الدكتور أسعد سليمان عبده

 الدكتور أسعد سليمان عبده
الدكتور أسعد سليمان عبده

(أقامت ندوة (الوفاء) الثقافية في الرّياض ضمن لقاءاتها الأسبوعية الدورية لهذا الفصل محاضرة بعنوان : ( جغرافية الوقت .
قدّمها الدكتور أسعد سليمان عبده الأستاذ في جامعة الملك سعود وعضو مجلس الشورى سابقا ، وذلك مساء الأربعاء 24 -2-1441هـ ، وقد أدار اللقاء الدكتور يحيى أبوالخير وحضرها نخبة من التربويّين والمفكرين والأدباء وجمهور من رواد الندوة ومتابعيها(.


لقاء مبارك وليلة طيبة

بدأ اللقاء أكبر أبناء عميد الندوة حسين محمد باجنيد:( أبو ريان) فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم ... أيها الإخوة الحضور الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلا سهلاً بكم في هذا اللقاء المبارك ، والذي يشرفنا ويسعدنا كثيراً أن يكون محاضره سعادة الدكتور القامة الكبيرة أسعد سليمان عبده الذي شرفنا في هذا اللقاء إن شاء لله ،ونشكر جميع من حضر واهلاً وسهلا بجميع الحضور ، ونتمنّى لكم ليلة طيبة بإدارة الدكتور يحيى أبو الخير كما عهدناه دائماً .




الشكر لأبناء الشيخ أحمد باجنيد لدعوة قامة رفيعة

أما مدير هذا اللقاء الدكتور يحيى أبو الخير فشكر المحاضر وأبناء الشيخ المرحوم أحمد باجنيد فبدأ الندوة بالترحيب والثناء :
- بسم الله الرحمن الريحم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم , إخواني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , الليلة خاصة جداً ولها وقع كبير في نفسي ، ولسبب أنني اليوم في معية أستاذنا الكبير الفال أسعد بن سليمان عبده الذي تفضل مشكوراً بقبول دعوة أبناء الشيخ باجنيد وتركوا له حرية اختيار للموضوع ، فوقع الاختيار على موضوع جغرافية الوقت وهو موضوع هذه الليلة .
و الحقيقة أنني عندما أجلس هنا ويطلب مني التقديم يكون صعبا ، ولكن اليوم أصعب لأني أقدم من له فضل كبير عليّ أنا شخصياً , فقد تتلمذت على يديه سنوات في القاعات والمحافل ، وعندما كان رئيساً لقسم الجغرافا لعدد من السنوات ، فتعلمنا منه الكثير فهو معروف بدماثة الخلق والتواضع , فقد عرف جادّاً منذ أن كان في نعومة أظفاره بعصاميته وحبه لدينه ووطنه وأمّته , فقد درّس وهو شاب في مقتبل عمره , ولديه مهارات أخرى مثل التطريز أيضاً ، رجل جبل في شخصيته على العطاء المتدفق لخدمة الآخرين وعنده إيثار عجيب ,وهو جاد يحترم الوقت والناس , عملت معه سنوات طوال جداً ، فقد قدم لعلم الجغرافيا الكثير ومنه إنشاء الجمعية الجغرافية السعودية وكان في ذلك الوقت من الصعب جداً , فقد نجحت نجاحا باهرا وأصبح لها نشاط , وله شغف في جمع الناس في ندوات علمية ,دكتور أسعد غني عن التعريف , والجامعة وجدت فيه سندا مرجعيا من الناحية العلمية ، وفي الإدارة من ناحية أخرى ، وسندا إنسانيا وعمل في جامعة الملك سعود عددا من السنوات , وتميز في هذه المرحلة وما بعدها بالشيء الذي ذكرته المبني في شخصية الدكتور أسعد المنجزات والقيم ، ومما أنشأه مركز رصد الزلازل في المملكة العربية السعودية ، وهو أول مركز في المملكة وأصبح مقره في جامعة الملك سعود , رياض الأطفال أيضاً من ضمن المنشآت وغيرها الكثير ومباني الجامعة كان له يد بيضاء عليها في الإنشاء والتعمير والتنظيم , فكان عمله كله في خدمة الناس ويعقد الدروس لأبناء أعضاء التدريس في الجامعة ويقوم بجهد كبير جداً ,وعمل عضواً في مجلس الشورى لعدد من الدورات , وهذا دليل التقدير والإكبار من الدولة لمثل هذه القامة السامقة , أيضاً عمل في مواقع كثيرة وكان نائب رئيس المجموعة العربية للأسماء الجغرافية في المنظمة المتحدة , وعمل في هيئة الاتصالات عضواً للهيئة وفي كثير من المواقع مستشاراً وله مواقع في الإذاعة , وكثير من تلامذته وأنا واحد منهم اقتدينا به في النجاح , عندما قررت الجميعة الجغرافية السعودية اصداركتاب للأستاذ أسعد عبده تكريماً له ، واحتفاء بمنجزاته فقد بادر كثير الناس في الكتابة , والحمد الله وفقنا ، وسيصدر الأسبوع القادم كتاباً إالكترونياً ، وقد انتهينا منه ، وجعل فيه كل أبحاث الدكتور أسعد وجميع الوثائق التي في حوزته وخطابات الشكر والتقدير , فهو حوالي 300 صفحة ,والجميعة الجغرافية السعودية بادرت في عمل قناة يوتيوب أيضاً باسم الدكتور أسعد عبده ، واستطعنا أن نضع فيها جميع محاضراته وهي تحت اسم سوانح جغرافية , فقد قدم حفظه الله خدمة رائعة من خلال المعاجم التي قدمها لتصحيح المسميات على الخرائط السعودية لمختلف المقاييس , وله بحوث عدة تطبيقية في النقل البري والجوي , وهو أول جغرافي حاصل على درجة الدكتوراة فهو الرائد الأول , وعمل في الأطالس والكتب الدراسية والإشراف على الدراسات العليا , هذه بعض لمحات سؤيعة عن هذه لشخصية التي نعتز بها ونفتخر ,والشكر لأبناء الشيخ باجنيد لدعوته , وأطلب منه جزاه الله خير أن يبدأ محاضرته ونحن له أذان مصغية .




الشيخ أحمد باجنيد ظلّ وفيّا وسمّى ندوته : الوفاء

- بسم الله الرحمن الرحيم أولاً رحم الله الشيخ أحمد بن محمد باجنيد الرجل الوفيّ وأسكنه فسيح جناته وهو لا شك رجل وفي سمّى ندوته الوفاء وفاءً للأستاذ الجليل الرفاعي, الذي كان له ندوة خميسية أسبوعية ثم بعد موت الشيخ الرفاعي قام الشيخ باجنيد بعملها وفاء له حتى تستمر والشكر للأخ المهندس محمد أحمد باجنيد وإخوانه على الدعوة الكريمة ولأخي يحيى محمد أبو الخير، وأنا دائماً أناديه أبو النبل والوفاء لأنه فعلاً نبيل ووفيّ وشكراً جزيلاً لكم جميعاً تشرفت بحضوركم.

متغيرات الإحساس بالوقت !!!

ونحدث المحاضر الدكتور أسعد سليمان عبده عن متغيرات الإحساس بالوقت فقال :
الموضوع هو حديث عن كتاب عنوانه جغرافية الوقت وهي ليست محاضرة إنما حديث عن الكتاب وهو مطبوع باللغة الإنجليزية وما سأقوم به هو أن أعطى معلومات مختصرة عن الكتاب وأعرض عليكم بعض انطباعاتي عما قرأته فيه ، وهو غير موجود باللغة العربية .
المؤلف ليس جغرافيّا وانّما تخصص في علم النفس اجتماعي طبع الكتاب عام 1997 م وحصل على جائزة وترجم لسبع لغات , المؤلف روبرت لوفاين كان أستاذا زائرا في البرازيل واليابان والسويد ونشر عدد من الكتب والبحوث في مجال تخصصه .
في مقدمة الكتاب وتحتها كتب ( الوقت يتحدث بلهجة ) وتحت هذا العنوان كتب لكل ثقافة بصمتها الإيقاعية للوقت ، لتعرف الناس لابد أن تعرف قيمة الوقت في حياتهم . وحدّد موعد اللقاء الساعة الثامنة و15 دقيقة ، وهذا ما يسمى استخدام وقت الساعة ولم يستخدم ما يسمّى وقت الحدث فيحدّد الموعد بعبارة بعد صلاة العشاء والأدق وقت الساعة , واهتم المؤلف بما أسماه وتيرة الحياة مبيناً أن لكل مكان مثل البشر بصمة خاصة ّ وبحث عن الاختلاف في الأماكن في وتيرة الحياة معتمداً على دراسة موضوعية تجريبية أجراها .
وكلما تطور البلد قل الوقت الحر للحياة اليومية للناس , سكان الأماكن المتقدمة صناعياً لديهم وقت أقل للاستمتاع ، مقارنة بأجدادهم الذين عاشوا قبل الثورة الصناعية , وسكان الأماكن غير المتقدمة صناعياً لديهم وقت خاص بهم أكثر , يأتي عدد السكان بعد قوة الاقتصاد في التأثير على الاختلاف بين الأمكنة في إيقاع الحياة , أثبتت الدراسات أن سكان المدن الأكبر يتحركون أسرع من سكان المدن الأصغر , وهناك مصداقية للقول السائد بان الحياة أبطأ في الأماكن الحارة , والدول التي درسها المؤلف هي دول مدارية مثل المكسيك وأندونيسيا , بينما الأسرع سويسرا وألمانيا , العامل الثالث الثقافة التي تسود فيها الفردية اسرع من الجماعية .
يمر الوقت بخطوات مختلفة بين الأشخاص ,إذا أردت معرفة تقديرك للوقت عليك ملاحظة الآتي , اهتمامك بعقارب الساعة , أن تنظر للساعة بين وقت وآخر , أنماط التحدث في الجمهور هل تلقي الكلمة بسرعة ؟ , وسرعتك بالأكل , وسرعة المشي , وقيادة السيارة ,والمواعيد هل تخصص وقتا لكل عمل , عندما يصبح الإحساس بأهمية الوقت حاداً قد يؤدي هذا إلى ما يسمّى مرض العجلة .

الإيقاع والمرونة في وتيرة الحياة وقواعد لعبة الوقت !

أمّا الموضوعات الأخرى التي من الممكن الحديث عنها هي الإيقاع والمدة والمرونة في إيقاع وتيرة الحياة والكفاءة الهندسية ، والوقت والنظام وتاريخ الساعة وتحديد الوقت وممارسة وقت الساعة وقواعد لعبة الوقت ، أينشتاين مذكور أيضاً في الكتاب تحت أحد الفصول ، حيث يقول : " عندما تجلس مع فتاة لطيفة ساعتين تبدو كأنها دقيقتين ، وعندما تجلس على موقد ساخن دقيقتين تبدو كأنها ساعتان وهذه هي النسبية " أيضا يختلف الإحساس بالوقت إذا كنت الشخص المنتظَر أو الشخص المنتظِر ، فالشخص المنتظِر يشعر أن الوقت يمر ببطء ولا يشعر بهذا الشخص المنتظَر ، حساب المدة عند علماء النفس عملية مرتبكة وكما أثبت البحث العلمي فإن الناس عندما تُحجب عنهم إشارة الوقت ( وهي الشمس ) أو يكونون منهكين جسدياً وتحجب عنهم آلة الوقت فإنهم سرعان ما يفقدون حاسة الوقت ، هذه الساعة السيكولوجية غير دقيقة مقارنة بالوقت في ساعتنا ، طبعاً قياس المدة عند الفيزيائي هي بالأرقام الدقيقة ، ومن الناحية النظرية الشخص عندما يشعر أن المدة أطول من حقيقتها يكون في حالة إيقاع بطيء ، وعندما يشعر أن المدة أقصر من حقيقتها يكون في إيقاع سريع ، أي أن تقدير الإنسان للمدة يتأثر بعوامل من أهمها حالته النفسية ، أو إن شئت فقل الساعة النفسية ، وهي تتأثر بعوامل كثيرة مما قد يجعل تأثيرنا للمدة غير دقيق ، أثبتت الدراسات أن تأثير الشخص العادي للمدة يزيد أو ينقص ، فلو عزلت الإنسان عن ضوء الشخص لمدة أيام فقد يفقد الإحساس الحقيقي بالوقت والأيام فلا يعلم كم يوماً مرّ .



تحديد الوقت بالحدث !!!

وتساءل المحاضر :
كيف كان الإنسان يقيس الوقت قبل وجود الساعات والتقاويم ؟ كانوا يقيسون الوقت بالحدث وغالباً ما يكون الحدث من الطبيعة أو من أنفسهم ، فكانوا يقيسونه من حركة الشمس بالنهار أو القمر والنجوم بالليل ، وحركة المد والجزر ، كما يقيسونه بضربات القلب ، والشعور بالنعاس ، والشعور بالجوع ، وتيرة الحياة في مجتمع يقيس الوقت بالحدث ذات إيقاع بطيء مقارنة بوتيرة الحياة في مجتمع يقيس الوقت بالساعة حيث الإيقاع السريع وكل شيء مبرمج بمواعيد ، الفرق بين الحياة وفق وقت الساعة والحياة وفق وقت الحدث كبير ، فالحياة وفق الساعة والجدولة وفق عقارب الساعة تحكم بدء الأنشطة وانتهائها كوقت الدخول والخروج من المكتب ، أما الحياة وفق وقت الحدث فالأنشطة تحكم الجدولة ، فتبدأ الأحداث وتنتهي وفق شعور مشترك بين المعنيين ، لكن هل يوجد ضمن عالم اليوم مجتمعات تعيش وفق وقت الحدث ؟ الحقيقة نعم ، فهناك حياة تقدّس الوقت المقاس بالطبيعة وليس الوقت المقاس بالماكينة - الساعة - ، وينعكس هذا في حِكمهم وأمثالهم وحياتهم ومن أمثلة ذلك ، في المكسيك توجد حكمة تقول : " أعطِ الوقت للوقت " ، وفي أفريقيا تقول الحكمة : " حتى الوقت يأخذ وقته " وفي الولايات المتحدة هناك ما يسمى " وقت الملونين " أي أن البيض سريعين والملونين أبطأ ، في تريني داد فأي وقت هو وقت تريني داد حيث الفرد يتصرف حسب ما يشعر دون تقيد بوقت ، وحيث تسمع : " لا أشعر برغبة في الذهاب للعمل اليوم "، هناك تبدأ الأنشطة عندما يأتي الناس وتنتهي عندما ينصرفون ، والناس في بروندي مثل معظم سكان وقت أفريقيا ، تتحكم في حياتهم فصول السنة أكثر من 80% من سكانها مزارعون يمارسون الزراعة معتمدين على تقويم طبيعي فعندما يأتي فصل المطر يزرعون ، وعندما يأتي فصل الجفاف يحصدون فهم يعيشون وفق ساعة الطبيعة وتقويمها ، وكان هذا الأمر سارياً هنا أيضاً قبل تطور الحياة وتقدمها ، المواعيد الشخصية تنظمها أيضاً ساعة الطبيعة فالذي نشأ في الريف ربما يحدد موعداً بقوله : " أراك صباح غد عندما تخرج الأبقار للرعي " ولموعد منتصف النهار " عندما تكون الأبقار ذاهبة للشرب من الجدول " ولأن شرب البقر يكون في منتصف النهار لمدة أكثر من ساعة فإن الموعد يمكن أن يكون في أي وقت ضمن تلك المدة . " من أنت " يرمز في بوروندي لسواد الليل لكون الشخص لا يعرف الآخر من سواد الليل ، ومن ثم فإن وقت " من أنت " هو وقت دخول الظلام ، وإن كان الموعد في آخر الليل فهو عندما يؤذن الديك ، ثم إذا جاء النهار عاد الناس إلى تحديد المواعيد بمواعيد شرب البقر وأكلها ،أما السكان الأصليون في الهند فليس لديهم حاجة كبيرة لشراء تقويم ، فقد كوّنوا تقويمهم السنوي بناء على تتابع رائحة الأشجار ، فيعرفون في أي وقت من السنة هم ... بشمّ رائحة العطر خارج بيوتهم ، وطوّر الرهبان في بورما طريقة لمعرفة وقت الاستيقاظ ، فيقولون إن وقت الاستيقاظ هو عندما يوجد ضوء كافٍ لرؤية العروق في أيديهم ، ويوجد فلاحون يسمّون ب " أناس ساعة جوز الهند " يستخدم هؤلاء الناس هذه الساعة في مسابقاتهم الرياضية ، ويفضل هؤلاء الفلاحون استخدامها بالرغم من معرفتهم بعدم دقتها على استخدام الساعات الموجودة في أيديهم ، بينما يُعامَل الوقت عند معظم الغرب على أنه كيان مستقل ، ومعظم ثقافات الهنود الحمر في أمريكا الشمالية تتعامل مع الوقت في اللغة بطريقة غير مباشرة ، الأمر مختلف في بورندي عن المجتمعات التي تعيش وفق وقت الساعة في المجتمعات الغربية ، حيث تملي الساعة متى وقت اللعب والعمل وحتى الأحداث البيولوجية مجدولة وفق الساعة ، فليس بغريب مثلاً أن يُقال حان وقت تناول العشاء أو حان وقت النوم ، فهذه أشياء بيولوجية كلها أصبحت تُقاس بالساعة ، ويعرف المولود عندما يكون جائعاً ومتى هو بحاجة إلى النوم ، لكن سرعان ما يقوم الوالدان بتنظيم مواعيد غذاء ابنهم ونومه لتتناسب مع مواعيدهم هم ، فيتعلم الطفل متى يجوع ومتى ينام وفق عقارب الساعة وليس وفق ساعته البيولوجية .
قواعد لعبة الانتظار :

وبحدّثنا الدكتور أسعد عبده عن قواعد لعية الإنتظار :
القاعدة الأولى : عجيب أمر هذا العقل البشري الذي ربط الوقت المجرد الذي لا يمكن مسكه بالذهب وهو المال ، والمال كما يعلم الجميع شيء كمّي ، لكن هل يمكن تحويل الوقت إلى مال ؟ أصبح من الممكن وضع الوقت في كفة وأشياء ملموسة في كفة أخرى ، فكم ساعة عمل تساوي قيمة هاتف جوال ؟ وهل يمكن العكس أي تحويل المال إلى وقت ؟ القاعدة أن الإنسان يبيع جزءاً من وقته بالمال للجهة التي توظفه ، فالوقت والمال يمكن التبديل بينهما فكأنهما عملتان يمكن استبدال أحدهما بالأخرى حسب سعر كل منهما في السوق في ذلك المجتمع ، أو أن الوقت والمال وجهان لشيء واحد مثل الماء والثلج ، وعندما لا نعترف أن الوقت من ذهب ، عندما نقف في صف طويل ننتظر الوصول لشراء خدمة ما فنحن في الواقع ندفع قيمة الخدمة إضافة إلى قيمة وقت الانتظار ، طبعاً الوسائل التقنية الآن قد تحل هذه المشكلة .

القاعدة الثانية :
قانون العرض والطلب ، فكلما كان الطلب مرتفعًا والمعروض نادراً زاد طول طابور الانتظار ، وقد تصل كلفة الانتظار أضعاف قيمة المنتج ومن ثم تصبح هي الجزء الأهم في القيمة التي يدفعها المشتري ، في الدول الشيوعية كان الناس يقفون ساعات وساعات في صفوف طويلة لشراء منتج رديء بقيمة مالية منخفضة ، وبعد شرائه يمكنهم بيعه في السوق السوداء بأضعاف سعره ، ذلك لأن سعر السوق السوداء يشمل قيمة الوقت الذي أُنفق في صف الانتظار الطويل .

القاعدة الثالثة : نقدر قيمة ما ننتظره ، فوجود صف انتظار دليل على ندرة المعروض بالنسبة للطلب ، ومن المعروف عن الإنسان حبه للشيء النادر وحرصه على الحصول عليه ، فإذا شعر أنه شيء نادر يصبح هناك مبرر نفسي للانتظار ، يستغل بعض المعلنين هذه الطبيعة الإنسانية فيعلنون أن الكمية محدودة أو أن الفرصة متاحة لمدة محدودة ، لكي تكون هناك صفوف انتظار عندما يكون المنتج في السوق مما يحبب الناس بالمنتج ، وقد يقول البائع أن هذه آخر قطعة أو أنها محجوزة ، أو مثل هذه الأقوال التي هدفها إحساسك أن الكثيرين ينتظرون شراء هذا الشيء .


القاعدة الرابعة :
المكانة والانتظار ، إذا كانت مكانة الشخص كبيرة زاد الطلب على وقته ، فتحتاج إلى أخذ موعد لمقابلة شخص مهم ، والقاعدة أن المهم يُنتظر ، والأقل أهمية ينتظِر ، فالطالب ينتظر الأستاذ في قاعة المحاضرات وليس العكس .

القاعدة الخامسة :
المكانة والانتظار ، فكثرة المنتظرين تشير في الغالب إلى أهمية لاشخص ، مما يجعل بعض الناس حريصين على تكوين علاقة خاصة معه ، لذلك قد يعمد بعض الموظفين جعل المراجعين ينتظرون ، مع أنه قد يكون من بعض المراجعين المنتظرين من مرتبته الوظيفية في جهة أخرى أعلى من مرتبة هذا الموظف ، ويُفترض أن الخدمات الإلكترونية ستقلل من هذه القاعدة ، أيضاً هندسة بعض المباني الحكومية تربط بين دور الطابق ومستوى الموظفين ، حيث تتواجد مكاتب الموظفين الأقل أهمية أو ذات الأدوار الصغيرة في المؤسسة في الطابق الأول ، ولا تحتاج موعداً لمقابلتهم ، ثم في الأدوار الأعلى تجد الموظفين الأعلى أهمية وتحتاج إلى موعد مستقل لمقابلته ، أيضاً كلمة ( Waiter ) في المطاعم تعني الشخص الذي يخدم ، أي أن المنتظر خادم .

القاعدة السادسة :
بالفلوس تشتري مكاناً متقدماً ، يستطيع الميسورون مالياً شراء حاجاتهم من متاجر ليس فيها انتظار أو إرسال مرسول إلى المتجر ليشتري له ما يريد ، فمن رصيده في البنك كبير لا يقف في صف الانتظار ، بل يذهب إلى صالة للخدمة الماسية أو الذهبية حيث يقدم له الشاي أو القهوة وينجز أعماله ، أما كبار عملاء البنك فلا يحتاجون إلى الذهاب إلى البنك بل يستطيع البنك الذهاب إليهم لإنجاز أعمالهم .
عندما يمتد الوقت نتيجة تحرك المدة ببطء يشعر الإنسان بالملل ، ويفقد الاهتمام بأي شيء كما يفقد الطاقة للقيام بأي عمل ، وإذا بدأ الإنسان بالشعور بأن الوقت يمر ببطء شديد فقد يصل إلى الإصابة بمرض الاكتئاب . يقول عامل لا يستمتع بعمله : " أشعر أنني عملت يوماً كاملاً قبل أن يحين وقت الغداء " ويقول عامل آخر يستمتع بعمله : " مرّ اليوم سريعاً كأنني لم أبدأ العمل إلا قبل قليل " وكأن هناك ساعة نفسية للإنسان مرتبطة باستمتاعه بوقته .

نبض الحوار

- وأخير شكر مدير الندوة الدكتور يحيى أبو الخير الأستاذ الدكتور أسعد على هذه المحاضرة الكريمة الرائعة الممنهجة ، وقد ذكر أن هذا الحديث هو عن كتاب " جغرافية الوقت " و ذكر أن المؤلف وصف الوقت وكأنه يتحدث ، ولكنه يتحدث بلهجة ولكل ثقافة بصمتها الإيقاعية ، وأن المؤلف استخدم مصطلحين وقت الساعة ووقت الحدث وتدور الأمور كلها حول هذين الحدثين الأساسيين ، فالحديث ليس عن تنظيم الوقت ولا عن إدارة الوقت ، ولكنه عن طبيعة الوقت وعناصره وتفاعل الناس النفسي معه ، واستأذن الدكتور لفتح الباب للحوار معه ..

- وبدأ المداخلات الأستاذ منصور العمرو فقال : شكراً على هذه المحاضرة التي أعترف أنها أضافت لي كثيراً ، وذكرتني بمصطلح ربما أطلق على سبيل الهزل " جغرافية الزملكان " أي الزمان والمكان ، سيدي المحاضر : أين الروحانية في جغرافية الوقت أين القيم والدين والمعاملة ؟ ألا يمكن أن نربط الوقت بالدين والعبادة عند الحديث عن جغرافية الوقت ؟

-أمّا المهندس محمد باجنيد فأشار إلى أنّه : يتقدّم بالشكر الجزيل للدكتور أسعد على تشريفه في هذه الأمسية ، ولا شك أنه في تراثنا وثقافتنا للوقت شأن كبير ، لكن لماذا أصبحنا أمة لا تبالي بالوقت بل أصبحنا مضرباً للمثل على عدم الدقة في الأوقات وضياعها ؟ وهل الإنسان المزحوم وقته أكثر إنتاجية من الإنسان الذي له في وقته سعة ؟

- وأشار الدكتور محمود مستشار مركز اللغويات التطبيقية إلى أنّ أجدادنا السابقون أول من أحسن التعامل مع الوقت ، فمثلا القدماء من المصريين قدموا النظام الستيني لقياس الوقت والمزولة الشمسية التي تعتمد على على الشمس لتحديد الوقت ، وأول ساعة تم صناعتها في العهد الحديث كانت في عهد الخليفة هارون الرشيد وصنعت بنفس الساعة التي نعرفها لكن بحجم أكبر ، وقدمت هدية لملك فرنسا وملك بريطانيا ، فكانت هذه ثقافة أجدادنا القدماء ، والقرآن هو الذي علمنا التعامل مع هذا الحدث : " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا " أي لهذا الحدث ساعة ووقت ، وممن تعامل مع الوقت العالم الدكتور أحمد زويل وهو أول من قدم أقل قياس في العالم للتعامل مع الوقت وهو " الفنتو ثانية " .. وجزاكم الله خيراً .

- وقال اللواء عبد القادر كمال : في مجال الوقت لدينا مثل يقول : " رب عجلة أورثت ريثاً " وهذا مثل عربي معروف ، ومثلٌ آخر : " من تأنى نال ما تمنى " ومثل آخر : " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك " ..

- وشكر الدكتور إبراهيم الغنيم : الدكتورالمحاضر على المحاضرة القيمة والعميقة و أتوقف عند ما وقف عنده الكاتب من معايير البرودة والفردية والأمور الجغرافية ، فما مدى مصداقية الكاتب من معالجة لهذه الأمور من إحصائيات وغيره قد تُبنى عليها أمور ودراسات كثيرة ؟ فهل برودة المكان أو الطقس في شمال الكرة الأرضية مؤثر فعلا ؟ وإلى أي مدى ؟
-أمّا الدكتور رشيد الخليّف فقال : سعيدٌ جداً بهذه المحاضرة فاختيار الموضوع مهم وموفق ، بالنسبة لتراثنا العربي والدين الإسلامي فهو يحث على احترام الوقت والصلوات في أوقاتها الخمس ترتب الوقت في خلال اليوم ، لكن للأسف في مجتمعاتنا العربية فإن احترام الوقت هو أقل من غيرها من المجتمعات ولا ندري ما السبب ! فما الخلل في دينا في هذه الثقافة بأننا لا نحترم الوقت ؟ وهل أحدثت التقنية جانبا إيجابيّا لاستغلال الإنسان للوقت والاستفادة منه ؟ أم أحدثت هدرا لوقت شبابنا وأوقاتنا ؟

وقد أجاب الدكتور المحاضر أسعد سليمان عبده على جميع المداخلات ..

التصنيفات