آفاق التفكير

آفاق التفكير
آفاق التفكير
(أقامت ندوة الوفاء الثقافية في الرّياض ضمن لقاءاتها الأسبوعية الدورية لهذا الفصل محاضرة بعنوان : ( آفاق التفكير .
قدّمها الدكتور إبراهيم بن عبد الرحمن بن غنيم المدير العام لمركز القياس والاستطلاع ، ورئيس مجموعة تحسين الأداء ، وذلك مساء الأربعاء 10/2/ 1441هـ ، الموافق 9/ 10/ 2019 م وقد أدار الأمسية الإعلامي الأديب السعودي عبدالله بن سنكر وحضرها كوكبة من التربويّين والمفكرين والأدباء وحشد من رواد الندوة ومتابعيها

تحيّة وشكر لندوة (الوفاء ) المباركة 
 بدأ التقديم الأستاذ الإعلامي عبد الله بن سنكر قائلاً:  بسم الله الرحمن الرحيم والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أحييكم أيها الإخوة الأفاضل من دارة الشيخ أحمد بن باجنيد رحمه الله ، في هذه الندوة المباركة ندوة الوفاء بفعالياتها المختلفة والمتجددة ، ( آفاق التفكير ).. عنوان يبدو متفائلاً وثرياً ، إذ إن الراصد حركة الحياة والعلم والتفكير يرى أن العلم قد شهد تغيرات عدة في هذه الجوانب عبر قرون مضت إلى عصرنا هذا الذي ما تزال قوائم الحياة المألوفة والمعهودة فيه تتشقق وتهتز ، فلا العلم هو العلم ولا الثقافة هي الثقافة ولا الفكر هو الفكر ، أما العلم فقد وثب وثبات جبارة وما يزال  ، و أما الثقافة فلم تعد ثقافة واحدة مسيطرة إذ أصبح لكل ثقافة قيمة في ذاتها ، وأما الفكر فبدا متأرجحاً بين السماء والأرض والإنسان فيما بينهما يتأرجح صعودًا إلى السماء تارة وهبوطاً إلى الأرض تارة أخرى ، في  هذا المساء وهذه المحاضرة نتطلع إلى محاضرنا إلى أن يصعد بنا نحو السماء ، أن يجوب بنا آفاق التفكير ، ويفتح آفاقاً أخرى لمن يبحثون عن حلول لمشكلاتهم المختلفة ، محاضرنا هو الدكتور إبراهيم بن عبد الرحمن بن غنيم حاصل على دكتوارة في فلسفة التخيل والتعبير الأدبي ، ويشرف على مشروعات ومنتجات شركة ألفا البريطانية بوصفه مديراً إقليمياً لها ، واستشاريًا في تحديد الاحتياج التدريبي وفق نظام ( تيناس ) ، معتمدًا فيه من الأكاديمية البريطانية لتطوير الموارد ومن الدكتور  محمد التكريتي واضع النظام ، ومطورًا إداريًا على منهجية ( كايزن ) معتمدًا من معهد ( كايزن ) في طوكيو ، وهو مطور أساسي على منهجية ( أوبام ) المعتمدة من شركة ألفا البريطانية ، استشاري تحديد الميول التخصصية والمهنية وفق برنامج ( مابس ) من شركة ألفا البريطانية ، استشاري ومدرب نظام ( هيرمال ) لاتجاهات التفكير والميول معتمد من شركة ألفا البريطانية ، مدرب مدربين معتمد من الأكاديمية البريطانية لتطوير الموارد ومن بيرسون العالمية ومن هيئة المعرفة والتنمية البشرية في حكومة دبي ، مدرب معتمد من الدكتور إدوارد ديبونو في نظام ( كورس ) للتفكير وفي نظام القبعات الست للتفكير ، ممارس برنامج صناعة القرار بالتحليل الهرمي الذي أنتجته شركة ألفا البريطانية ، ممارس التعليم المبني على التفكير ، وممارس متقدم معتمد في برمجة السلوك ، مُقيّم داخلي معتمد من جائزة الملك عبد العزيز للتميز المؤسسي ، حصل الدكتور على عدة دورات مهمّة منها دورات في بطاقة الأداء المتوازن ودورة(  6 سيجما ) ودورة الإبداع والتخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والقيادة وصناعة القرار ، قدم أيضاً كثيراً من الدورات منها دورة التفكير الاستراتيجي لمديري العموم في وزارة الداخلية في المملكة العربية السعودية ، قدم كذلك دورة البحث العلمي لكلية القيادة والأركان في أبو ظبي ، وقدم دورة تقييم الأداء الوظيفي لمديري العموم ومديري الإدارات لمركز المعلومات الوطني في المملكة العربية السعودية ، اترك الحديث الآن للدكتور إبراهيم الغنيم ليبدأ محاضرته ، ثم بعدها نستمع إلى مداخلاتكم وأسئلتكم ..



صور من التفكير والإبداع في عصور الأنبياء صلوات الله عليهم!


أمّا الدكتور المحاضر إبراهيم بن عبد الرحمن غنيم فقال : الحمدلله أولاً وآخراً والشكر لعميد هذه الندوة رحمه الله ووفق أولاده القائمين على هذه الندوة المباركة بإذن الله ، العنوان الذي سمعتموه هو آفاق التفكير وأنا متعمّد حقيقة أن أذكر هذه الكلمة ( آفاق ) لأن من يريد أن يتحدث عن التفكير لا يدري من أين يبدأ ومن أين ينتهي فالموضوع واسع للغاية ، فهل يا ترى نتحدث في مناهج التفكير متى وفي أي عصر ؟ أم نتحدث في منتجات التفكير ؟ أم المؤثرين في هذا المجال ؟ فالمجال واسع ما دعاني إلى اختيار كلمة آفاق حتى أعفي نفسي من صرامة المنهجية ، دعوني اقرأ عليكم بعض الأشياء لتفتيح التفكير في البداية : " بين وفاة آدم وعصر نوح عشرة قرون ، وبين وفاة نوح وعصر إبراهيم عشرة قرون ، وبين وفاة إبراهيم وعصر موسى سبعة قرون ، وبين وفاة موسى وعصر عيسى خمسة عشر قرناً ، وبين رفع عيسى ووفاة محمد ستة قرون عليهم الصلاة والسلام ، وكان عمر آدم عشرة قرون ونوح مثله تقريباً . قبل الميلاد ميلاد عيسى عليه السلام بأربعين قرناً تقريباً كان الإنسان قد عرف الزراعة والنسيج واستأنس الحيوان وإشعال النار وتشكيل المعادن وصناعة الخزف والنجارة ونحو ذلك ، وقبل الميلاد بما يقارب خمسة وعشرين قرناً ظهرت في مصر حروف وكلمات وأرقام على شكل صور وظهرت أنواع من الهندسة بعضها مبادئ وبعضها عميقة تمس قياسات الأطوال والأوزان وعمليات حسابية ومعقدة وحساب المثلثات ودوائر الهندسة الفراغية والمستوية ، وحساب الوقت اليومي والتقويم الشمسي والشهور والمواسم ، وربما أشياء أخرى لها علاقة بالكواكب ومنذ عهد نوح تقريبًا عرف الإنسان النسيج وصناعة السفن والكتابة بالقلم ، ويقال إن إدريس عليه السلام كان أول من وضع نظام التمدن والإقامة ، وفي الجيل الرابع تقريباً بعد نوح بنى قوم عاد ديارهم العجيبة التي لم يكن مثلها في وقتها ومثلهم قوم ثمود ، في القرن العشرين قبل الميلاد بعث الله نبيه إبراهيم وحاور إبراهيم ربه وطلب أن يشهد كيفية إحياء الموتى ، فأرشده الله عز وجل أن يتخذ بعض الطيور ويفرمها فرماً ويوزعها على عدد من الجبال ثم يناديها فيرى كيف تنضم أفرادها الصغيرة وخلاياها فلا يختلط بعضها ببعض حتى تكون أجسامها الحقيقية الكاملة الحية كما كانت من قبل ، وأيضاً إبراهيم عليه السلام علق على هذه بقوله ( ليطمئن قلبي ) فكان هذا سؤالاً معللاً ، وأيضا إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنام قومه أبقى منها واحداً فلما اتهموا إبراهيم بهذه الفعلة قال أنتم ترون بالتأكيد هذا الواقف الوحيد هو الذي كسر الأصنام وهو يقصد هذا الصنم الباقي ، فكانت هذه عملية استثارة لعقولهم وأفكارهم ، فليس هناك في الواقع وقت محدد من أحقاب تاريخ الإنسان للتفكير ، ودائماً التفكير وراءه شيء ، فتخيلوا أن غبار من غبار الكون يضم آلاف المجرات مثلاً كل واحدة تعتبر نقطة صغيرة من الغبار أو أقل ، واحدة من هذه المجرات هي المجموعة الشمسية وفيها ذرة صغيرة متناهية الصغر تسمى الأرض بعث الله لها كائناً متناهي الصغر اسمه آدم ، ثم بدأ آدم يعيش على هذه الأرض وكان الله عز وجل لما أرسله إلى هذه الأرض كلفه واختبره ، وهذا معناه أنه أعطاه حق الاختيار وإلا كيف يختبر الإنسان وليس له اختيار ، وبما أنه أعطاه حق الاختيار فهذا معناه أن هذا المخلوق مفكر ، ومعنى مفكر أن لديه آلة يستخدمها في التعلم ومحاولة الوصول للحلول واستكشاف المجهول ، هذا هو الإنسان عبر التاريخ فمن الطبيعي جداً أنه يتعلم كيف يعيش ويحل مشكلاته ، ويتعلم التعرف على كل الظواهر التي يحسها بعينيه أو بأذنيه فهو يرى السماء وما فيها من نجوم وكواكب ، ويرى الأرض وما فيها من نباتات وأنهار وبحار ، ويرى جسمه ونفسه ويرى حركة الأحياء حوله فهذه كلها تبعث فيه همة التفكير والتعرف على المجهول ، بين حين وحين تصطدم حاجاته بحاجات الآخرين فيبحث عن حلول فهو الكائن الوحيد الذكي المختبر على هذا الكوكب الصغير ، هذا الإنسان حقير جداً وعظيم جداً ، حقير غاية الحقارة بغايات كبيرة من العظمة ، " ولقد كرمنا بني آدم " ، في العصر اليوناني ازدهرت معارف وفنون كبيرة قبل الميلاد بأربعة قرون تقريباً وذكرت أسماء معروفة ومشهورة ، سقراط وأفلاطون وأرسطو من مشاهير هذا المجال !

أفلاطون وأرسطو يدعوان إلى تمجيد وتنشيط الفضائل بالتفكير

وأضاف المحاضر الدكتور إبراهيم الغنيم :
إنّ أفلاطون له عدة مقالات وكان يركز فيها على الأخلاق والقيم والمُثُل ، ويدعي بأن ما يراه الناس إنما هو انعكاس لعالم في المُثل غيبي ، أما العالم المحسوس فلا قيمة له فهو مجرد صورة ومحاكاة لذلك العالم ، فلذلك هو يدعو دائماً إلى تمجيد القيم والفضائل ، ومع ذلك فقد كانت مقالاته منوعة بين الرياضيات والمنطق والفلسفة واللغة والأخلاق والسياسة ، يرى أفلاطون بأن الحل الوحيد للارتقاء بعالم الإنسان من المحسوس إلى غير المحسوس هو العقل ، أن ينشط عقله في تأسيس المعايير التي يستطيع أن يصعد بها من عالم المحسوس إلى عالم المُثُل ، هذه العمليات السامية عند أفلاطون هي التي تسمى الحكمة ، والحكمة تعني البحث عن الحقيقة العليا الكاملة وهي التي سميت فيما بعد بالفلسفة ، ويرى بأن بداية الفلسفة هي الشك في الواقع ومناقشة الواقع من أجل الوصول إلى العالم العقلي الكامل المحكم ، جاء بعده أرسطو تلميذ أفلاطون ، وأرسطو هو أستاذ الاسكندر المقدوني ، وأرسطو مهتم جداً بعالم الفضاء والأحياء والجغرافيا والرياضيات والطب والشعر والهندسة ونحو ذلك ، من أفضل ما قدمه أرسطو هو محاولة برمجة عمليات العقل بمعنى أن يضع وسائل تساعد العقل على الوصول إلى الحقائق وكان مركزاً على مسألة الاستدلال بالقياس ، ووضع أيضاً مفهوم التعريف والنوع والجنس والفرع والأصل ونحو ذلك ، تحدث أيضاً في التحولات التي تطرأ على المادة من حيث الشكل والحركة وتحدث في أوصاف الأجرام السماوية ، ويرى بأن الأرض هي محور الكون وليس هناك أكوان أخرى وأن ما يبدو بأنه مجرة أو درب التبانة إنما هو مجرد نور في السماء ، طبعا هذه الرؤية استمرت إلى العصور ما قبل الحديثة في أوروبا ، وأيضا تكلم في موضوع السعادة وأن السعادة لا تأتي إلا بشيئين المعرفة والاعتدال ، والمعرفة تأتي عن طريق العقل ،والاعتدال يأتي عن طريق الأخلاق ، تكلم أيضاً في الفنون والآداب ونقد القصة والمسرح وله فيها كتب ومقالات !



جولة سياحية في آفاق التفكير عند بعض علماء العرب والعجم


وفي جولة سياحية في آفاق التفكير عند بعض علماء العرب والعجم انتقل المحاضر بعد ذلك إلى الصين ، ففي القرن الثالث قبل الميلاد حيث ظهرت مذاهب في الصين تحاول أن تتعايش مع الحياة وكان المذهب المسيطر آنذاك مذهب يسمى الطاويّة ، بمعنى أن وسيلة السعادة أن تندمج مع الطبيعة ويعني ذلك أن لا تعارض الطبيعة وإنما تَعايَش ببساطة وعفوية كأنك جزء من الطبيعة والأشجار ونحوها يعني لا تحاول أن تتكلف الحياة ، وإنّما خذها ببساطة وعفوية ، على مر العصور أرسل الله عددا هائلاً من الأنبياء وكثير من البشر لم تصلهم الرسالات وكثير منهم بقوا على الفطرة وكثير منهم أشركوا بضغوط من الطبيعة عليهم فتعاظموا هذه الأشياء من الأجرام والأشجار والجبال فعبدوها ، وهذا طبعاً يعدّ انحرافًا في العقل البشري ، لكن الانحراف الذي أدى إلى الاعتدال في مصير البشر على الكرة الأرضية الذي ليس له مثيل هو ما حصل في القرن السابع الميلادي تقريبًا ببعثة النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، بُعث بوحي وهذا الوحي أحدث تغييراً كبيراً وتصحيحاً ، وكان المركز لهذه البعثة هو التوحيد ، بمعنى يا أيها الناس اتجهوا إلى الله عز وجل فقط واعبدوه ، فبيّن الغاية من الخلق وطريقة العيش والنهاية ، نستمر قليلاً في العصور الميلادية .. في القرن الثامن ظهر رجل اسمه جابر بن حيان في الواقع هذا الرجل سماه البعض أبو الكيمياء ، ففي وقت مبكر جداً كان منهمكًا جدًا في التفاعلات التي تحدث بين المواد فيجرب بنفسه ويستنتج كثيراً ، فقال " عليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة ، فمن لا يجد التجارب لا يصل إلى مراتب الإتقان " فبهذا اكتشف الصودا الكاوية وأحماض النتريك والهيدروليك ويقال بأنه مخترع جهاز التقطير ومكتشف الورق الذي لا يحترق ، بعده في القرن التاسع ظهر عندنا اسم الكندي ، ويقال بأنه هو الذي أشاع الأرقام الهندية ووضع مقياساً رياضياً لفاعلية الدواء ، وكان يعتقد أن الأرض هي مركز المجموعة الشمسية وليس الشمس ، ويرى بأن الفصول السنوية تنتج عن تلك الحركة وعمل تجارب لاستخراج العطور والنباتات واهتم لعملية التحليل العددي الإحصائي ، رأينا أيضًا الرازي في القرن العاشر اشتغل بالطب والمنطق وغيرها ، أرجو أن تلاحظوا في هذه الأسماء أن عدد التخصصات لديهم كبيرة ومتنوعة ، في العصر نفسه كان هناك من هو متأثر في الفكر اليوناني ورأى أن يطبق المنطق على الآداب ففشل ، وهو قدامة بن جعفر الذي ألف كتاب ( نقد الشعر ) ، ولكنه فشل لأن الآداب لا يمكن أن تُطبق عليها منطق الفكر ، في هذه الفترة ظهرت مجموعة غامضة أيضاً اسمهم إخوان الصفا وخلّان الوفا ، مجموعة يقال بأنهم باطنيون وكانت لهم أهداف معلنة ولا ندري إن كانت هناك أهداف غير معلنة ، ولكنهم كانوا يرون بأنه من المهم الاستفادة من الفلسفة اليونانية والمنطق في تصفية ما علق بالدين من الضلالات من وجهة نظرهم طبعًا ، ولكن علماء السنة فحصوا مذهبهم فوجودوا أن مذهبهم نفسه ضال بصرف النظر عن أن الآلة التي تستخدم أو شيء آخر ، في هذه الفترة ظهر الفارابي أيضاً الذي أراد أن يحسّن ويطور من آراء أفلاطون في المدينة الفاضلة وله اهتمامات أخرى فيقال بأنه هو أول من تكلم في أن الهواء يملأ الفراغ فلا يوجد هناك فراغ وإنما الهواء بطبيعته ينجذب إلى ما يسمى فراغ ، في القرن الحادي عشر ظهر ابن سينا وابن هيثم والبيروني والغزالي ، وابن سينا له إضافات متفرقة فتكلم حول الحركة والسكون واكتشف طرق العدوى في الطب وعدد من الطفيليات الضارة في الجسم البشري واقترح أدوية لها ، أما ابن الهيثم فكان يتبع منهجاً صارماً في التجربة ، ففحص التراث الفكري القديم كله تقريباً وأراد أن يفحصه بالتجربة وكان يرى بشدة الجمع بين الفيزياء والرياضيات وربط الجبر بالهندسة ، طبعا هذا يؤدي إلى قفزة فكرية كبيرة جداً في منهج التفكير ، ووضع قانون الاحتكاك الذي استعمله اسحق نيوتن وطوّره ضمن معادلات الحركة، و وضع مبادئ لانكسار الضوء واستقامة الإشعاع ، و وضع مبادئ أخرى في التصوير وانتقال الصورة إلى جسم ثابت ورسم صورة العين ، وتحدث في تجاذب الكتل السماوية واختلاف الوزن باختلاف المكان ، أما البيروني فيعدّ متنوع الثقافات جداً فهو يجيد اللغة العربية والفارسية والهندية واليونانية ، وكونه زار الهند وجلس فيها سنوات طويلة وتنقل في الشرق فهو يعدّ في الواقع مخزناً جيدًا لإعادة تقطير العلوم من جديد ، ففحصَ التراث وصحح بعضه ومن منتجاته أنه وضع طريقة صنع الاسطرلاب والساعة وبين كيفية تسارع القمر وتوقع الكسوف ، وصنع جهازا لقياس كثافة العناصر واستطاع بالتجربة والقياس معرفة محيط الأرض بدقة تقارب الدقّة الحالية ، مع أنه ليس لديه أجهزة فضائية ولا نحو ذلك ، ولكنه استخدم النظريات الهندسية ، وافترض بناء على حسابات الجاذبية بأنه يوجد في طرف بعيد من الأرض كتلة ما تمثل قارة ، هذه القارة بطبيعة الحال هي التي اكتشفت فيما بعد والتي هي أمريكا .
أما الغزالي الفيلسوف الموسوعي فاجتهد في بيان أخطاء بعض متأخري الفلاسفة في استخدام المنطق لإثبات وجود الخالق ، فكتب كتابه ( تهافت الفلاسفة ) حتى ظن الناس أن الغزالي نفسه ليس من الفلاسفة وأن الفلاسفة كلهم منحرفون ، وحتى الغرب يذكرون منهجاً فلسفياً باسم الغزالي . و في القرن الثاني عشر ظهر ابن رشد في الأندلس ، طبيب وقاضي وفيلسوف وفيزيائي ، قدم وصفاً تقريبياً لسطح القمر وتحدث في وصف بدائي عن البقع التي على الشمس وهو صاحب الكتاب ( تهافت التهافت ) يعني يا أيها الغزالي أخطأت في أنك أثرت موضوعاً خطيراً ، فكأنك تقول في أن العقل لا يصلح لإثبات وجود الخالق وهذا غير صحيح ، فابن رشد يريد أن يؤكد بأن الفكر والمنطق الصحيح وسيلة من وسائل معرفة الله وتثبيت الإيمان ، وقد قدّره الغرب وسموا باسمه أحد الكواكب الصغيرة ، في الوقت ذاته تقريباً هناك قاضٍ آخر وفيسلسوف اسمه ابن طفيل وقد اشتهر بقصته التي كتبها " حي ابن يقظان " وقد ترجمت إلى لغات العالم تقريباً وقد انتشرت في أوروبا انتشاراً هائلاً جدًا وغيرت من الفلسفة الأوروبية تقريباً ، أراد ابن طفيل في قصة حي بن يقظان أن يثبت بأن العقل المجرد يهدي إلى الفطرة والفطرة هي مكمن الفضيلة ، طبعاً جاء بها على شكل قصة .
وفي القرن الرابع عشر ظهر عدد من الشخصيات سننتقي منهم ابن تيمية لأن ابن تيمية كان من الفلاسفة أيضًا وكان من الذين كتبوا في الرد على الفلاسفة " فكتب كتاب ( درء تعارض العقل والنقل ) وكتب كتابه ( الرد على المنطقيين ) مؤكداً أنه ليس لنا أن نقول إن العقل مقدّم على صحيح النقل لكن قطعيّ العقل مقدّمُ على ظنيّ النقل ، طبعا هذا فكر راق جدًا وفي أوروبا يعدّون ابن تيمية مدرسة من مدارس الفكر في العالم ، في مجال الأدب في ذات العصر تقريبًا كان هناك أحد الأدباء والشعراء في الأندلس اسمه أبو الحسن حازم القرطاجني أعاد فكرة قدامة بن جعفر في القرن الرابع الهجري فحاول أن يطبق المنطق على الأدب لكنه فشل ، وله كتاب مشهور اسمه ( منهاج البلغاء وسراج الأدباء ) وعليه دراسات كثيرة في الماجستير والدكتوراة لأنه كتاب ذو فكر عميق وممتاز ، لكن خطأه أنه يحاول أن يطبق هذه المفاهيم على الأدب والشعر ، تقريباً في ذات العصر برز من الشمال الافريقي ابن خلدون ، وفكّر في إيجاد حلول اجتماعية لمشكلات الناس فحلل التغيرات التي تطرأ على المجتمعات لكي يبصّر الناس بطريقة التغيير واجتهد في وضع النظام الاجتماعي الأمثل بناءً على استقرائه للتاريخ واستنتاج العبر .
في القرن السادس عشر الميلادي سنختار أحد الأوروبيين واسمه ( كوبر نيكوس ) ويعدّه الأوروبيين حدًا فاصلاً في تاريخ الحضارة الأوروبية لأنه راهب وعالم رياضيات وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب ، وظهر لديهم بفكرة معارضة للفكرة التي كانت لديهم منذ أرسطو إلى وقته ، بعد أن مكث عشرين عاماً في البحث والتأليف حول دوران الشمس والقمر ، ولم ينشر شيئا خوفاً من بطش الكنيسة وترك للناس قراءة علمه بعد موته ، فأثبت أن الأرض تدور حول نفسها وتدور حول الشمس مع الكواكب الأخرى وأن القمر يدور حول الأرض ، وكان هذا أول اعتراض على فكر الكنيسة منذ اثنتي عشر قرناً ، في القرن السابع عشر ظهر ما يمكن أن نسميه ثورة حقيقية في رجل واحد اسمه غاليليو من ايطاليا ، وهو كاثوليكي متدين مهتم بالرياضيات والفيزياء والطب والفلك والهندسة وقد عاش فقيرًا باحثاً لم يتقبله المجتمع بسهولة ، وقد قدم اختراعات كثيرة وخاصة في مجال مراقبة الفضاء وكأنه تعهد بإعلان فكر ( كوبر نيكوس ) الذي لم يعلنه في حياته وقال بشجاعة إن الأرض ليست مركز العالم وليس القمر بمسطح وليس درب التبانة مجرد ضوء ، وأن ذلك لا يتعارض مع الكتاب المقدس ، وربما كانت هذه أول مرة تتم فيها مواجهة صريحة بين العلم من جهة والفكر الكنسي من جهة أخرى حول الأجرام السماوية ، درس غاليليو حركة السقوط الحر ، واستطاع صياغة قوانين في السرعة والعجلة ، ودرس حركة البناودل وقياس الزمن ، تكلم في النسبية وصلابة المادة وصنع منظاره المعروف القوي واكتشف أقمار المشتري وقد سميت باسمه ، مُنع من التدريس وحوكم بسبب اعتراضه على فكر أرسطو والإنجيل كما يدّعون ولولا صداقته بالبابا أوربان الثامن لحُكم عليه بالإعدام فخُفّف بالسجن والإقامة الجبرية والتعهد بعدم النشر والتدريس ، وأعلنت الكنيسة منع الاطّلاع على كافة منتجات غاليليو وأمضى بقية عمره في بيته في البحث والتجريب ، اعتذرت له الكنيسة بعد ثلاثة قرون ، ووضعوا له نصبًا تذكارية بالفاتيكان نفسه ولقبه أينشتاين بأبي العلم الحديث ،وهناك أنظمة ملاحية معاصرة باسمه من باب رد الجميل والاعتذار له ، في القرن الثامن عشر نختار فيلسوفاً ألمانيًا اسمه ( ايمان ولكانت ) وهو أحد الفلاسفة المؤثرين في أوروبا حيث تكلم بالعقل ، وأكد أن نتاج العقل يظل وهماً ما لم يجتز التجربة ونتاج التجربة ينبغي أن يُعاد النظر فيه ويُشك فيه كثيرًا لاحتمالية أن العقل يحكم على الأشياء وفق افتراضات مسبقة ، فهو يؤكد على استخدام الدقة في التجارب ، أيضًا في القرن الثامن عشر نجد نيوتن حيث يُعدّ ثورة أخرى في عصر التطور ، ويعتقد نيوتن بأن الكون يسير وفق قوانين دقيقة جدًا بإرادة الله وعلمه سبحانه ، وعلّمَ الناس أن يكتشفوا ذلك وقد صاغ نظريات واضحة وثابتة تُعد أساسًا للثورة الصناعية حتى عهد قريب ، فقد وضع قوانين دقيقة للحركة والجاذبية والبصريات والتفاضل ، وفي القرن العشرين ظهر أديسون صاحب أكثر الاختراعات تقريبًا فضلاً على حياة الناس من الكهرباء والمصباح والميكروفون والبطاريات ، وفي هذا العصر أيضا ثارت زوبعة علمية جديد مع رجل يهودي ألماني أمريكي الجنسية وهو أينشتاين ، وقد درس التراث السابق ومناهج التفكير فخرج بطريقة من التفكير مختلفة تقوم على نظرية النسبية من أجل تعميق البحث وفحص المسلمات ، وصارت الفيزياء الكلاسيكية بعد أينشتاين ضعيفة وهشة وأصبحت على المحك ، فالفيزياء التي أخرجت الميكانيكا وغيرها هي اكتشافات قيمة ورائعة جدًا لكن كثيرًا منها لم يستطع العلماء فحص كنهها الدقيق ، فجاءت نظرية النسبية وساعدت على فهم الكثير مما لم يكن مفهوماً من قبل وانفتح فضاء جديد غير محدود التفكير ، وأصبح لا يمكن أن نفهم الزمان لوحده ولا المكان لوحده فأصبحت الأشياء متمازجة ، وأصبح هناك إمكانية للتفكير في إيقاف الزمن وتسريعه وتبطيئه والتنقل عبر الزمن ، وبناءً على نظريات أينشتاين الكثيرة أمكن تفعيل الطاقة النووية وأمكن القرب أكثر من فهم بعض المظاهر الكونية مثل الثقوب السوداء وكانت آراؤه مؤثرة بقوة في بحوث بعض الفيزيائيين الذين أظهروا ما يسمى بميكانيكا الكم ، وهي ثورة أخرى ما زالت غامضة حتى عند أهلها ، فنستطيع أن نقول أن ميكانيكا الكم جعلت الفيزياء الكلاسيكية شيئاً من الماضي ، ففي نظرية الكم نقول : " وجود جسم في مكان ما في لحظة ما لا يعني أنه غير موجود في اللحظة نفسها في مكان آخر " ومع هذا التناقض والغموض فذلك جعل العلماء يفهمون أشياء موجودة في الواقع لكنهم لم يكونوا يفهمون ماهيتها .
في آفاق أخرى فهناك رجل يسمى ستيفن هوكنج ويعد من أعظم علماء الفيزياء في العصر الحديث وله كتاب مشهور يعد من أشهر الكتب في العالم اسمه ( موجز تاريخ الزمن ) .
وسأذكر لكم الآن بعض الأسماء التي لها محاولات في التفكير .. منها مالك بن نبي فقد حاول أن يحل بعض مشكلات التفكير فكتب كتاب ( مشكلات الأفكار في العالم الإسلامي ) ، وآخر اسمه ( ادوارد ديبونو ) وهو طبيب من مالطا يسعى لترسيخ التفكير فألف أكثر من سبعين كتاباً في التفكير وطرقه ، ومن تطبيقاته المشهورة برنامج كورت للتفكير الإبداعي وبرنامج القبعات الست ، وهناك رجل آخر نعتقد أنه مغمور في العالم العربي لكنه مشهور ومقدر جدًا في عدد من المؤتمرات والجوائز العالمية هو توماس ساعاتي وهو عالم رياضيات عراقي الأصل أمريكي الجنسية حاول أن يبتكر برنامجاً يساعد فيه العقل على صناعة القرار عندما تتعدد الخيارات والمعايير وقد تلقفتها الحكومات والشركات الأوروبية وصاروا يطبقونها ، ومؤخراً انتبهت الصين لها فبدأت تدرّسها بشكل مبسط في المدارس عندهم ، وهي تقوم على تسخير الرياضيات في صناعة القرار .
ورجل آخر اسمه غريفز وهو عالم نفس أمريكي وقد أوجد نظرية قيل عنها إنها النظرية التي تحل جميع المشكلات على الإطلاق . أيضاً من التطبيقات تطبيق ( هيرمان ) وهو عالم أمريكي وضع أنماطاً للتفكير يتم بها فحص الموظفين لكي تحدد اتجاهاتهم الصحيحة فيمكن استغلال الطاقة البشرية بشكل ممتاز ، وقد طورت شركة ألفا البريطانية على هذا التطبيق تطبيقا يسمى بوصلة التفكير .. وشكرًا جزيلًا لكم .
المداخلات

وفي الختام أثارت المحاضرة عددًا من المداخلات والأسئلة التي أجاب عنها المحاضر الدكتور إبراهيم بن عبد الرحمن بن غنيم وبدأها المهندس محمد أحمد بن باجنيد فقال : أجد لزاماً أن أتقدم بالشكر لمحاضرنا الدكتور إبراهيم على طرحه لهذا الموضوع وعمقه ، وأشكر الأستاذ عبدالله السنكر لإجابته الدعوة لإدارة هذه الأمسية ، هناك موقف من الفلسفة في الثقافة الإسلامية ولدى علماء الشرع الإسلامي وهي حقيقة تجعل حاجزاً لدراسة هذا العلم وهناك مصطلحات ارتبطت بذلك فهناك الفلسفة والمنطق وعلم الكلام فهل هي شيء واحد أم لها دلالات مختلفة ؟ فلذلك نجد من ذمّهم لدراسة علم الكلام ومن ذلك ما نُقل عن الإمام الشافعي أن : " قولي أنّ آل الكلام يُضرَبون بالجريد والنعال " ، وما ذكرتم من علماء الدين مثل ابن تيمية فهم في الحقيقة ما ردّوا على الفلاسفة إلا لتعمقهم في الفلسفة حتى أصبحوا فلاسفة ، فما هو الفاصل لذمّ العلماء لهذا العلم ؟ النقطة الثانية هي أننا مقبلون على خطوة تعليم الفلسفة في التعليم العام ، وهذه الخطوة ربما تأخذ جدلاً في مجتمعنا فما الضابط لنجاح هذه الخطوة ؟ وما هو الجانب الذي نحتاجه من هذا العلم ؟

* وقال الدكتور حسن الحفظي : الدكتور إبراهيم أعرفه ناقدا أديبًا وعالمًا متقنًا وأعرفه رزيناً هادئاً عاقلاً وأراه هذه الليلة طوّف بنا تطوافاً عجيباً حتى كدت لا أفهم معظم ما يقول ، وأرى عندي بعض الإشكالات منها أنكَ ذكرت أن آدم عليه السلام وهو أبو البشر أعطاه الله مزيّة التفكير وكلهم من بني آدم فهل معنى هذا أن التفكير خاص بالآدميين ؟ لأنك ذكرت بأن آدم جُعل مخيراً بهذا التفكير فهل معنى هذا أن الملائكة ليس عندهم تفكير ، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ؟

* أمّا الدكتور منصورالدوخي فأشار أنه يعتقد أن هذه المسألة تحتاج خطاً دقيقاً لمعرفة البداية والنهاية ونحن هنا وقفنا على الخطوط العريضة لهذا الطرح ، وأشكر أخي الدكتور إبراهيم على هذا الطرح وقد استمتعت جدًا بهذا التواصل معه في هذه الأفكار .
* وشكرالدكتور محمود شرابي المحاضر الدكتور إبراهيم على هذا الطرح ، والقراءة في تطور التفكير العلمي والاستدلالي بدءاً بجهود العرب والمسلمين وحتى العلماء الغربيين ، وحقيقة فأنا كنت مشغولاً في السنوات الماضية بالعلاقة بين التفكير واللغة وقد هُديت أن استنبط استراتيجية للتفكير باللغة العربية وأسميتها ( استراتيجية التفكير باللغة وأثرها على اكتساب اللغة العربية العربية لغة ثانية ) ووضعت لهذه الاستراتيجية خطوات منطقية تعتمد على التفكير البشري المنطقي للتأمل في اللغة بعد ، وأثار ذهني سؤال عن الفلسفة وعلاقتها بالدين ، فأرى بأنه قد دعا القرآن إلى الفلسفة لأن الفلسفة هي التأمل ، وقد دعا القرآن إلى التأمل في " الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت " فربما أرى أن الفلسفة تدعو إلى معرفة الله وتوحيده ، ومعرفة حقيقة خلق الإنسان وهذه هي الفلسفة التي نريدها .