الدكتور حيدر الغدير قصيدة جميلة معبّرة وعميقة في مدح هذا الشاعر المهجري .
 
قوافي الشعر

وختم اللقاء بدوحة الشعر بدأها الشاعر الكبير الدكتور حيدر الغدير بقصيدة مناجاة لله بعنوان : ( لا يخيب الرّاجي ) ركزّت على دور الدّعاء في ردّ القضاء بل الدعاء من القضاء وقد جاءت نابضة بحسّ إسلامي شفيف ورفيع , وجذبت إليه الإخوة الحضور .
أمّا الضيف الأديب الدكتور حيدر مصطفى البدراني فقد غرّد برقة وعذوبة بقصيدة من اختياره لأديب الإسلام والعرب المرحوم مصطفى صادق الرافعي عبّرت عن وحدة الأمة الإسلامية وأخلاقها وخيريَّتها , ونالت إعجاب روّاد ندوة ( الوفاء ) وجمهورها .
كما القى أبيات  في مدح عميد الندوة الشيخ أحمد باجنيد حظيت بتقدير الجميع .
تمت بحمد الله

التصنيفات